الدرس في شرح آيات الصيام 4، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
الدرس يبدأ بتوضيح معنى التقوى في آية الصيام، حيث اختلف العلماء في تفسيرها بين كونها ترك المُفطرات أو الوصول إلى تقوى الله من خلال الصيام. يُبين أن الغاية من الصيام هي تهذيب النفس.
النبي صلى الله عليه وسلم يشدد على أهمية الامتناع عن قول الزور والعمل به أثناء الصيام، ويحذر من أن الصائم قد لا يستفيد من صيامه إذا لم يترك المعاصي. الصيام الحقيقي هو الامتناع عن الذنوب.
الصيام الحقيقي ليس فقط الامتناع عن الطعام والشراب، بل هو وسيلة لترك الذنوب والمعاصي، ويُعد من أعظم الأسباب المعينة على الأعمال الصالحة، ويضيق على الشيطان ويقلل وسوسته.
الدرس ينتهي بالدعاء بأن ينفع الله بما قيل، والصلاة على النبي محمد وآله وصحبه، ويُظهر الالتزام بالتقوى والتأكيد على علم الله تعالى.
إِنَ الْحَمْدَ لِلَّهِ نَحْمَدُهُ تَعَالَى وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ وَنَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا. أَمَّا بَعْدُ، فَمُوَاصِلٌ إخْوَانِي فِي اللَّهِ مَعَ قَوْلِ رَبِّنَا جَلَ وَعَلَا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾. وَكَانَ الْكَلَامُ فِي دُرُوسٍ مَاضِيَةٍ عَنْ أَهَمِّ الْمَسَائِلِ وَالْأَحْكَامِ الَّتِي تُذْكَرُ مِنْ هَذِهِ الْآيَةِ، فَكَانَ الْكَلَامُ عَنْ صِفَةِ أَهْلِ الْإِيمَانِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾، وَعَلَّمْنَا مَنْ خَرَجَ بِهَذَا الْقَيْدِ، ثُمَّ كَانَ الْكَلَامُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿كُتِبَ﴾ وَمَا احْتَوَتْهُ مِنْ مَسَائِلٍ وَفَوَائِدَ، ثُمَّ كَانَ الْكَلَامُ عَلَى إيمَانِ مَنْ كَانَ قَبْلَنَا وَصِيَامِهِمْ، ثُمَّ أَجَّلْنَا الْكَلَامَ فِي الصِّيَامِ لِطُولِهِ وَيُتْرَكُ إنْ شَاءَ اللَّهُ فِي بَابِهِ. ثُمَّ كَانَ الْكَلَامُ بَعْدَ ذَلِكَ حَوْلَ التَّشْبِيهِ بَيْنَ صِيَامِنَا وَصِيَامِ أَهْلِ الْإِسْلَامِ، ثُمَّ نَأْتِي إلَى خِتَامِ الْآيَةِ وَهِيَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾. وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ عَلَى قَوْلَيْنِ فِي مَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾. ذَهَبَ جَمَاعٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ مِنْ أَهْلِ التَّفْسِيرِ أَنَّ الْمَقْصُودَ هُنَا بِقَوْلِهِ: ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ أَيْ تَتْرُكُوا الْمُفْطِرَاتِ مِنْ طَعَامٍ وَشَرَابٍ وَجِمَاعٍ، هَذَا مَعْنَى الِاتِّقَاءِ هُنَا أَيْ بِتَرْكِ الْمُفْطِرَاتِ: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ أَيْ لَعَلَّكُمْ تَتْرُكُونَ هَذِهِ الْمُفْطِرَاتِ مِنْ طَعَامٍ وَشَرَابٍ وَجِمَاعٍ. وَرَجَّحَ هَذَا التَّفْسِيرَ إمَامُ الطَّبَرِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى وَنَقَلَهُ عَنْ السُّدِّيِّ وَعَنْ غَيْرِهِ. وَقَوْلٌ ثَانٍ، وَهُوَ قَوْلُ الْكَثِيرِ مِنْ الْمُفَسِّرِينَ أَنَّ مَعْنَى قَوْلِ رَبِّنَا جَلَ وَعَلَا: ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ أَيْ لَعَلَّ الصِّيَامَ يَصِلُكُمْ إلَى التَّقْوَى. وَهَذَا الَّذِي جَنَحَ إلَيْهِ الْكَثِيرُ مِنْ الْمُفَسِّرِينَ، وَعَلَى ظِلِّ هَذَا التَّفْسِيرِ تَأْتِي هُنَا مَسَائِلُ مِنْ أَهَمِّهَا أَنْ نَعْلَمَ إخْوَانِي فِي اللَّهِ أَنَّ الْغَايَةَ وَأَنْ الهدف أَوْ أَنَّ مِنْ أَعْظَمِ الْأَهْدَافِ الَّتِي مِنْ أَجْلِهَا شُرِعَ الصِّيَامُ هِيَ تَهْذِيبُ النَّفْسِ وَإيصَالُهَا إلَى مَرْحَلَةِ التُّقَى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾، فَبِالصِّيَامِ يُوصَلُ الْعَبْدُ إلَى تَقْوَى اللَّهِ جَلَ وَعَلَا. وَهُنَا يَظْهَرُ الْخَطَأُ وَالْمَفْهُومُ الْغَلَطُ الَّذِي انْتَشَرَ وَطَمَّ بَيْنَ الْكَثِيرِ مِنْ الصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ، حَيْثُ ظَنَّ الْبَعْضُ أَنَّ الصِّيَامَ إنَّمَا الْمَقْصُودُ بِهِ هُوَ الْكَفُّ عَنْ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ. وَقَدْ قُلْنَا إخْوَانِي فِي اللَّهِ أَنَّ هَذَا قَوْلُ الْعَامَّةِ الَّذِينَ لَمْ يَتَفَقَّهُوا فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَلَمْ يَنْظُرُوا إلَى آثَارِ السَّلَفِ فِي هَذَا الْبَابِ، كَيْفَ أَنَّ السَّلَفَ رَحِمَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى مَا كَانَ هَذَا فَهْمُهُمْ لِلصِّيَامِ. بَلْ قَالَ مَيْمُونُ بْنُ مِهْرَانَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: «أَهْوَى الصِّيَامِ تَرْكُ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ، هَذَا أَهْوَى النَّوْعِ، أَهْوَى دَرَجَةٍ مِنْ دَرَجاتِ الصِّيَامِ هُوَ تَرْكُ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ». بِخِلَافِنَا نَحْنُ فِي هَذِهِ الْأَزْمِنَةِ وَفِي تَفْكِيرِ عَامَّةِ النَّاسِ يَرَوْنَ أَنَّ الْقِمَّةَ وَالذُّرْوَةَ وَالْغَايَةَ مِنْ تَشْرِيعِ الصِّيَامِ هُوَ الْكَفُّ عَنْ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ، وَهَذَا خَطَأٌ. وَإِنَّمَا شَرَعَ رَبُّنَا الصِّيَامَ لِكَيْ نَتَّقِيَ اللَّهَ جَلَ وَعَلَا، فَنَجْعَلَ فِي قُلُوبِنَا تَقْوَى اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، وَأَنْ نَجْعَلَ فِي نُفُوسِنَا وَفِي ذَوَاتِنَا وَفِي قُلُوبِنَا هَذِهِ الْمَقَامَاتِ الْعَظِيمَةَ مِنْ الْخُشُوعِ وَمِنْ الْخُضُوعِ وَمِنْ الْخَشْيَةِ وَمِنْ الرَّغْبَةِ وَمِنْ الْخَوْفِ وَمِنْ الْوَجَلِ وَمِنْ الْخَوْفِ مِنْ اللَّهِ جَلَ وَعَلَا، وَغَيْرِهَا مِنْ الْمَقَامَاتِ الْعَظِيمَةِ الرَّفِيعَةِ. وَعَلَى هَذِهِ دَلَالَةُ الْأَحَادِيثِ الْكَثِيرَةِ فِي هَذَا الْبَابِ، كَمَا ثَبَتَ فِي الْبُخَارِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ قَالَ: قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ وَالْعَمَلَ بِهِ، فَلَيْسَ لِلَّهِ حَاجَةٌ فِي أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ». مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ، قَالَ الْعُلَمَاءُ: قَوْلُ الزُّورِ أَيْ الْقَوْلُ الْمَائِلُ عَنْ الْحَقِّ، قَوْلُ الزُّورِ هُوَ الْقَوْلُ الْمَائِلُ عَنْ الْحَقِّ؛ لِأَنَّ الزُّورَ مَأْخُوذٌ مِنْ الْإِزْرَارِ، الزُّورُ مَأْخُوذٌ مِنْ الْإِزْرَارِ وَهُوَ الِانْحِرَافُ، فَكُلُّ قَوْلٍ مَائِلٍ، كُلُّ قَوْلٍ مُنْحَرِفٍ مِنْ كَذِبٍ وَمِنْ غِشٍّ وَكَذَلِكَ مِنْ غِيبَةٍ وَنَمِيمَةٍ وَمِنْ سَبٍّ وَشَتْمٍ وَمِنْ لَعْنٍ، هَذَا لَا يَنْبَغِي أَنْ يَتَخَلَّقَ بِهِ مُسْلِمٌ. فَقَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ» أَيْ الْقَوْلَ الْفَاحِشَ الْقَوْلَ الْمُنْحَرِفَ «وَالْعَمَلَ بِهِ». وَأَيْضًا الْعَمَلُ، وَالْعَمَلُ بِالزُّورِ هُوَ الْعَمَلُ بِالْمُحَرَّمِ، كَوْنُكَ تَسْمَعُ مَا لَا يَحِلُّ أَوْ تَرَى مَا لَا يَجُوزُ وَنَحْوَ ذَلِكَ، أَوْ أَنْ تَسْعَى إلَى مَا لَا يَنْبَغِي، فَهَذَا كُلُّهُ مَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ عَلَيْهِ الْمُسْلِمُ؛ لِأَنَّ هَذَا يُخَالِفُ الْقَصْدَ مِنْ تَشْرِيعِ الصِّيَامِ. فَقَالَ نَبِيُّنَا: «مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ وَالْعَمَلَ بِهِ فَلَيْسَ لِلَّهِ حَاجَةٌ بِأَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ». أَيْ: مَا هِيَ الْفَائِدَةُ يَا عَبْدَ اللَّهِ أَنْ تَكُفَّ عَنْ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ وَأَنْتَ لَا تَزَالُ قَابِعًا عَلَى فِعْلِ الْمُحَرَّمَاتِ وَالْمُنْكَرَاتِ وَالْمُحَرَّمَاتِ؟ فَرَبُّنَا لَمْ يَشْرَعْ الصِّيَامَ الْكَفَّ فَقَطْ عَنْ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ، بَلْ مَا هُوَ أَعْظَمُ وَأَغْلَى مِنْ ذَلِكَ وَهُوَ الْكَفُّ عَنْ الْمُحَرَّمَاتِ. وَلِهَذَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ الَّذِي جَاءَ عَنْ بَعْضِ الصَّحَابَةِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، رَوَاهُ إمَامُ أَحْمَدَ فِي مُسْنَدِهِ وَالطَّبَرَانِيُّ فِي مُعْجَمِهِ وَكَذَلِكَ الْبَيْهَقِيُّ فِي سُنَنِهِ، قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «رُبَّ صَائِمٍ لَيْسَ مِنْ صِيَامِهِ إلَا الْجُوعُ وَالْعَطَشُ، وَرُبَّ قَائِمٍ لَيْسَ مِنْ قِيَامِهِ إلَا السَّهَرُ». يَمْسِكُ عَنْ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ مِنْ بُزُوغِ الْفَجْرِ إلَى طُلُوعِ الشَّمْسِ مُمَسِّكٌ، وَقَدْ تَكَبَّدَ عَنْاءَ الصَّوْمِ وَالْمَشَقَّةَ وَتَكَبَّدَ الْحَرَارَةَ وَالضَّمَأَ وَالْجُوعَ وَالْمَخْمَصَةَ، لَكِنَّهُ عَلَى هَذَا يَصْبِرُ عَلَى الْجُوعِ وَالضَّمَأِ، لَكِنَّهُ مَا صَبَرَ عَنْ الْمَعَاصِي، يَذْنِبُ وَيُخْطِئُ وَيَقْتَرِفُ الْمُحَرَّمَاتِ، فَهَذَا مَا الَّذِي أَفَادَهُ؟ مَا اسْتَفَادَ إلَا الْجُوعَ وَالْعَطَشَ. «رُبَّ صَائِمٍ لَيْسَ مِنْ صِيَامِهِ إلَا الْجُوعُ وَالْعَطَشُ، وَرُبَّ قَائِمٍ لَيْسَ مِنْ قِيَامِهِ إلَا السَّهَرُ». هَذَا الْحَدِيثَ يُحَسِّنُهُ الْأَلْبَانِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي كُتُبٍ عَدِيدَةٍ مِنْ كُتُبِهِ، فِي صَحِيحِ الْجَامِعِ وَكَذَلِكَ فِي صَحِيحِ التَّرْغِيبِ وَالتَّرْهِيبِ وَكَذَلِكَ فِي الْمِشْكَاةِ. فَشَاهِدٌ أَنَّ هَذِهِ الْآثَارَ وَالْأَحَادِيثَ، إخْوَانِي، بَلْ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُسْلِمَ يَنْبَغِي أَنْ يَعِيَ أَنَّ الصِّيَامَ إنَّمَا شُرِعَ لِكَيْ يُعَوِّدَ نَفْسَهُ عَلَى تَقْوَى اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، فَلَا يَنْبَغِي يَا عَبْدَ اللَّهِ أَنْك تَكُفَّ عَنْ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ ثُمَّ تَقْتَرِفُ الْمَنْهِيَّاتِ. وَلِهَذَا بَرَكَ الْعُلَمَاءُ هُنَا لَطِيفَةً فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِهَذَا الرَّبْطِ بَيْنَ الصِّيَامِ وَمِنْ لَوَازِمِهِ تَرْكَ الْمَعَاصِي وَالذُّنُوبِ. قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: إنَّكَ لَوْ تَأَمَّلْت فِي الْآيَاتِ الَّتِي فِيهَا الْأَمْرُ بِالصِّيَامِ وَهِيَ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ، أَنَّ اللَّهَ جَلَ وَعَلَا بَعْدَمَا بَرَكَ أَحْكَامَ الصِّيَامِ وَمَا يَتَعَلَّقُ عَنْ كَفِّ عَنْ طَعَامٍ وَشَرَابٍ، بِمَاذَا أَتْبَعَ هَذِهِ الْآيَاتِ؟ أَتْبَعَ الْآيَاتِ الصِّيَامَ بِالْآيَاتِ الَّتِي فِيهَا تَحْرِيمُ أَكْلِ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إلَى الْحُكَّامِ﴾. هَذِهِ الْآيَةُ هِيَ أَوَّلُ آيَةٍ جَاءَتْ بَعْدَ آيَاتِ الصِّيَامِ، لَوْ تَتَبَّعَ أَحَدُنَا الْمُصْحَفَ أَوَّلُ آيَةٍ بَعْدَ آيَاتِ الصِّيَامِ هِيَ الْآيَاتُ فِي تَحْرِيمِ أَكْلِ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْبَاطِلَِسْتَنْتِجُ مِنْ هَذَا أَنَّ الَّذِي يَأْتِي بِالصِّيَامِ وَيَتَحَلَّى بِالصِّيَامِ الشَّرْعِيِّ يَعْلَمُ أَنَّ مِنْ لَوَازِمِ هَذَا الْحُكْمِ هُوَ الْكَفُّ عَنْ أَكْلِ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ، كَمَا أَنَّكَ كَفَفْت عَنْ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ، كَذَلِكَ كُفَّ يَا عَبْدَ اللَّهِ عَنْ أَكْلِ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ. فَلَيْسَ مِنْ الْعَقْلِ أَنْ الْمُسْلِمَ يَكُفُّ عَنْ الْمُبَاحَاتِ، الطَّعَامُ وَالشَّرَابُ مُبَاحٌ، وَأَنْتَ أُمِرْت أَنْ تَكُفَّ عَنْهُ فَأَلْزَمْت نَفْسَكَ، تَلْزَمُ نَفْسَكَ بِالْكَفِّ عَنْ الْمُبَاحَاتِ، بَيْنَمَا الْمَعَاصِي وَالْمُحَرَّمَاتِ أُمِرْت بِالْكَفِّ عَنْهَا فَلَمْ تَكُفَّ. قَالَ الْعُلَمَاءُ: هَذَا الْفَاعِلُ، هَذَا الْفِعْلُ الَّذِي مَاذَا؟ يُلْزِمُ نَفْسَهُ بِتَرْكِ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ وَهِيَ مُبَاحَاتٌ، وَلَا يُلْزِمُ نَفْسَهُ بِتَرْكِ الْمَعَاصِي وَالذُّنُوبِ وَهِيَ مِنْ الْمُحَرَّمَاتِ. قَالُوا: حَالُهُ كَحَالِ مَنْ يَتْرُكُ الْفَرَائِضَ وَيَأْتِي بِالنَّوَافِلِ، يَتْرُكُ فَرِيضَةً وَيَأْتِي بِالنَّافِلَةِ، يَأْتِي الظُّهْرَ وَلَا يُصَلِّي الظُّهْرَ وَلَكِنْ يُصَلِّي السُّنَّةَ الْقَبْلِيَةَ وَالْبَعْدِيَةَ، يَأْتِي الْمَغْرِبَ وَلَا يُصَلِّي الْفَرِيضَةَ وَإِنَّمَا يُصَلِّي السُّنَّةَ الْبَعْدِيَةَ، هَذَا حَالُهُ. فَهَذَا الَّذِي يَصُومُ عَنْ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ وَلَا يَصُومُ عَنْ الْمُحَرَّمَاتِ. وَقَدْ كَانَ مِنْ فِقْهِ السَّلَفِ رَحِمَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى فِي هَذَا الْبَابِ، وَلِهَذَا ثَبَتَ عَنْ جَابِرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ أَنَّهُ قَالَ: «إِذَا صُمْت فَلْيَصُمْ سَمْعُك وَبَصَرُك وَلِسَانُك عَنْ الْكَذِبِ وَالْمُحَارِمِ، وَلْيَكُنْ عَلَيْك وَقَارٌ وَسَكِينَةٌ يَوْمَ صَوْمِك، وَلَا تَجْعَلْ يَوْمَ صَوْمِك وَيَوْمَ فِطْرِك سَوَاءً». رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، تَلَقَّى جَابِرٌ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ هَذِهِ الْمَسَائِلَ وَهَذِهِ التَّنْبِيهَاتِ وَالْفَوَائِدَ مِنْ تَرْبِيَتِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ. عَلِمَ أَنْ لَيْسَ لِلصِّيَامِ أَنْك تَكُفَّ يَا عَبْدَ اللَّهِ عَنْ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ وَأَنْتَ فِي الذُّنُوبِ وَالْمَعَاصِي. قَالَ: «إِذَا صُمْت فَلْيَصُمْ سَمْعُك وَبَصَرُك وَلِسَانُك عَنْ الْكَذِبِ وَعَنْ الْمُحَارِمِ». وَأَيْضًا وَإِذَا جَاءَ فِيهِ مُصَنَّفُ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: «لَيْسَ الصَّوْمُ مِنْ صَامَ عَنْ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ، لَكِنْ مِنْ صَامَ عَنْ الْكَذِبِ وَالْبَاطِلِ وَاللَّغْوِ». لَيْسَ الصَّوْمُ مِنْ صَامَ عَنْ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ وَإِنَّمَا مِنْ صَامَ عَنْ الْكَذِبِ وَالْبَاطِلِ وَاللَّغْوِ. وَالْآثَارُ فِي هَذَا الْبَابِ كَثِيرَةٌ وَكَثِيرَةٌ جِدًّا، تَدُلُّ عَلَى فِقْهِ السَّلَفِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ، عَلَى أَنَّ مَعْرِفَتَهُمْ دَقِيقَةٌ بِدِينِ اللَّهِ جَلَ وَعَلَا، وَأَنَّ اللَّهَ جَلَ وَعَلَا مَا شَرَعَ الصِّيَامَ لِلْكَفِّ فَقَطْ عَنْ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ، بِأَعْظَمِ مِنْ الْكَفِّ عَنْ مَاذَا؟ عَنْ الذُّنُوبِ وَالْمَعَاصِي. وَفَائِدَةٌ ثَانِيَةٌ كَذَلِكَ تَسْتَفَادُ مِنْ هَذِهِ الْآيَةِ: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾، أَنْ نَعْلَمَ أَنَّ الصِّيَامَ مِنْ أَعْظَمِ الْأَسْبَابِ الْمُعِينَةِ لِلْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ، الصِّيَامُ مِنْ أَعْظَمِ الْأَعْمَالِ الْمُعِينَةِ لِلْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ. فَلَا تَجِدُ يَا عَبْدَ اللَّهِ عَوْنًا فِي الْأَسْبَابِ الْحِسِّيَّةِ كَالْمُعَوْنَةِ الْمَوْجُودَةِ فِي الصِّيَامِ. وَلِهَذَا مَدَحَ رَبُّنَا جَلَ وَعَلَا فِي آيَاتٍ كَثِيرَةٍ الصَّائِمِينَ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الْعَبْدَ بِصَوْمِهِ يَقْرُبُ مِنْ رَبِّهِ جَلَ وَعَلَا، فَمِنْ ذَلِكَ أَنَّكَ بِالصَّوْمِ يَا عَبْدَ اللَّهِ تُضَيِّقُ عَلَى الشَّيْطَانِ وَتَقْلَعُ عَلَيْهِ بَابَ الْوَسْوَسَةِ. وَوَجْهُ ذَلِكَ مِنْ قَوْلِ الْعُلَمَاءِ: كَمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ أَنَّ الشَّيْطَانَ يَجْرِي مِنْ ابْنِ آدَمَ مَجْرَى الدَّمِ، الشَّيْطَانُ يَجْرِي مِنْ ابْنِ آدَمَ مَجْرَى الدَّمِ، يَجْرِي فِي الْعُرُوقِ. فَالْإِنْسَانُ بِصَوْمِهِ إذَا صَامَ ضَاقَتْ الْعُرُوقُ، فَإِذَا ضَاقَتْ الْعُرُوقُ ضَيَّقَ عَلَى الشَّيْطَانِ فَقَلَّتْ وَسْوَسَتُهُ. وَلِهَذَا يُلَاحِظُ الصَّائِمُ فِي نَفْسِهِ فَرْقٌ بَيْنَ حَالَةِ الشِّبَعِ وَالْبَطَرِ الَّذِي يَكُونُ فِي يَوْمِ فِطْرِهِ، وَبَيْنَ حَالِ الِانْكِسَارِ الَّذِي يَكُونُ عَلَيْهِ فِي حَالِ صَوْمِهِ. فَالْمُسْلِمُ الصَّائِمُ يَرَى فِي نَفْسِهِ مِنْ النَّشَاطِ وَمَاذَا؟ وَمِنْ الِانْبِعَاثِ عَلَى الطَّاعَةِ مَا لَا يَجِدُهُ فِي وَقْتِ فِطْرِهِ، وَيَرَى أَنَّ وَسْوَسَةَ الشَّيْطَانِ تَقِلُّ عَنْهُ؛ لِمَ؟ لِتَضْيِيقِ الصَّائِمِ عَلَى الشَّيْطَانِ بِالصِّيَامِ. فَالصَّائِمُ بِصَوْمِهِ يُضَيِّقُ بِالْأَنْ الْعُرُوقَ تَجِفُّ وَتَقِلُّ، فَبِقِلَّتِهَا وَبِضِيقِهَا تُضَيَّقُ عَلَى الشَّيْطَانِ فَتَقِلُّ وَسْوَسَتُهُ. وَأَيْضًا بِالصِّيَامِ تَنْكَسِرُ الشَّهْوَةُ، وَهِيَ أَعْظَمُ مِفْسَدَاتِ دِينِ الْعَبْدِ، فَلَا تُكْسَرُ وَلَا تُوطَأُ الشَّهْوَةُ بِمِثْلِ الصِّيَامِ. وَلِهَذَا حَسُنَ نَبِيُّنَا عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى الصِّيَامِ، فَقَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ أَيُّهَا الشَّبَابُ مَا اسْتَطَاعُوا عَلَى الزَّوَاجِ»، قَالَ: «فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ؛ فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ». أَيْ أَنَّ الصَّوْمَ قَاطِعٌ لِلشَّهْوَةِ. وَكَذَلِكَ يَقُولُ يَا عَبْدَ اللَّهِ: الْكَثِيرُ مِنْ الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ يُمْكِنُ أَنْ تُؤَدَّى عَنْ طَرِيقِ الصِّيَامِ. فَبِالصِّيَامِ تَصِلُ عَبْدَ اللَّهِ إلَى الْمَرَاتِبِ الْعَالِيَةِ. وَلِهَذَا جَاءَ فِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «وَالصَّوْمُ جُنَّةٌ». الصَّوْمُ جُنَّةٌ كَجُنَّةِ أَحَدِكُمْ، وَالْجُنَّةُ هِيَ التُّرْسُ الَّذِي يَتَّخِذُهُ الْفَارِسُ وَيَجْعَلُهُ بَيْنَ يَدَيْهِ وَيَخْتَبِئُ خَلْفَهُ مِنْ ضَرَبَاتِ السُّيُوفِ وَمِنْ ضَرَبَاتِ النِّبَالِ وَالرِمَاحِ. فَفَسَّرَ الْعُلَمَاءُ حَدِيثَ نَبِيِّنَا بِقَوْلِهِ: «الصَّوْمُ جُنَّةٌ». قَالُوا: يَحْمِلُ أَنَّهَا جُنَّةٌ فِي الْآخِرَةِ، وَأَنَّهَا جُنَّةٌ فِي الدُّنْيَا. أَيْ أَنَّ الصِّيَامَ يُحَمِيكَ، إمَّا يُحَمِيكَ فِي الْآخِرَةِ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ وَمِنْ نَارِ اللَّهِ؛ لِأَنَّ الصَّائِمَ قَدْ وَعَدَهُ رَبُّنَا جَلَ وَعَلَا بِالْجَنَّةِ. وَإِمَّا أَنْ صِيَامٌ جُنَّةٌ يُحَمِيكَ فِي الدُّنْيَا مِنْ مَاذَا؟ مِنْ الْمَعَاصِي وَالذُّنُوبِ. لَا تَجِدُ شَيْئًا يَا عَبْدَ اللَّهِ يُعِينُكَ عَلَى تَرْكِ الذُّنُوبِ وَالِابْتِعَادِ عَنْهَا وَالْإِقْبَالِ عَلَى رَبِّكَ جَلَ وَعَلَا بِمِثْلِ الصِّيَامِ. وَلِهَذَا حَسَى رَبُّنَا عَلَيْهِ: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾. فَمِنْ أَعْظَمِ الْأَسْبَابِ الْمُوَصِلَةِ لِمَقَامِ التَّقْوَى يَا عَبْدَ اللَّهِ أَنْ تَكُونَ مَاذَا؟ مِنْ الصَّائِمِينَ. فَهَذِهِ أَهَمُّ الْمَسَائِلِ، وَالْبَقِيَّةُ مَسَائِلُ كَثِيرَةٌ أُخْرَى مُتَعَلِّقَةٌ بِهَذِهِ الْآيَةِ، وَهِيَ مُتَعَلِّقَةٌ بِالْحِكْمَةِ مِنْ تَشْرِيعِ الصِّيَامِ. وَإِنْ كَانَ أَعْظَمَ حِكْمَةٍ وَأَبْلَغَ حِكْمَةٍ مِنْ تَشْرِيعِ الصِّيَامِ هِيَ التَّقْوَى لِلَّهِ جَلَ وَعَلَا، إلَّا أَنَّهُمْ ذَكَرُوا حِكَمًا كَثِيرَةً فِي كُتُبِهِمْ، وَالْمَقَامُ بِهَا يَطُولُ. فَنَكْتَفِي بِمَا ذُكِرَ. فَأَسْأَلُ مَوْلَى جَلَ وَعَلَا أَنْ يَنْفَعَنَا بِمَا قُلْنَا، إنَّهُ وَلِيُّ ذَلِكَ وَالْقَادِرُ عَلَيْهِ. وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ. وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.