الدرس في التعليق على شرح تفسير كلمة التوحيد 3، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
كلمة التوحيد «لا إله إلا الله» هي الكلمة الباقية التي جعلها إبراهيم في عقبه، متضمنة نفي الألوهية عما سوى الله وإثباتها له وحده. بُعث النبي محمد صلى الله عليه وسلم من ذرية إبراهيم داعياً إليها ومحققاً لها، مستكملاً دعوة جميع الرسل بعبادة الله وحده واجتناب الطاغوت.
تعني كلمة التوحيد إفراد الله بالعبادة واجتناب الطاغوت، ولا يكفي مجرد النطق بها دون فهم معناها الصحيح. لا بد من علم بمعناها، واعتقاد قلبي موافق، وعمل بمقتضاها، لأن الجهل بها يؤدي إلى الشرك وفساد الاعتقاد.
كلمة التوحيد تتطلب علماً وعملاً وإخلاصاً لله، ولا تقتصر على اللفظ فقط. يُرد على المرجئة الذين يزعمون أن مجرد النطق بالشهادة يكفي للنجاة، مستدلاً بأحاديث مقيدة تؤكد وجوب الجمع بين نصوص الوعد والوعيد.
أخذ المرجئة بالأحاديث المطلقة وأهملوا المقيدة، فزعموا أن مجرد التلفظ بالشهادتين أو الاعتقاد بهما يكفي للنجاة دون اشتراط العمل. يُعتبر هذا المذهب فاسداً كاسداً مخالفاً للصراط المستقيم.
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن ولاه. وبعد: قال شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب النجدي رحمه الله تعالى في هذه الرسالة النافعة، وهي تفسير كلمة التوحيد: «وهي كلمة التقوى، وهي العروة الوثقى، وهي التي جعلها إبراهيم باقية في عقبه لعلهم يرجعون». قال الشارح الشيخ الفوزان حفظه الله تعالى: «وهذه الكلمة: لا إله إلا الله، هي التي عناها إبراهيم في قوله: ﴿ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِّمَّا تَعْبُدُونَ * إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ ﴾. هذا هو معنى لا إله إلا الله: ﴿ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِّمَّا تَعْبُدُونَ ﴾ هذا معنى النفي، ﴿ إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي ﴾ هذا معنى الإثبات، ﴿ إِلَّا اللَّهَ ﴾؛ لأنه كما تقدم معنى أن كلمة التوحيد لا إله إلا الله هي عبارة عن نفي وإثبات: لا إله نفي، إلا الله إثبات. فقول إبراهيم: ﴿ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِّمَّا تَعْبُدُونَ ﴾ نفي، وقوله: ﴿ إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي ﴾ إثبات». «وقال: ﴿ وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ﴾. أي: إبراهيم عليه السلام، عليه الصلاة والسلام، جعل هذه الكلمة كلمة باقية في عقبه، أي في ذريته، فلا يزال فيهم من يقول لا إله إلا الله، لم يتركوها كلهم، ولم يشركوا كلهم، بل فيهم من قالها واستقام عليها، ولو كان عدداً قليلاً أو أفراداً. فإبراهيم عليه السلام هو إمام الحنفاء والموحدين، فدعا إلى هذه الكلمة، وعلم ذريته هذه الكلمة، فصارت هذه الكلمة العظيمة باقية في عقبه، أي في ذريته. وهذا فيه اعتناء الأب بتعليم ذريته هذه الكلمة العظيمة، كلمة التوحيد، وشرح هذه الكلمة، وتفسير معنى هذه الكلمة، وشروط هذه الكلمة، ومقتضى هذه الكلمة. هذا أمر عظيم ينبغي أن يهتم به الآباء، وينبغي أن يهتم به الأولياء. فهذا إبراهيم وهو نبي من أنبياء الله كان يعلم أولاده ويوصي أولاده بهذه الكلمة العظيمة، وكما قال الله عز وجل: ﴿ وَمَن يَرْغَبُ عَن مِّلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَن سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ * إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمَ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ * وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ ﴾. فانظروا كيف أن إبراهيم عليه السلام أوصى ذريته وبنيه بهذه الكلمة العظيمة، ووصى بها إبراهيم بنيه ويعقوب. ولذلك قال الله عز وجل في هذه الآية: ﴿ وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ ﴾، أي: لا إله إلا الله. إبراهيم جعلها كلمة باقية في عقبه، أي في ذريته، في ذريته. قال: ولذلك لما مات إبراهيم بقي من ذريته من يقوم