الدرس في التعليق على شرح تفسير كلمة التوحيد 14، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يوضح المقطع أن الولاء للمؤمنين الموحدين والبراءة من المشركين والطواغيت هما جوهر كلمة التوحيد، وأن المسلم يحب ويبغض في الله بغض النظر عن القرابة أو المكان. كما يؤكد أن محبة أهل الشرك أو مجادلتهم أو عدم تكفيرهم يناقض أصل التوحيد.
يقرر المقطع وجوب تكفير من أصر على الشرك الصريح بعد قيام الحجة عليه ومعاملته معاملة الكفار، مستدلاً بآيات البراءة وسنة إبراهيم. ويؤكد ضرورة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وموالاة أهل التوحيد ومعاداة أهل الشرك والبدع.
يختتم المؤلف بتحذير شديد من الشرك داعياً للتمسك بالتوحيد وحسن الخاتمة، مبيناً أن شرك أهل الزمان أعظم من شرك قريش لأنهم يشركون في الرخاء والشدة معاً. ويوضح أن من يدعو غير الله في كل الأحوال أشد شركاً ممن يخلص الدعاء لله فقط عند الشدة.
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. أما بعد: قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب النجدي رحمه الله تعالى في هذه الرسالة: "تفسير كلمة التوحيد". قال: "فالله الله يا إخواني، تمسكوا بأصل دينكم، وأوله وآخره، وأسه ورأسه: شهادة أن لا إله إلا الله. واعرفوا معناها، وأحبوها، وأحبوا أهلها، واجعلوهم إخوانكم ولو كانوا بعيدين، واكتوبرا بالطواغيت، وعادوهم، وأبغضوهم، وأبغضوا من أحبهم أو جادل عنهم، أو لم يكفرهم، أو قال: ما علي منهم، أو قال: ما كلفني الله بهم، فقد كذب هذا على الله وافترى، فقد كلفه الله تعالى بهم، وافترض عليه الكفر بهم والبراءة منهم، ولو كانوا إخوانهم وأولادهم". وقد تقدم الكلام على أول هذه العبارات. فمما قال: "واجعلوهم إخوانكم ولو كانوا بعيدين، واعرفوا معناها، وأحبوها، وأحبوا أهلها، واجعلوهم إخوانكم ولو كانوا بعيدين". وهذا فيه الولاء للمؤمنين أهل التوحيد. فالمسلم يوالي في الله ويعادي في الله، يوالي من وحد الله عز وجل ومن أخلص لله سبحانه وتعالى بالعبادة، ولو كان بعيداً منه، وليس من أقاربه، وليس من أهله، وليس من جيرانه، بل هو بعيد. فإذا سمع به وجب عليه أن يواليه وأن يحبه. وهذا فيه أن هذا الدين ليس فيه عنصرية لأرض أو لقبيلة أو لقطر من الأقطار، بل المسلم يوالي ويعادي في دين الله سبحانه وتعالى. وهذا من أوثق عرى الإيمان، كما أخبر النبي عليه الصلاة والسلام: «من أوثق عرى الإيمان الحب في الله والبغض في الله». فالمسلم ولاءه من أجل الله وفي الله، فيحب المؤمن التقي الموحد السني المستقيم، ولو كان بعيداً، ولو كان هو في المشرق وأخوه في المغرب، طالما أنه من أهل الصلاح ومن أهل التوحيد، فيواليه ويحبه. فدين الله عز وجل واحد، كل من دان بهذا الدين فهو أخوك، له عليك حقوق، ولك عليه حقوق، ولو كان بعيداً. قال: «وَاكْفُرُوا بِالطَّوَاغِيتِ». والطَّوَاغُوتُ أَقْرَبُ تَفْسِيرٍ وَتَعْرِيفٍ لَهُ ما ذكره ابن القيم عليه رحمة الله، فقال: "هو كل ما عبد من دون الله من معبود أو متبوع أو مطاع". كل ما عبد من دون الله فيقال فيه طاغوت. فوجب على المسلم أن يكفر بكل ما يعبد من دون الله، وأن عبادته باطلة، وأن عبادته باطلة. قال: «وَعَادُوهُمْ وَأَبْغِضُوهُمْ». هذا فيه البراءة من أهل الشرك، وفيه المعاداة لأهل الشرك. فالمسلم يعادي من أشرك بالله سبحانه وتعالى، ولو كان قريباً، ولو كان أباه أو أخاه، طالما أنه قد أشرك بالله سبحانه وتعالى. «وَأَبْغِضُوا مَنْ أَحَبَّهُمْ أَوْ جَادَلَ عَنْهُمْ أَوْ لَمْ يُكَفِّرْهُمْ». وهذا تجد بعض الناس يقول: "أنا لا أقول بعبادة غير الله، ولا أعتقد ذلك، ولا أفعل ذلك، بل أعتقد أن العبادة حق لله سبحانه وتعالى وحده"، ولكن تجده في مودة ومحبة بينه وبين أهل الشرك، يجالسهم، ويدافع عنهم، ويحبهم، ويزورهم، ويقدرهم، ويجلهم، وإلى غير ذلك. فهذا ما أتى بهذا الأصل العظيم، ألا وهو الحب في الله والبغض في الله. ينبغي أن تكون محبتك لأهل التوحيد إن كنت من أهل التوحيد، ولأهل الاستقامة إن كنت من أهل الاستقامة، ولأهل الطاعة إن كنت من أهل الطاعة. أما تقول: "أنا ما أشرك بالله، ولا أرى دعاء القبور، ولا الاستغاثة بهم، ولا أرى الزيارات الشركية"، ولكن تجده في ود ومحبة مع أولئك القوم، ما يبغضهم، ولا ينكر عليهم، ولا يشد عليهم، ولا ينصحهم، فهذا يخالف هذا الأصل العظيم، وهو الحب في الله والبغض في الله. «أَوْ لَمْ يُكَفِّرْهُمْ»: إنسان أتى بالكفر الصراح، وأصر على استغاثة بغير الله، أو على ذبح لغير الله، أو على توسل شركي، أو إلى غير ذلك، أصر على هذا، وبين له، وقامت عليه الحجة، ومع هذا أصر واستمر في هذا الفعل، فهذا يكفر. فهو لا يكفره، لا يكفره، هذا من الخطأ، لأن من لم يكفر الكافر فهو مثله، فهو مثله. فمن تبين كفره وجب على أهل الإسلام أن يكفروه، وأن يعاملوه معاملة الكفار. «أَوْ قَالَ: مَا عَلَيَّ مِنْهُمْ، أَوْ قَالَ: مَا كَلَّفَنِي اللهُ بِهِمْ». وهذا ديدن بعض الناس في هذا الزمان. والشيخ محمد عبد الوهاب عاش هذه الأصناف من الناس. الآن تجد إذا نصحت أحد الناس ممن فيه الخير والصلاح، قلت له: "لماذا أنت لا تنكر على هؤلاء وتجالسهم؟" وهكذا تخالطهم، ويكون بينك وبينهم المودة والمحبة، يقول: "ما علي منهم، ما كلفني الله بهم، ما علي من الناس، كل واحد يفعل الذي يريد". لا، هذا خطأ. الله عز وجل كلفك بأن ترد الباطل، وأن تنكر الباطل، وأن كذلك تعادي أهل الباطل وتتبرى من أهل الباطل ومن أهل الشرك. كلفك الله عز وجل بذلك، والآيات في هذا كثيرة. قال الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾. وأي محادة أعظم من الدعوة إلى الشرك، ومن الإصرار على مظاهر الشرك؟ هذه محادة عظيمة، تحاد أصل هذا الدين، ألا وهو التوحيد. فلا تجد قوماً يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله، ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم، ولو كانوا أقرب بالأقربين، طالما أنهم في هذا الطريق، طريق الشرك والعياذ بالله، والدعاء غير الله، والاستغاثة بغير الله، فهذا وجب عليك أن تحادهم، وأن تتبرأ من أفعالهم ومنهم. وكما قال الله سبحانه وتعالى: ﴿لَقَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾. «قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ» يعني: قدوة. وهذا فيه هذه الآية فيها إقرار لما فعل إبراهيم وقومه، وفيه إشادة ومدح لهذا الفعل من الله سبحانه وتعالى. فينبغي للمسلم أن يقتدي بأولئك، وأن يعادي من عاد الله، وأن يحارب من حارب الله. وأعظم محاربة أن يحاربه بالشرك والدعوة إلى عبادة غير الله. فلا تقول: "ما كلفني الله بهم". لا، كلفك الله بهم، كما سمعت في هذه الآيات. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ قَدْ يَئِسُوا مِنَ الْآخِرَةِ كَمَا يَئِسَ الْكَافِرُونَ مِنْ أَصْحَابِ الْقُبُورِ﴾. وهكذا. ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾. والآيات في هذا كثيرة. فينبغي للمسلم أن لا يقول مثل هذا. وهذا حال كثير من عوام الناس: لما ينكر أهل السنة على دعاة الشرك، ويعادونهم، ويحذرون منهم، ربما بعض الناس قال: "ويش لكم من الناس؟ هل كلفكم الله بهذا؟ اتركوا الناس وما هم عليه، نشتغلوا بأنفسنا". بعض الناس هكذا. نقول: نعم، كلفنا الله بهذا، وأمرنا الله أن نأمر بالمعروف وأن ننهى عن المنكر. وما هو أعظم معروف؟ الدعوة إلى التوحيد. وما هو أعظم منكر؟ أعظم منكر الشرك بالله سبحانه وتعالى، كما قال الله عز وجل: ﴿يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾. فإذا لا تقول: "هذا ما كلفني الله"، أو "واش علي من فلان أو من علان". لا، كلفك الله بهذا، وأمرك أن تحب أهل التوحيد، وتوالي أهل التوحيد، وأهل الاستقامة، وأهل السنة، وتعادي أهل الشرك، وأهل البدع، وأهل الخرافات. فهذه نصائح ثمينة من الشيخ رحمه الله. قال: «أَوْ قَالَ: مَا عَلَيَّ مِنْهُمْ، أَوْ قَالَ: مَا كَلَّفَنِي اللهُ بِهِمْ، فَقَدْ كَذَبَ هَذَا عَلَى اللَّهِ وَافْتَرَى، فَقَدْ كَلَّفَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِهِمْ، وَافْتَرَضَ عَلَيْهِ الْكُفْرَ بِهِمْ وَالْبَرَاءَةَ مِنْهُمْ، وَلَوْ كَانُوا إِخْوَانَهُمْ وَأَوْلَادَهُمْ». وهذا كما سبق في الآيات. قال: "فالله الله يا إخواني". وانظروا إلى تأكيد الشيخ ونصحه لإخوانه المسلمين أهل التوحيد، فيحثهم على تقوى الله، وعلى التمسك بهذا الأصل العظيم، ألا وهو توحيد الله سبحانه وتعالى. ألف: "الله الله يا إخواني، تمسكوا بذلك، لعلكم تلقون ربكم وأنتم لا تشركون به شيئاً، لا شركاً أكبر، ولا شركاً أصغر". لأن "شيئاً" نكر في سياق النفي، فهي تفيد العموم. فنعمة عظيمة أن يلقى الله، أن يلقى العبد ربه، وهو موحد لله سبحانه وتعالى، مبتعد عن جميع أنواع الشرك. قال: "اللهم توفنا مسلمين، وألحقنا بالصالحين". وهذا من حسن سريرة المؤلف، ومن كذلك نيته الصالحة، فإنه يدعو للمسلمين، ويدعو كذلك لقارئ هذا الكتاب. قال: "ولنختم الكلام بآية ذكرها الله تعالى في كتابه، تبين لك أن كفر المشركين من أهل زماننا أعظم من كفر الذين قاتلهم رسول الله صلى الله عليه وسلم". قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الْإِنْسَانُ كَفُورًا﴾. فقد ذكر الله عن الكفار أنهم إذا مسهم الضر تركوا السادة والمشايخ، فلم يدعوا أحداً منهم، ولم يستغيثوا به، بل يخلصون لله وحده لا شريك له، ويستغيثون به وحده. فإذا جاء الرخاء أشركوا. وأنت ترى المشركين من أهل زماننا، ولعل بعضهم يدعي أنه من أهل العلم، وفيه زهد واجتهاد وعبادة، إذا مسه الضر قام يستغيث بغير الله. إلى آخر كلامه. ختم المؤلف هذه الرسالة بهذه المسألة العظيمة، وبالتذكير بهذه الآية التي فيها أن شرك أهل زماننا أعظم من شرك أهل زمن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، الذين قاتلهم عليه الصلاة والسلام. وبين هذا في هذه الآية، وذكر في غير هذا الكتاب أسباباً أخرى، ثلاث أسباب، فيها دلالة على أن كفر أو شرك أهل هذا الزمان أعظم من كفر الذين قاتلهم رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وفي هذا الكتاب ذكر هذا السبب، وهو أن المشركين الأولين الذين قاتلهم النبي عليه الصلاة والسلام كانوا يشركون في حال الرخاء فقط، في حال الرخاء فقط. أما إذا وقعت بهم شدة، فهم يوقنون أنه لا ينجيهم من هذه الشدة إلا الإله الحق، إلا الله سبحانه وتعالى. فهم يدعون الله عز وجل في حال الشدة، ويتركون من كانوا يعبدونهم في حال الرخاء، كما في هذه الآية: ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ﴾. إذا مسكم الضر، دخلتم البحر، وهاجت الأمواج، وعصفت الرياح، وكنتم في خطر، فإن هؤلاء المشركين الذين قاتلهم النبي عليه الصلاة والسلام يخلصون الدعاء لله، ويدعون الله عز وجل وحده. ﴿ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ﴾ يعني: تركتم من كنتم تدعونه في حال الرخاء، ولم تذكروا إلا الإله الحق، إلا إياه سبحانه وتعالى. ﴿فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ﴾: تركتم دعاء غير الله، تركتم دعاء غير الله، ودعوتم غير ممن كنتم تدعون. فكانوا في حال الضر والشدة يتركون دعاء ساداتهم ومشائخهم، فلم يدعوا إلا الله عز وجل وحده. أما مشركوا زماننا، فإنهم يشركون بالله عز وجل في حال الرخاء، وفي حال الشدة. فإذا وقع أحدهم في شدة ومحنة، لجأ إلى أوليائه، وإلى من يظن أنه ينقذه مما هو فيه، ممن يدعو ويرجو ويخاف. فذاك يدعو بالعيدروس، وذاك يدعو المحضار، وذاك يدعو كذا وكذا، ممن اتخذه هؤلاء آلهة من دون الله سبحانه وتعالى. فهذا يدل على عظم شرك أهل هذا الزمان. فلا شك أن الذي يدعو غير الله في الشدة والرخاء أعظم شركاً من الذي يدعو الله عز وجل في حال الشدة، ويدعو غير الله في حال الرخاء. فهذا فارق واضح. فأراد المؤلف أن يبين لك عظم المصيبة التي يعيشها كثير من المجتمعات في هذه الأزمنة المتأخرة. نسأل الله السلامة والعافية. إلى هنا، والله تعالى.