الدرس في التعليقات على كتاب الأدب المفرد 32، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يتناول هذا الفصل أشراط الساعة وظهور القتل والتشاحن بين الناس، حيث يشير إلى أن إيذاء الجار يعد من أعظم الإثم. كما يبين أن هذا التشاحن يؤدي إلى قتل الرجل جاره وأخاه وأباه.
يبرز هذا الفصل تأثير إيذاء الجار على صلاح الأعمال، حيث يذكر أن امرأة كانت تقوم الليل وتصوم النهار لكنها تؤذي جيرانها فكانت من أهل النار، بينما كانت الأخرى لا تؤذي أحدا فكانت من أهل الجنة.
يناقش هذا الفصل تحريم إيذاء الجار ووجوب طاعة الزوج، مشيرا إلى أهمية عدم إيذاء الجار وطاعة الزوج بدون عذر شرعي، ويبين كيفية التعامل بين الأزواج خاصة أثناء الحيض.
يركز هذا الفصل على كيفية التعامل مع أخطاء الأولاد وتأديبهم لمنع العداوة والبغضاء، ويشدد على احترام الأبناء لوالديهم وتجنب إيذائهم، مع التأكيد على ضرورة التعامل بحكمة في تأديب الولد.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف المرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال إمام البخاري رحمه الله في كتابه «الأدب المفرد»: حدثنا مطر بن مالك، قال: حدثنا عبد الرحمن بن مغراء -وهو صدوق، تكلم فيه في حديثه عن الأعمش- قال: حدثنا أبو رئاب بن عبد الله، عن بردة، والصواب: عن أبي بردة، عن أبي موسى، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تقوم الساعة حتى يقتل الرجل جاره وأخاه وأباه». والحديث حسن، وقد حسنه الشيخ الألباني رحمه الله. وفيه إخبار النبي عليه الصلاة والسلام بأشراط الساعة، وإن حصول القتل، ومنها قتل الرجل جاره وأخاه وأباه، أن يكثر القتل حتى يقتل الجار جاره، ويقتل الأخ أخاه، ويقتل الابن أباه. وجاء من ذلك ما رواه مسلم حين ذكر النبي عليه الصلاة والسلام بعض علامات الساعة، قال: «ويكثر الهرج». قالوا: وما الهرج؟ قال: «القتل، القتل». ومن علامات الساعة ظهور القتل والتشاحن، ومنه هذا القتل، وهو قتل الرجل جاره وأخاه وأباه. ويؤشر إلى أنه قد يكون هذا الجار سيئ الخلق، أو يصدر منه ما يسيء إلى جاره، حتى يتعدى ذلك إلى نفسه فيقتله. وهذا من أعظم الإثم الذي يتأذى به الجار من جاره. قال البخاري: حدثنا مسدد، قال: حدثنا عبد الواحد، قال: حدثنا الأعمش -وهو سليمان بن مهران، كان شيعًا إذا ذكره قال: المصحف، المصحف، كان يلقب بالمصحف- قيل: لصدقه، وقيل: لشدة حفظه، كان حفظه قويا للقرآن، وكان يلقب بالمصحف. وكان رحمه الله مذيبا مع كونه أعمش -يعني في عينه أعمش، تدمع عينه ويخرج منها دمع-، وما ذلك إلا بسبب العلم الذي رزقه الله سبحانه وتعالى به. وكان الأعمش يقول: لو كنت بقالا لقدر من الناس، لو كنت بقالا يبيع في بقالة لربما قدره الناس، وما أتوا إليه، ولكن بسبب العلم التفى حوله الحديث. وكان له شأن، وكان أيضا ذا عبادة وزهد. ذكر عنه أنه لم تفوته تكبيرة الإحرام سبعين سنة، ما تفوته تكبيرة الإحرام سبعين سنة. ويدل على أنه كان شديد الحرص على حضور الصلاة والمحافظة عليها. وكان أيضا مما ذكر في ترجمته أنه كان يحب المزاح. فذكر عنه أنه أراد أن يمر نهرا، وعلى شاطئ النهر عسكري، فحمله على ظهره حتى يمر به النهر. فلما توسط النهر، قال الأعمش: «سبحان الذي سخرنا هذا وما كنا له مقرنين، وإنا إلى ربنا لمنقلبون». فرم به هذا العسكري في النهر، وقال: «رب انزلني منزلا مباركا وأنت خير المنزلين». فرم به في النهر. وكان له من ذلك شيء كثير. قال: حدثنا أبو يحيى مولى جعدة بن هبيرة، قال: سمعت أبا هريرة يقول: قيل للنبي صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله، إن امرأة تقوم الليل وتصوم النهار وتفعل وتتصدق وتؤذي جيرانها بلسانها. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا خير فيها، هي من أهل النار». قالوا: وفلانة تصلي المكتوبة وتتصدق بأثوار -والمراد بالأثوار: القطعة من اللبن المجفف- يعني تصدق بالشيء اليسير، ولا تؤذي أحدا. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «هي من أهل الجنة». والحديث صحيح، صححه الشيخ الألباني رحمه الله. وفيه أن النبي عليه الصلاة والسلام ذكر له أن امرأة تقوم الليل وتصوم النهار وتفعل وتتصدق -يعني عندها طاعات عظيمة: قيام ليل، وصيام نهار، وتصدق بالأموال، إلى غير ذلك من الطاعات الكثيرة-، لكن عندها سيئة، وهي أنها تؤذي جيرانها بلسانها، ما يسلم جيرانها من لسانها، إما بسب أو شتم أو غيبة أو غير ذلك مما يتأذى منه الجيران. تؤذي جيرانها بلسانها، فقال عليه الصلاة والسلام: «لا خير فيها، هي من أهل النار»، هي من أهل النار بسبب أذيتها لجيرانها. فهذه الأعمال التي كانت تفعلها لم تنفعها بسبب أنها لم تعمل بما أمر الله سبحانه وتعالى به ورسوله عليه الصلاة والسلام من رفع الأذية عن المسلمين. فالنبي عليه الصلاة والسلام يقول: «المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده»، هذا هو المسلم الذي لا يذي أحدا من المسلمين لا بلسانه ولا بيده. فهذه كانت تؤذي جيرانها بلسانها، فقال عليه الصلاة والسلام: «لا خير فيها». ثم ذكروا له امرأة أخرى، أنها تصلي المكتوبة -يعني تأتي بالفرائض-، ما تقوم الليل ولا تأتي بالنوافل، وتتصدق بأثوار -يعني بالقطع من اللبن المجفف-، أي بشيء يسير، ولا تؤذي أحدا، ما تؤذي جيرانها ولا تؤذي أحدا من المسلمين. فقال عليه الصلاة والسلام: «هي من أهل الجنة». فكانت هذه المرأة مع قلة أعمالها، لكنها بسبب عدم أذيتها لجيرانها كانت من أهل الجنة. وتلك مع كثرة أعمالها وضياعها، لكن لما كانت تؤذي جيرانها، قال عليه الصلاة والسلام: «هي من أهل النار». وهذا يدل على عظم أذية الجار، وأن أذية الجار كبيرة من كبائر الذنوب، فينبغي للمسلم أن يحذر منها، فهي سبب لدخول النار. قال: حدثنا عبد الله بن يزيد، قال: حدثنا عبد الرحمن بن زياد، قال: حدثني عمارة بن غراب، أن عمة له حدثته أنها سألت عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها، فقالت: إن زوجة إحدانا يريدها فتمنعه نفسها إلا أن تكون غضبى أو لم تكن نشيطة، فهل علينا في ذلك من حرج؟ قالت: نعم، إن من حقه عليك أن لو أرادك وأنت على قتب -والقطب هو كالإكاف للجمل، هو الذي يوضع على ظهره- لم تمنعي. قالت: والمراد بذلك أنها ينبغي أن لا تمنع نفسها من زوجها، فإذا أرادها زوجها على أي حالة كانت، فإنها ينبغي أن تستجيب. قالت: قلت لها: إحدانا تحيض، وليس لها ولزوجها إلا فراش واحد أو لحاف واحد، فكيف تصنع؟ قالت: لتشد عليها إزارها، ثم تفعل معه ما فوق ذلك. قالت: قلت لها: إن النبي صلى الله عليه وسلم كان ليلتي منه، فطحنت شيئا من شعير، فجعلت له قرصا، فدخل فرد الباب، ودخل إلى المسجد. وكان إذا أراد أن ينام أغلق الباب، وأوكأ القربة، وأكفأ القدح، وأطفأ المصباح. فانتظرت أن ينصرف، فأطعمته القرص، فلم ينصرف حتى غلبني النوم، وأجهدني الجوع. فأتاني، فأيقظني، ثم قال: «أجفيني، أجفيني». قلت له: إني حائض. قال: «واكشفي عن فخذيك». فكشفت له عن فخذي، فرقد خده ورأسه على فخذي حتى نام. فأقبلت شاة لجارتنا فدخلت، ثم عمدت إلى القرص فأكلته، ثم أبعدته. ثم عمدت -يعني الشاة- إلى القرص فأكلته، ثم أبعدت به. قالت: وقلت أو وجلت عنه، فاستيقظ النبي صلى الله عليه وسلم، فبادرتها إلى الباب. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «خذي ما أدركت من قرصك، ولا تؤذي جارك في شاتك». وهذا الحديث ضعيف، سنده ضعيف، فعمارة بن غراب مجهول، وعمته كذلك. قال شيخ الإسلام رحمه الله: ما عرفتها. وهذا عبد الرحمن بن زياد -وهو ابن أنعم الإفريقي- وهو ضعيف، فلا يصح بهذا السند. وإن كان ضعفه القاضي، صحيحة معناه، يشهد له حديث صحيح، ومثل قوله: «إن زوجة إحدانا يريدها فتمنعه نفسها إلا أن تكون غضبى أو لم تكن نشيطة، فهل علينا في ذلك من حرج؟ قالت: نعم». يعني أنه ينبغي للمرأة أن تجيب زوجها إذا دعاها على أي حالة إن كانت. كما جاء في السنة من حديث طلحة بن عبيد الله أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا دعا الرجل امرأته إلى فراشه فأبت، فبات غضبان عليها، لعنتها الملائكة حتى تصبح». وفي رواية: «إلا كان الذي في السماء ساخطا عليها حتى يرضى عنها». فإذا امتنعت المرأة من غير عذر عن إجابة زوجها، فبات غضبان عليها، فإن الملائكة تلعنها حتى تصبح، بسبب عدم استجابتها لزوجها. فالواجب عليها أن تجيبه إذا أراد حاجته. وإذا كانت المرأة مريضة أو حائضا، ينبغي للزوج أن يراعي مرضها وحاجتها. كما جاء في الصيام عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «اصنعوا كل شيء إلا النكاح». يعني إذا أراد الرجل أن يباشر زوجته فله أن يصنع معها كل شيء إلا النكاح، يعني إلا الجماع، فإنه لا يقربها ولا يجامعها، لقول الله جل وعلا: ﴿وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطَّهَّرْنَ﴾ يعني لا تجامعوهن. والأفضل أن تتزر، كما جاء أيضا عن عائشة وغيرها من النبي صلى الله عليه وسلم: «كان إذا أراد أن يباشر امرأة وهي حائض أمرها أن تتزر، ثم يباشرها وهي حائض». ولكن بخاء رحمه الله ذكر هذا الحديث بهذا الباب لقوله: «خذي ما أدركت من قرصك، ولا تؤذي جارك في شاتك». يعني أراد أن يستدل بهذا الحديث على عظم أذية الجار، ولو كان فيما يملكه كأذية يملكها، فلا تؤذي جارك. وهذا الباب شامل، دخلت بيتك فلعبت في البيت أو أكلت شيئا من الطعام، فإنك لا تؤذي جارك بضرب هذه الشاة أو بالتصرف عليها. فإن من الإحسان للجار أنك لا تؤذي هذه الشاة، فإنها حيوان لا يعقل، فإنك تترفق بها ولا تؤذيها، لأن إيذاءها إيذاء للجار، وسبب لحصول الشحناء والبغضاء بينك وبين جارك. واحد أيضا ما يحصل كذلك من الأولاد، وما يحصل من الأولاد أن يؤذي أولادك إما بسبب لعب أو بضرب أو نحو ذلك، ينبغي أن يكون من الآباء عندهم شيء من التعقل، وحصول التصرف. فكثير من المشاكل التي تحدث بين الجيران بسبب الأولاد، يأتي هذا الولد فيضرب ذلك الولد، فيقوم الأب ويضرب هذا الولد، ثم يأتي والد هذا الولد ويتشاجر مع جارك، فتحصل المعركة والشحناء والبغضاء والعداء بسبب هؤلاء الأولاد. وربما يتصالح الأولاد ويبقى الأباء في قطيعة وهجر بسبب هؤلاء الأولاد. وهذا من غلط وعدم حسن تصرف، بل ينبغي أن يحصل تصرف، إذا أذى الولد، يوبخ للأباء والفعل كذا وكذا، حتى يؤدبه ويؤنبه، ولا يحصل بينهم العداوة والبغضاء التي تكون سبب في المقاطعة وحصول الأذية بينهم. والله تعالى أعلم.