الدرس في شرح آيات الصيام 5، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يتناول معنى الصيام لغة واصطلاحا، ويشرح شروط وجوب الصيام. يُبين أن الإسلام شرط أساسي لوجوب الصيام ويحذر من نواقض الإسلام.
يشرح علامات البلوغ عند الذكور والإناث، مثل الاحتلام والإنبات والحيض، ويبين أن هذه العلامات تلزم الصبي أو الفتاة بالعبادات.
يؤكد على أهمية تعويد الأطفال على الصيام منذ الصغر لسهولة أدائه عند البلوغ، ويشجع على بدء هذا التعويد في سن مبكرة.
يُظهر كيف كان الصحابة يعوّدون أبناءهم على الأمور الحميدة منذ الصغر، ويؤكد أهمية ضبط هذا الأمر دون إفراط أو تفريط.
إِنَّ الْحَمْدَ لِلَّهِ نَحْمَدُهُ تَعَالَى وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ وَنَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا. أَمَّا بَعْدُ، فَمُوَاصِلُونَ -إِخْوَانِي فِي اللَّهِ- فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾، وَمَضَى مَعَنَا -لَوْ تَذَكُرُونَ- فِي مَجَالِسَ قَرِيبَةٍ ذِكْرُ أَهَمِّ الْمَتَائِلِ وَأَهَمِّ الْأَحْكَامِ الْمُسْتَوْحَاةِ وَالْمَأْخُوذَةِ مِنْ هَذِهِ الْآيَةِ، وَكَانَ التَّأْجِيلُ وَالتَّأْخِيرُ لِلْكَلَامِ عَنْ أَمْرِ الصِّيَامِ لِكَثْرَةِ مَتَائِلِهِ. فَالصِّيَامُ -إِخْوَانِي فِي اللَّهِ- تَحْتَهُ مَسَائِلُ مُهِمَّةٌ وَخَاصَّةً وَنَحْنُ فِي هَذَا الشَّهْرِ الْعَظِيمِ بِأَمْسِ الْحَاجَةِ إلَى التَّفَقُّهِ وَإِلَى التَّفَطُنِ لَهَا؛ لِأَنَّ بَعْضَهَا يُعْتَبَرُ الرُّكْنُ مِنْ أَرْكَانِ صِحَّةِ الصِّيَامِ. فَمِنْ أَهَمِّ مَا يُذْكَرُ مِنْ أَمْرِ الصِّيَامِ فِي مَعْنَاهُ: مَا مَعْنَى الصِّيَامِ؟ الصِّيَامُ لُغَةً هُوَ الْإِمْسَاكُ، كَمَا قَالَ رَبُّنَا جَلَّ وَعَلَا: ﴿إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا﴾، مَعْنَى: نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا، أَيْ: صَمْتًا، أَيْ: سُكُوتًا. وَلِهَذَا قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: "كُلُّ مُمْسِكٍ عَنْ طَعَامٍ أَوْ عَنْ كَلَامٍ أَوْ عَنْ سَيْرٍ فَهُوَ صَائِمٌ"، كُلُّ مُمْسِكٍ عَنْ طَعَامٍ أَوْ عَنْ كَلَامٍ أَوْ عَنْ سَيْرٍ فَهُوَ مُمْسِكٌ، وَيُطْلَقُ لُغَةً الصِّيَامُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُسِكتٍ أَوْ أَمْسَكْت حَرَكَتَهُ، فَيُقَالُ: صَامَتْ الرِّيحُ إذَا رَكَدَتْ، وَهَكَذَا: خَيْلٌ صِيَامٌ، أَيْ: إذَا سَكَنَتْ. فَكُلُّ مَا كَانَ فِيهِ سُكُونٌ وَفِيهِ إِمْسَاكٌ فَهُوَ فِيهِ مَعْنَى الصِّيَامِ، وَيَهُمُّنَا هُنَا مَا مَعْنَى الصِّيَامِ فِي اصْطِلَاحِ الشَّرْعِ وَعِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ. لِلْعُلَمَاءِ فِي هَذَا الْبَابِ تَعَارِيفُ كَثِيرَةٌ، نَقْصُرُ عَلَى تَعَارِيفَ يَكُونُ الْكَلَامُ عَلَى فُرُوعِهِ، وَمِنْ هَذِهِ التَّعَارِيفِ تَعَارِيفَ ذَكَرَهَا الْعُلَمَاءُ فِي كُتُبِهِمْ، وَهِيَ قَوْلُهُمْ: "إنَّ الصِّيَامَ هُوَ الْإِمْسَاكُ عَنْ الْمُفَطِرَاتِ مِنْ طُلُوعِ الْفَجْرِ إلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ مَعَ النِّيَّةِ". وَسَأَتِي -بِإِذْنِ اللَّهِ- بِالْكَلَامِ عَلَى كُلِّ فِقْرَةٍ مِنْ فِقَرَاتِ هَذَا التَّعْرِيفِ، وَذِكْرِ مَسَائِلِهِ وَفُرُوعِهِ. وَقَبْلَ الْكَلَامِ وَالدُّخُولِ -إِخْوَانِي فِي اللَّهِ- فِي ذِكْرِ تَعَارِيفَ أَوْ حُدُودِ التَّعَارِيفِ، بَقِيَ مَسْأَلَةٌ مُهِمَّةٌ، وَهِيَ: عَلَى مَنْ يَجِبُ الصِّيَامُ؟ وَمَنْ هُوَ الَّذِي يُخَاطَبُ بِالصِّيَامِ وَيَجِبُ فِي حَقِّهِ أَنْ يَصُومَ مَعَ أَهْلِ الْإِسْلَامِ؟ ذَكَرَ الْعُلَمَاءُ -رَحِمَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى- أَنَّ الَّذِي يَجِبُ فِي حَقِّهِ الصِّيَامُ مَنْ تَوَفَرَتْ فِيهِ شُرُوطٌ سِتَّةٌ، مَنْ تَوَفَرَتْ فِيهِ شُرُوطٌ سِتَّةٌ، وَهِيَ: أَنْ يَكُونَ مُسْلِمًا، بَالِغًا، عَاقِلًا، مُقِيمًا، قَادِرًا، سَلِيمًا مِنْ الْمَوَانِعِ. هَذِهِ الشُّرُوطُ السِّتَّةُ وَهِيَ مِمَّا اتَّفَقَ عَلَيْهَا الْعُلَمَاءُ: أَنْ يَكُونَ مُسْلِمًا، بَالِغًا، عَاقِلًا، مُقِيمًا، قَادِرًا، سَلِيمًا مِنْ الْمَوَانِعِ. الْأَمْرُ الْأَوَّلُ وَالشَّرْطُ الْأَوَّلُ: أَنْ يَكُونَ مُسْلِمًا، أَنْ يَكُونَ مُسْلِمًا، وَقَدْ مَرَّ مَعْنَى -إِخْوَانِي فِي اللَّهِ- تَذْكُرُونَ كَذَلِكَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾، ذَكَرْنَا لِذَلِكَ الْكَثِيرَةُ الدَّالَةُ عَلَى شَرْطِيَةِ الْإِسْلَامِ وَالْإِيمَانِ فِي حَقِّ مَنْ أَرَادَ الصِّيَامَ. وَخَرَجَ بِشَرْطِ الصِّيَامِ وَخَرَجَ الْكَافِرُ بِشَتَّى صُوَرِهِ، سَوَاءٌ كَانَ الْكَافِرُ الْأَصْلِيُّ أَوْ الْكَافِرُ الْمُرْتَدُّ، فَمَنْ كَانَ كَافِرًا -سَوَاءٌ كَانَ كُفْرُهُ أَصْلِيًّا أَوْ فَرْعًا مَاذَا ارْتِدَادًا- فَإِنَّهُ لَا يُخَاطَبُ بِالصِّيَامِ. وَيَا لِلْأَسَفِ -إِخْوَانِي فِي اللَّهِ- كَمْ مِنْ النَّاسِ لَرُبَّمَا يَخْرُجُونَ مِنْ الْإِسْلَامِ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ، يَقَعُونَ فِي نَوَاقِضِ مِنْ نَوَاقِضِ الدِّينِ! كَمْ مِنْ رَجُلٍ رُبَّمَا فِي نَهَارِهِ وَفِي صَوْمِهِ وَيَسُبُّ الدِّينَ وَيَسُبُّ الرَّبَّ، وَمَا عَلِمَ أَنَّ بِسَبِّهِ لِلدِّينِ وَلِلرَّبِّ قَدْ كَفَرَ وَقَدْ خَرَجَ مِنْ الْمِلَّةِ، لَا يَقْبَلُ اللَّهُ مِنْهُ صَرْفًا وَلَا عَدْلًا. يَنْبَغِي التَّنَبُّهُ، أَوْ آخَرُ رُبَّمَا يَتْرُكُ الصَّلَاةَ صَائِمٌ هُوَ تَارِكٌ لِلصَّلَاةِ، رُبَّمَا يَتَسَحَّرُ ثُمَّ يَنَامُ نَوْمَهُ كَجِيفَةِ الْكَلْبِ كَجِيفَةِ الْحَيَوَانِ، مَا يَصْحَى إلَّا قُبَيْلَ الْمَغْرِبِ، لَا فَجْرَ لَا ظُهْرَ لَا عَصْرَ، هَذَا لَا يَنْفَعُهُ. وَلِهَذَا أَفْتَى الْعُلَمَاءُ أَنَّ مَنْ كَانَ هَذَا حَالُهُ يَصُومُ مِنْ غَيْرِ صَلَاةٍ، صَوْمُهُ بَاطِلٌ؛ لِأَنَّهُ قَدْ ارْتَدَّ، وَهَذَا عَنْ قَوْلِ مَنْ قَالَ بِكُفْرِ مَنْ تَرَكَ الصَّلَاةَ. فَيَنْبَغِي التَّأَمُّلُ -إِخْوَانِي فِي اللَّهِ- وَمُرَاجَعَةُ الشَّخْصِ لِنَفْسِهِ، وَيَعْرِفُ مَا هِيَ النَّوَاقِضُ الَّتِي تُخْرِجُ الْمُسْلِمَ مِنْ دَائِرَةِ الْإِسْلَامِ حَتَّى يَعْرِفَ أَيْنَ مَوْقِعُهُ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا: إِمَّا مِنْ أَهْلِ الْإِسْلَامِ فَيَتَعَبَّدُ اللَّهَ مَعَهُمْ، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ كَافِرًا فَلْيَتَعَبَّدْ نَفْسَهُ، فَلْيَتَعَبَّدْ نَفْسَهُ بِالْعِبَادَاتِ. وَكَمَا قُلْنَا: هُنَاكَ فُرُوعٌ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَا سَيَأْتِي الْكُفْرِ، قَدْ مَضَى ذِكْرُهَا كَمَا قُلْنَا فِي دُرُوسٍ مَاضِيَةٍ. الْوَصْفُ الثَّانِي: الْبُلُوغُ، يَجِبُ الصِّيَامُ عَلَى الْبَالِغِينَ، وَالْبُلُوغُ -إِخْوَانِي فِي اللَّهِ- مَرْحَلَةٌ يَصِلُ إلَيْهَا الْفَتَى، وَلِلْبُلُوغِ عَلَامَاتٌ، وَذَكَرَ الْعُلَمَاءُ عَلَامَاتِ الْبُلُوغِ ثَلَاثَ عَلَامَاتٍ، وَهَذِهِ تَكْمُنُ فِي حَقِّ الذُّكُورِ. الْعَلَامَةُ الْأُولَى: الِاحْتِلَامُ، الصَّبِيُّ مَتَى مَا احْتَلَمَ يَكُونُ قَدْ بَلَغَ، إذَنْ يَجِبُ فِي حَقِّهِ الصِّيَامُ، وَدَلِيلُهُ مَا جَاءَ فِي السُّنَنِ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ -رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا- قَالَتْ: قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: "رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثٍ، وَذَكَرَ مِنْهُمْ: وَعَنْ الصَّبِيِّ حَتَّى يَحْتَلِمَ"، عَنْ الصَّبِيِّ حَتَّى يَحْتَلِمَ، الصَّبِيُّ رُفِعَ عَنْهُ الْقَلَمُ، لَكِنْ إذَا احْتَلَمَ فَإِنَّ الْقَلَمَ يَجْرِي عَلَيْهِ. الْحَدِيثَ ذَكَرَهُ الْأَلْبَانِيُّ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- فِي الْإِرْوَاءِ. الْوَصْفُ الثَّانِي: وَهُوَ الْإِنْبَاتُ، نُعْلَمُ بِالْإِنْبَاتِ أَنْ يَنْبُتَ شَعْرُ الْعَانَةِ، فَهَذِهِ عَلَامَةٌ مِنْ عَلَامَاتِ الْبُلُوغِ، وَدَلِيلُهُ مَا جَرَى فِي يَوْمِ قُرَيْظَةَ وَفِي بَنِي قُرَيْظَةَ، عِنْدَمَا خَانُوا وَنَقَضُوا الْعَهْدَ الَّذِي بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ -عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ-، وَكَاسَ الْحُكْمُ الشَّرْعِيُّ فِيهِمْ أَنْ يُقْتَلَ رِجَالُهُمْ، فَكَانَ هُنَاكَ خَلِيطٌ مِنْ الرِّجَالِ وَالْفِتْيَانِ وَالشَّبَابِ مِنْ الْيَهُودِ، فَكَيْفَ يُمَيَّزُ بَيْنَ الرَّجُلِ وَبَيْنَ الصَّبِيِّ الَّذِي يُقْتَلُ وَالَّذِي لَا يُقْتَلُ؟ كَانَ يُمَيَّزُ بَيْنَ هَؤُلَاءِ بِالْإِنْبَاتِ، يُمَيَّزُ بِالْإِنْبَاتِ، كَمَا جَاءَ ذَلِكَ فِي الصَّحِيحِ الْمُسْنَدِ مِمَّا لَيْسَ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ عَطِيَّةَ الْقُرَظِيِّ قَالَ: "فَكَانَ مَنْ أَنْبَتَ مِنْا قُتِلَ، وَمَنْ لَمْ يَنْبُتْ تُرِكَ"، قَالَ: "وَكُنْتُ مِمَّنْ لَمْ يَنْبُتْ"، وَفِي رِوَايَةٍ قَالَ: "فَيَكْشِفُ عَنْ عَوْرَاتِنَا"، فَيَكْشِفُ عَنْ عَوْرَاتِنَا، فَمَنْ أَنْبَتَ قُتِلَ. وَالْحَدِيثُ رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَهُوَ فِي الصَّحِيحِ الْمُسْنَدِ. فَالشَّاهِدُ: كَانَ مِنْ الطَّرِيقَةِ فِي تَمْيِيزِ الْبَالِغِ مِنْ غَيْرِ الْبَالِغِ بِطَرِيقَةِ الْإِنْبَاتِ، إنْبَاتِ شَعْرِ الْعَانَةِ. كَذَلِكَ الْم عَلَامَةُ الثَّالِثَةُ: وَهُوَ بُلُوغُ الْخَامِسَةِ عَشْرَةَ، بُلُوغُ الْخَامِسَةِ عَشْرَةَ، وَهَذَا مِنْ فِعْلِهِ -عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ-، حَيْثُ أَنَّهُ إذَا خَرَجَ لِلْجِهَادِ وَالْغَزَوَاتِ، كَانَ يَنْظُرُ وَيَسْأَلُ عَنْ السِّنِّ، إنْ شَكَّ فِي صَبِيٍّ أَوْ فِي فَتَى، فَكَانَ يُعْرَفُ أَنَّهُ مِنْ أَهْلِ الْجِهَادِ بِالسُّؤَالِ عَنْ سِنِّهِ، إنْ بَلَغَ الْخَامِسَةَ عَشْرَةَ أَلْحَقَهُ فِي الْجَيْشِ، وَإِنْ كَانَ دُونَ ذَلِكَ رَدَّهُ. وَعَلَى هَذَا فَتْوَى الْعُلَمَاءِ، فَهَذِهِ الْعَلَامَاتُ الثَّلَاثُ: وَهِيَ الِاحْتِلَامُ وَالْإِنْبَاتُ وَبُلُوغُ الْخَامِسَةِ عَشْرَةَ، وَيُضَافُ لِلْأُنْثَى الْحَيْضُ، تُزَادُ عَلَى الْأُنْثَى أَنْ تَحِيضَ. فَالْبِنْتُ وَالصَّبِيَّةُ وَالْفَتَاةُ إذَا حَاضَتْ فَإِنَّهَا تَكُونُ مِنْ الْبَالِغِينَ، تَكُونُ مِنْ الْبَالِغِينَ، وَتُؤْمَرُ بِالصِّيَامِ. هَذِهِ إذَنْ عَلَامَاتُ الْبُلُوغِ. نَأْتِي الْآنَ إلَى أَهَمِّ الْمَسَائِلِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِالْبُلُوغِ. الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ أَوْ هَذِهِ الصُّوَرُ أَوْ هَذِهِ الصِّفَاتُ، الصِّفَاتُ الْبُلُوغِ تُسَمَّى عِنْدَ الْعُلَمَاءِ بِالصِّفَاتِ الْأَصْلِيَةِ، الصِّفَاتِ الْأَصْلِيَةِ لِلْبُلُوغِ، وَهِيَ الْعَمُدَةُ، وَهِيَ الْعَمُدَةُ الَّتِي يُعْتَمَدُ عَلَيْهَا فِي مَعْرِفَةِ الْبَالِغِ وَغَيْرِ الْبَالِغِ. لِمَاذَا هِيَ الْعَمُدَةُ؟ لِأَنَّهُ يُوجَدُ عَلَامَاتٌ لِلْبُلُوغِ لَكِنَّهَا فَرْعِيَّةٌ، مِثْلُ ظُهُورِ شَعْرِ مَاذَا؟ إنْبَاتِ شَعْرِ الشَّارِبِ، ظُهُورِ شَعْرِ الْإِبْطِ، يَعْنِي شُعُونِ مَاذَا؟ أَوْ يَعْنِي خُشُونَةً فِي صَوْتِ الرَّجُلِ، هَذِهِ عَلَامَاتٌ، وَإِنْ كَانَتْ عَلَامَاتِ الْبُلُوغِ لَكِنَّهَا عَلَامَاتٌ فَرْعِيَّةٌ، لَيْسَتْ عَمُدَةً. وَإِنَّمَا الْعَمُدَةُ هَذَا الَّذِي ذُكِرَ: الثَّلَاثَةُ لِلرِّجَالِ وَالرَّابِعُ الْحَيْضُ لِمَاذَا فِي حَقِّ الْإِنَاثِ؟ الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ الْمُتَعَلِّقَةُ كَذَلِكَ بِالْبُلُوغِ: لَا يُشْتَرَطُ فِي عَلَامَاتِ الْبُلُوغِ أَنْ تَجْتَمِعَ، لَا يُشْتَرَطُ فِي عَلَامَاتِ الْبُلُوغِ أَنْ تَجْتَمِعَ. بَعْضُ أَوْلِيَاءِ الْأُمُورِ لِجَهْلِهِمْ يَرَى لَابُدَّ أَنَّهُ تَكْتَمِلُ هَذِهِ الْعَلَامَاتُ الثَّلَاثُ فِي الصَّبِيِّ حَتَّى يَكُونَ مُحْتَلِمًا، فَحِينَ يُؤْمَرُ بِمَاذَا؟ بِوَاجِبَاتِ الْإِسْلَامِ، هَذَا لَيْسَ بِشَرْطٍ. بَلْ قَالَ الْعُلَمَاءُ: أَيُّهُمَا سَبَقَ فَيُلْحَقُ، أَيُّهُمَا سَبَقَ يُلْحَقُ، فَإِنْ ظَهَرَ مَثَلًا فِي الصَّبِيِّ ظَهَرَ الِاحْتِلَامُ يُلْحَقُ بِالْبَالِغِينَ، إنْ ظَهَرَ مِنْهُ إنْبَاتٌ أُلْحِقَ بِالْبَالِغِينَ، أَيُّ عَلَامَةٍ ظَهَرَتْ يُلْحَقُ هَذَا الصَّبِيُّ بِالْبَالِغِينَ. وَهُنَا تَأْتِي مَثَلٌ مُهِمَّةٌ، وَهِيَ مِمَّا يُجْهِلُهَا بَعْضُ أَوْلِيَاءِ الْأُمُورِ، وَخَاصَّةً الْأُمَّهَاتُ: أَنَّ مِنْ بَعْضِ النَّاسِ يَرَى أَنَّ الْبُلُوغَ مَا يَكُونُ إلَّا بِبُلُوغِ الْخَامِسَةِ عَشْرَةَ، وَلِهَذَا تَرَى تَجِدُ الْأُمَّهَاتِ تَرَى أَنَّ بِنْتَهَا مَا تُؤْمَرُ بِالصِّيَامِ وَغَيْرِ مِنْ الطَّاعَاتِ وَالْعِبَادَاتِ إلَّا إذَا بَلَغَتْ قَدْرَ مَعَ أَنَّ الْبِنْتَ لَرُبَّمَا تَحِيضُ قَبْلَ هَذَا السِّنِّ. بَعْضُ النِّسَاءِ أَوْ بَعْضُ الْفَتَيَاتِ عَلَى حَسَبِ قُوَّةِ أَجْسَادِهِنَّ وَعَلَى تَغْذِيَتِهِنَّ لَرُبَّمَا يَكُونُ حَيْضُهَا مُبَكِّرًا فِي السِّنِّ الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ، فِي السِّنِّ الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ. فَالْفَتَاةُ إذَا حَاضَتْ فِي هَذَا السِّنِّ الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ وَالثَّانِيَةَ عَشْرَةَ تَكُونُ مِنْ الْبَالِغِينَ، مِنْ الْبَالِغَاتِ، تُؤْمَرُ بِالصِّيَامِ. بَعْضُ النِّسْوَةِ -لَا أَقُولُ الْأُمَّهَاتِ- تَتْرُكُهَا السَّنَةَ هَذِهِ وَالسَّنَةَ الَّتِي بَعْدَهَا، ثُمَّ حَتَّى تَأْتِيَ السَّنَةُ الْخَامِسَةَ عَشْرَةَ حِينَ تُؤَمِّرُهَا، وَهَذَا اسْمٌ، وَهَذَا لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّ الْبِنْتَ لَمَّا حَاضَتْ أُلْحِقَتْ بِالْبَالِغَاتِ، وَجَبَ فِي حَقِّهَا الصِّيَامُ. وَهَذَا يُدَلِّلُنَا -إِخْوَانِي فِي اللَّهِ- عَلَى أَهَمِّيَةِ مَعْرِفَةِ هَذِهِ الصِّفَاتِ، وَخَاصَّةً عَلَى أَوْلِيَاءِ الْأُمُورِ أَنْ يَتَفَقَّهُ فِي عَلَامَاتِ الْبُلُوغِ، يَعْلَمُ مَتَى هَذَا الْابْنُ أَوْ تِلْكَ الْبِنْتُ قَدْ بَلَغَتْ حَتَّى تُؤَمَرَ بِالصِّيَامِ، مَثَلًا، وَهَكَذَا بِالصَّلَاةِ، وَقِفْ عَلَى ذَلِكَ وَاجِبَاتِ الْإِسْلَامِ. الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ كَذَلِكَ الْمُتَعَلِّقَةُ بِالْبُلُوغِ: وَهِيَ أَنَّهُ إنْ كَانَ الصَّبِيُّ وَإِنْ لَمْ يُؤْمَرْ بِالصِّيَامِ فِي حَالِ صِغَرِهِ وَدُونَ سِنِّ الْبُلُوغِ، لَا يَعْنِي هَذَا أَنْ يُتْرَكَ الْأَصْلُ. أَنْ الطِّفْلَ إذَا كَانَ بَالِغًا يُؤْمَرُ بِالصِّيَامِ بِعَلَامَةِ الْبُلُوغِ: إنْ احْتَلَمَ أَوْ أَنْبَتَ أَوْ كَانَ عَلَى خَامِسَةَ عَشْرَةَ، لَكِنْ لَيْسَ يَعْنِي هَذَا إنْ لَمْ تَظْهَرْ مِنْهُ هَذِهِ الْعَلَامَاتُ يُتْرَكُ، لَا -يَا عَبْدَ اللَّهِ-، هُنَاكَ مَا يُسَمَّى بِالتَّرْبِيَةِ، هُنَاكَ مَا يُسَمَّى بِالتَّعْوِيدِ، هُنَاكَ مَا يُسَمَّى بِالتَّدْرِيجِ. وَإِنْ كَانَ ابْنُك -يَا عَبْدَ اللَّهِ- لَمْ يَكُنْ مِنْ الْبَالِغِينَ، فَلَا بَأْسَ أَنْ تُرَبِّيَهُ عَلَى أَنْ يَعْتَادَ عَلَى الصِّيَامِ، هُرَوْمَهُ أَمْرٌ لَيْسَ أَمْرُ وُجُوبٍ، لَكِنْ أَمْرُ مَاذَا؟ حُسْنٍ. يَا بُنَيَّ صُمْ، حَاوِلْ أَنْتَ تَصُومُ، وَلَوْ كَانَ فِي السِّنِّ الْعَاشِرَةِ، وَلَوْ كَانَ دُونَ ذَلِكَ. بَلْ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ: مَا هِيَ السِّنُّ الَّتِي يُسْتَحْسَنُ فِيهَا لِلصَّبِيِّ مَاذَا؟ يَتَعَوَّدُ عَلَى الصِّيَامِ؟ مِنْ مَنْ قَالَ: التَّاسِعَةَ، مِنْ مَنْ قَالَ: السَّابِعَةَ. وَالصَّحِيحُ عِنْدَ الْقَدْرَةِ، إذَا رَأَى الْأَبُ أَنَّ ابْنَهُ عِنْدَهُ قُدْرَةٌ وَمَقْدِرَةٌ وَلَوْ شَيْءٌ يَسِيرٌ عَلَى الصِّيَامِ، عَوِّدْهُ عَلَى الصِّيَامِ، يَتَعَوَّدُ عَلَى الصِّيَامِ. وَعَلَى هَذَا كَانَ فِعْلُ السَّلَفِ -رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ- مِنْ أَصْحَابِ نَبِيِّنَا -عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ-، كَمَا جَاءَ فِي الصَّحِيحِ مِنْ حَدِيثِ الرُّبَيِّعِ بِنْتِ مُعَوِّذٍ أَنَّهُمْ كَانُوا يُصَوِّمُونَ صِبْيَانَهُمْ، وَيُسَاعِدُونَهُمْ عَلَى ذَلِكَ، وَذَلِكَ بِأَنَّهُمْ يَصْنَعُونَ لَهُمْ اللُّعَبَ مِنْ الْعِهْنِ، يَكُونُ مِثْلَ مَا يَكُونُ هَذِهِ الْأَيَّامِ: يُؤْتَى بِصُوفٍ أَوْ خِرَقٍ تُجْعَلُ مِنْهَا اللُّعْبَةُ، ثُمَّ يُعْطَى بِهَا الطِّفْلُ يَلْعَبُ بِهَا؛ لِمَاذَا؟ لِتُلهِيَهُ عَنْ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ. يُعَوِّدُونَهُ عَلَى الصِّيَامِ، وَفِيهِ نَبْغِي -إِخْوَانِي فِي اللَّهِ- عَلَى أَوْلِيَاءِ الْأُمُورِ أَنْ يُعَوِّدُوا صِبْيَانَهُمْ، أَوْلَادَهُمْ عَلَى الصِّيَامِ، وَلَيْسَ شَرْطٌ أَنْ يَكُونَ يَوْمًا كَامِلًا، وَلَوْ حَتَّى شَطْرَ يَوْمٍ، وَلَوْ حَتَّى سَاعَاتٍ فِي سِنِّ التَّاسِعَةِ، سِنِّ عَشْرٍ، وَاتَعَوَّلُهُ حَتَّى الظُّهْرِ، هَذِهِ السَّنَةُ لِلظُّهْرِ، وَهَكَذَا. مَا يَأْتِي السَّنَةُ الثَّانِيَةُ إلَّا إلَى قُرْبِ الْعَصْرِ، مَا يَأْتِي فِي الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ لَوْ قَصَامَ رَمَضَانَ، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ قَبْلَ الْبُلُوغِ يَصُومُ رَمَضَانَ. وَهَذَا يُعِينُك -يَا عَبْدَ اللَّهِ- عَلَى تَرْبِيَةِ أَهْلِكَ. وَلِهَذَا كَمْ نَرَى مِنْ كَثِيرٍ مِنْ الْآبَاءِ يَعَانُونَ مِنْ أَوْلَادِهِمْ، وَهَذَا قَدْ نَرَاهُ بَلْ رَأَيْنَاهُ، لَا أَقُولُ صَبِيٌّ أَوْ أَقُولُ فَتَى، بَلْ رَجُلٌ بَلَغَ الْعِشْرِينَ، بَلْ تَجَاوَزَ الْعِشْرِينَ، عِنْدَهُ مِنْ الْجَلَدِ أَنَّهُ يَعْمَلُ فِي الْمِهَنِ الْعَضْلِيَّةِ، لَوْ رُبَّمَا فِي بَحْرٍ، لَوْ رُبَّمَا فِي زِرَاعَةٍ، لَوْ رُبَّمَا فِي عَمَلٍ عَضْلِيٍّ. وَمَعَ ذَاكَ يَدْخُلُ رَمَضَانَ مَا اسْتَطَاعَ يَصُومُ، يَخْتَبِئُ خَلْفَ الْجُدْرَانِ -أَعَزَكُمُ اللَّهُ- فِي الْحَمَّامَاتِ أَوْ فَوْقَ السَّطْحِ، وَيَأْكُلُ فِي نَهَارِ رَمَضَانَ؛ لِمَاذَا؟ لِأَنَّهُ مَا تَرَبَّى، مَا تَرَبَّى عَلَى صِغَرِهِ، مَا تَرَبَّى مُنْذُ صِغَرِهِ عَلَى الصَّوْمِ. لَوْ أَنَّ هَذَا الْفَحْلَ بِهَذَا الضَّخْمِ، لَوْ أَنَّهُ تَعَوَّدَ مِنْ صِغَرِهِ عَلَى الصَّوْمِ مَعَ الْوَالِدَيْنِ مِنْ سِنِّ الْعَاشِرَةِ وَالْحَادِيَةَ عَشْرَةَ وَالثَّانِيَةَ عَشْرَةَ، مَا يَأْتِي عَلَيْهِ سِنُّ الْبُلُوغِ إلَّا وَيَرَى مِنْ سَجِيَّتِهِ، يَرَى مِنْ طَبِيعَةِ أَنَّ الصِّيَامَ سَهْلٌ، لِنِعْتَادَ عَلَيْهِ. لَكِنْ تَخَيَّلْ مَا تَعَوَّدَ عَلَى الصِّيَامِ، أَوَّلَ مَا يُؤْمَرُ فِي السِّنِّ الْخَامِسَةَ عَشْرَةَ مَثَلًا، بَلَغَ الْخَامِسَةَ عَشْرَةَ، قَالَ لَهُ الْأَبُ: يَا بُنَيَّ أَنْتَ بَلَغْتَ، صُمْ هَذِهِ السَّنَةَ، تَخَيَّلْ أَوَّلَ مَرَّةٍ فِي حَيَاتِهِ يَصُومُ؛ لِأَنَّهُ مُكَلَّفٌ، لَوْ رُبَّمَا فِي أَوَّلِ رَمَضَانَ مَا صَبَرَ، كُلُّهُ سَيَصُومُ بَعْضُ أَيَّامٍ وَبَعْضُ أَفْطَرَ فِيهَا. وَالسَّنَةُ الثَّانِيَةُ لَوْ رُبَّمَا صَادَفَ حَرًّا، تَكَاسَلَ، وَدَخَلَ فِي السَّابِعَةَ عَشْرَةَ وَالثَّامِنَةَ عَشْرَةَ، وَهُوَ لَا يَزَالُ عَلَيْهِ أَيَّامٌ مِنْ رَمَضَانَ يُقَضِيهَا؛ لِمَاذَا؟ مَا تَعَوَّدَ. لَكِنْ تَعَوَّدَ عَلَى صِغَرِهِ، وَلِهَذَا جَاءَ فِي الْبُخَارِيِّ أَنَّ عُمَرَ -رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ- جَاءَهُ بِسَكْرَانَ فِي نَهَارِ رَمَضَانَ، فَوَبَّخَهُ قَالَ: "وَيْحَكَ تُفْطِرُ فِي نَهَارِ رَمَضَانَ، وَصِبْيَانُنَا يَصُومُونَ". فَالصَّحَابَةُ كَانَ مِنْ عَهْدِهِمْ وَفِي زَمَانِهِمْ يُعَوِّدُونَ الصِّبْيَانَ، وَكَمَا قَالَ شَاعِرٌ: "وَيَنْشَأُ نَاشِئُ الْفِتْيَانِ مِنْا عَلَى مَا عَوَّدَهُ عَلَيْهِ أَبُوهُ". فَالِابْنُ يَعْتَادُ عَلَى مَا اعْتَادَ عَلَيْهِ أَبُوهُ -فَهْمٌ بِإِخْوَانِي فِي اللَّهِ-، وَالْمَسْأَلَةُ تَحْتَاجُ إلَى ضَبْطٍ، لَا إفْرَاطَ وَلَا تَفْرِيطَ. فَالْأَبُ لَا ي