بهذه الكلمة، ومن يحقق هذه الكلمة». «قال الشارح: فلما بعث محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم بعث بهذه الكلمة، قال صلى الله عليه وسلم: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها، وحسابهم على الله»، والحديث في الصحيحين من حديث أبي هريرة. قال: فالرسول بُعث بلا إله إلا الله، وهي الكلمة التي جعلها جده إبراهيم عليه الصلاة والسلام باقية في عقبه، وكان محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم من عقب إبراهيم، وبعثه الله بها يدعو الناس إليها ويقاتلهم عليها. إذن بقيت هذه الكلمة إلى أن بعث النبي عليه الصلاة والسلام، فدعا النبي عليه الصلاة والسلام إلى هذه الكلمة وبعث بها، فكان عليه الصلاة والسلام يخرج للناس في اجتماعاتهم وفي أسواقهم ويقول لهم: يا أيها الناس قولوا لا إله إلا الله تفلحوا. فكان عليه الصلاة والسلام يدعو إلى هذه الكلمة، ويصبر عليه الصلاة والسلام على أذى المشركين، على أذى المشركين. فكانوا ماذا يحذرون منه، ويقولون للناس: لا تتبعوه، لا تتبعوه، إنه صابئ، أي قد ترك دين آبائه، وهو عليه الصلاة والسلام يدعو إلى هذه الكلمة، كلمة التوحيد. فهذا من معنى قول الله عز وجل: ﴿ وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ﴾، لأن نبينا محمداً صلى الله عليه وعلى آله وسلم من عقب إبراهيم عليه السلام. قال: فهي كلمة عظيمة. قال: وقولهم: ﴿ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ﴾، ﴿ وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ﴾، قال: أن يرجعون إليها. وببعثة محمد صلى الله عليه وسلم رجع إليها الكثير من ذرية إبراهيم. فالرسول صلى الله عليه وسلم بُعث بهذه الكلمة، والدعوة إليها، وتحقيقها، والعمل بها. بل إن كل الرسل بعثوا بها، قال تعالى: ﴿ وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ ﴾. ألا ألا يدعون ذلك إلى الاهتمام بأمر هذه الكلمة؟ كلمة عظيمة، جميع الأنبياء والرسل دعوا إلى هذه الكلمة، وصبروا على أذى المعارضين لهم من أجل هذه الكلمة، ومن أجل الدعوة إلى هذه الكلمة. فهي كلمة عظيمة، جميع الأنبياء والرسل بعثوا بهذه الكلمة: لا إله إلا الله، بعثوا ببيان هذه الكلمة، والدعوة إليها، والعمل بها، وكل ما تقتضيه هذه الكلمة». «قال الشارح: هذا معنى لا إله إلا الله: ﴿ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ ﴾، وهو بمعنى قول إبراهيم: ﴿ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِّمَّا تَعْبُدُونَ * إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ ﴾. فإنه سيهدين. قال: هذا معنى لا إله إلا الله: ﴿ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ ﴾، هذا معنى النفي والإثبات. ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ * وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَٰنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُّكْرَمُونَ * لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُم بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ * يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُم مِّنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ * وَمَن يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِّن دُونِهِ فَذَٰلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَٰلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ ﴾. ﴿ يَنَزِلُ الْمَلَائِكَةُ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ ﴾، أي الأنبياء والرسل: ﴿ أَنِ أَنذِرُوا أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاتَّقُونِ ﴾. فهذه، فهذه الآيات كلها تدل على أن جميع الأنبياء والرسل بعثوا بهذه الكلمة، وبالدعوة إليها، وبتحقيقها، وبالعمل بها». «قال: كل الرسل بعثوا بلا إله إلا الله، ولكن إبراهيم عليه الصلاة والسلام جعلها كلمة باقية في عقبه إلى أن تقوم الساعة، ولا يزال في ذرية إبراهيم من يتوارث هذه الكلمة علماً وعملاً وتحقيقاً، وإن أعرض عنها الأكثرون، لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يقول: «لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين». فما من زمن من الأزمان إلا وفيه من يقوم بهذه الكلمة، ومن يحقق هذه الكلمة، ويعمل بها. فبعد إبراهيم توارث الناس هذه الكلمة إلى يومنا هذا، إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها». «قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب في متنه رحمه الله تعالى: وليس المراد قولها باللسان، وليس المراد قولها باللسان مع الجهل بمعناها. قال الشارح: ليس المقصود قول لا إله إلا الله باللسان فقط من غير فهم لمعناها، لا بد أن تتعلم ما معنى لا إله إلا الله. أما إذا قلتها وأنت لا تعرف معناها، فإنك لا تعتقد ما دلت عليه، فكيف تعتقد شيئاً تجهله؟ وهذا إلزام صحيح: الإنسان إذا ما يعلم حقيقة الشيء، إذا ما يعلم وما يعرف حقيقة الشيء، فكيف يعتقد صحة هذا الشيء وهو لا يعلم بمعناها الحقيقي؟ ولذلك هنا قال: فكيف تعتقد شيئاً تجهله؟ فمن جهل شيئاً لا يمكن أن يعتقد معناه الصحيح لأنه يجهله، لأنه يجهله. فإذا من لم يعلم معنى لا إله إلا الله لا يمكن أن يعتقد الاعتقاد الصحيح لمعنى لا إله إلا الله. ولذلك ما فسد اعتقاد عباد القبور ومن نحا نحوهم من المشركين إلا بسبب جهلهم بمعنى هذه الكلمة العظيمة. لما جهلوا معنى هذه الكلمة العظيمة، وفسروها بغير تفسيرها الصحيح، أشركوا بالله، وعبدوا غير الله، ودعوا غير الله، واستغاثوا بغير الله، لأنهم فسروا هذه الكلمة بغير تفسيرها الصحيح. فمنهم من يقول: لا إله إلا الله معناها لا خالق إلا الله، يعني أنك إذا اعتقدت أن الله خلق السماوات وخلق الأرض وخلق الإنسان وخلق البحار وخلق هذا الكون كله، هذا يكفي، يكفي، وأنك من أهل لا إله إلا الله، وممن اعتقد الاعتقاد الصحيح في لا إله إلا الله. فهم لا يلقون بالاً لمن يدعو غير الله أو يستغيث بغير الله، لأن هذا عندهم ليس من معنى لا إله إلا الله. فلما فسد علمهم، وكذلك لم يعرفوا المعنى الصحيح للا إله إلا الله، فسد اعتقادهم، فسد اعتقادهم. إذ كيف يعتقدون شيئاً يجهلون معناه؟ هذا لا يمكن. فهذا يعطينا أنه ينبغي علينا أن نهتم بمعرفة المعنى الصحيح للا إله إلا الله، وما تقتضيه هذه الكلمة، وما تحويه من شروط ومن أمور عظيمة ينبغي للموحد أن يعتقدها وأن يعمل بها». «قال: فلا بد أن تعرف معناها حتى تعتقده، تعتقد بقلبك ما يلفظ به لسانك. لا بد أن يكون القول موافقاً للمعنى الصحيح لهذا القول. فإذا اعتقدت المعنى الصحيح لهذا القول، لا شك أنك تعتقد هذا الاعتقاد الصحيح، هذا الاعتقاد الصحيح. فإذا تلفظت بهذه الكلمة وعرفت معناها، لا شك أنك ستعتقد الاعتقاد الصحيح بهذه الكلمة. قال: فلازم أن تتعلم معنى لا إله إلا الله، أما مجرد نطق اللسان من غير فهم لمعناها فهذا لا يفيد شيئاً، وهذا هو حال كثير من الناس ممن يقولون لا إله إلا الله ولا يعرفون المعنى الصحيح لهذه الكلمة، فتراهم يأتون بما يناقض هذه الكلمة، فيشركون بالله سبحانه وتعالى». «قال أيضاً: لا يكفي الاعتقاد بالقلب ونطق اللسان. قد يقول قائل: أنا أعرف معنى لا إله إلا الله، وأعتقد الاعتقاد الصحيح، لكن ما أعمل بما تقتضيه هذه الكلمة، فهذا أيضاً لا ينفع. ونبه على هذا حتى لا يقول القائل: أنا أعرف المعنى الصحيح، وأعرف الاعتقاد الصحيح، وهو لا يعمل بهذه الكلمة. قال أيضاً: لا يكفي الاعتقاد بالقلب ونطق اللسان، بل لا بد من العمل بمقتضاها، وذلك بإخلاص العبادة لله. قد يقول قائل: أنا أعتقد كما يفعل البعض الآن، أنه لا ينفع أحد إلا الله سبحانه وتعالى، وأن هذه الزيارات زيارات شركية لا تجوز في دين الله عز وجل، وتراه يحضر ويذهب. فإذا أنكر عليه قال: ما يشفي إلا الله، ولا لا يرزق إلا الله، وآد ما يملكون ضراً ولا نفعاً. طيب، لماذا أنت تذهب؟ أنت الآن خالفت اعتقادك وخالفت قولك، خالفت اعتقادك وخالفت قولك. فما يكفي ذلك حتى تخلص العبادة لله، وتعمل بمقتضى ما تلفظت، وبمقتضى أيضاً ما اعتقدت. فلا بد من لفظ، من قول، ومن اعتقاد، ومن عمل، ومن العمل الإخلاص لله سبحانه وتعالى في العبادة. قال: وذلك بإخلاص العبادة لله، وترك عبادة من سواه سبحانه وتعالى. فلا إله إلا الله كلمة نطق وعلم وعمل، ليست كلمة لفظ فقط، ليست كلمة لفظ فقط، بل هي نطق وعلم وعمل». «قال: أما المرجئة فهم يقولون: يكفي التلفظ بلا إله إلا الله، أو يكفي التلفظ بها مع اعتقاد معناها، والعمل ليس بلازم. من قالها، ولو لم يعمل شيئاً من لوازمها، هو من أهل الجنة. هذا هو اعتقاد المرجئة: يقولون يكفي التلفظ، أو التلفظ مع التصديق والاعتقاد، وأما العمل فليس بلازم. قال: قال حفظه الله: قال وعندهم العمل ليس بلازم، من قالها ولو لم يعمل شيئاً من لوازمها هو من أهل الجنة، ولو لم يصل، ولو لم يصل ولم يزك ولم يحج ولم يصم، ولو فعل الفواحش والكبائر والزنا والسرقة وشرب الخمر، وفعل ما يريد من المعاصي، وترك الطاعات كلها، لأنه تكفيه لا إله إلا الله عندهم. هذا مذهب المرجئة الذين يخرجون العمل من حقيقة الإيمان، ويعتبرون العمل: إن جاء فبها ونعمة، وإن لم يجئ فإنها تكفي لا إله إلا الله عندهم. وهذا قلنا هو عين الضلال». «قال: ويستدلون بأحاديث تفيد أن من قال لا إله إلا الله دخل الجنة. قال: ولكن الرسول صلى الله عليه وسلم ما اقتصر على هذه الأحاديث، أي أن هؤلاء نظروا إلى الأدلة بعين عوراء، نظروا بعين عوراء، فأخذوا آيات، أخذوا الأحاديث التي فيها الوعد، أو أخذوا الأحاديث المطلقة التي ما فيها تقييد ببعض أركان هذه الكلمة، كالتقييد بترك عبادة الطاغوت، أو التقييد بالإخلاص، أو الصدق، أو إلى غير ذلك. فهم نظروا إلى الأدلة من ناحية واحدة، ولم يجمعوا بين الأدلة. قال: ويستدلون بأحاديث تفيد أن من قال لا إله إلا الله دخل الجنة، ولكن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يقتصر على هذه الأحاديث، فالرسول صلى الله عليه وسلم له أحاديث أخرى تفيد، وهذه الأحاديث لا بد أن تجمع بين كلام الرسول صلى الله عليه وسلم بعضه إلى بعض، لا أن تأخذ منه طرفاً وتترك طرفاً، لأن كلام الرسول صلى الله عليه وسلم يفسر بعضه بعضاً، ويبين بعضه بعضاً. أما الذي يأخذ طرفاً ويترك طرفاً، فإنه من أهل الزيغ الذين يتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله. الرسول صلى الله عليه وسلم قال: «من قال لا إله إلا الله وكفر بما عبد من دون الله». انظر هذا الحديث فيه قيد. نعم، بعض الأحاديث ربما جاءت بدون قيد، لكن تحمل على الأحاديث التي جاءت مقيدة، جاءت مقيدة. فهؤلاء اتبعوا ما تشابه منه، وتركوا المحكم من الأحاديث الأخرى التي فيها ذلك مقيد. ففي هذا الحديث: «من قال لا إله إلا الله وكفر بما عبد من دون الله». إذن ما يكفي أن تقول لا إله إلا الله وأنت تعبد غير الله، تعبد الطاغوت، وتدعو غير الله سبحانه وتعالى، هذا لا ينفع شيئاً، لأن هذا الحديث صريح في أن لا إله إلا الله لا بد أن يكفر من اعتقدها، ومن كذلك علم معنى هذه الكلمة، أن يكفر بكل ما عبد من دون الله سبحانه وتعالى. قال: وهذا حديث صحيح، والحديث في مسلم من حديث طارق بن أشيم. قال: وهذا حديث صحيح، فلماذا غفلتم عنه؟». «وقال صلى الله عليه وسلم: «فإن الله حرم على النار من قال لا إله إلا الله». هل النبي صلى الله عليه وسلم قال: من قال لا إله إلا الله وسكت؟ قال: «من قال لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله»، يبتغي بذلك وجه الله. فهذا قيد آخر: أن الموحد يعبد الله عز وجل مخلصاً له الدين، يبتغي وجه الله عز وجل وحده، ولا يشرك به شيئاً. فهذا أيضاً يجمع مع الأحاديث التي لم تأتي مقيدة. فهؤلاء المرجئة أخذوا الأحاديث المطلقة، وتركوا الأحاديث المقيدة، فضلوا الصراط المستقيم، واعتقدوا هذه العقيدة الفاسدة، وهي قولهم: أن لا إله إلا الله يكفي فيها التلفظ، أو يكفي كذلك مع التلفظ الاعتقاد، ولا يشترط العمل، ولا كذلك ينفع العمل، وإنما إن عملت فبها ونعمة، وإلا فلا حرج عليك. وكما تقدم: هذا مذهب فاسد كاسد. نكتفي بهذا، وإلى هنا والله تعالى أعلم». ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر