الدرس في التعليق على قصص الأنبياء للعلامة السعدي 88، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يبيّن المحور كيف أن الهم بالذنب يعرض لكل إنسان، لكن قوة الإيمان وبرهان التوحيد يمنعان المؤمن من تنفيذ المعصية كما حدث مع يوسف عليه السلام، بينما ضعف الإيمان يؤدي للانقياد للهم وارتكاب الذنب، ويوصي بزيادة الإيمان بالطاعات والعلم النافع والتوحيد لحماية النفس.
يوضح المحور أن الإخلاص لله وقوة الإيمان من أعظم أسباب حفظ العبد من المعاصي مستدلاً بقصة يوسف، ويؤكد ضرورة الفرار من الأماكن والأصحاب المهيئة للمعصية كاختلاط الرجال بالنساء والخلوة المحرمة ومصاحبة أهل الشر اقتداءً بهروب يوسف.
يؤكد المحور على أهمية الابتعاد عن أسباب المعصية ومواطن الفتنة كشرط للتوبة الصادقة مستشهداً بقصة قاتل المائة نفس، ويبين دور القرائن في إقامة الحق مستدلاً بحكم قميص يوسف ووجود الصواع في رحل أخيه كأدلة شرعية معتبرة.
يختتم المحور الجلسة العلمية بالإشارة إلى أهمية العمل بالقرائن عند الحكم وعند الاشتباه كما ورد في قصة يوسف، ويعلن الاكتفاء بهذا القدر مع تفويض العلم لله تعالى.
الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد، فلا يزال المؤلف رحمه الله تعالى، الشيخ العلامة عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي رحمه الله، يذكر لنا الفوائد المستنبطة من قصة نبي الله يوسف عليه السلام. قال: ومنها أن الهم الذي هم به يوسف ثم تركه لله، ولبرهان الإيمان الذي وضعه الله في قلبه، مما يرقيه إلى الله زلفى؛ لأن الهم داع من دواعي النفس الأمارة بالسوء، وهو طبيعة طبع عليها الآدمي. فإذا حصل الهم بالمعصية، ولم يكن عند العبد ما يقاوم ذلك من الإيمان والخوف من الله، وقع الذنب. وإن كان العبد مؤمناً كامل الإيمان، فإن الهم الطبيعي إذا قابله ذلك الإيمان الصحيح القوي منعه من ترتب أثره، ولو كان الداعي قوياً. ولهذا كان يوسف من أعلى هذا النوع، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ﴾، بدليل قوله: ﴿كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ﴾. قال: لاستخلاص الله إياه، وقوة إيمانه وإخلاصه، خلصه الله من الوقوع في الذنب، فكان ممن خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى، ومن أعلى السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله. فذكر صلى الله عليه وسلم منهم: «رجلاً دعته امرأة ذات منصب وجمال، فقال: إني أخاف الله». فهمها لما كان لا معارض له استمرت في مراودته، وهمه عارض ثم زال في الحال ببرهان ربه. وخلاصة هذا الكلام: أن بطبيعة الإنسان لربما تدعوه نفسه الأمارة بالسوء إلى فعل المعاصي، وإلى الوقوع في الفتن، سواء كانت فتن الشهوات أو فتن الشبهات، هذا من طبيعة الإنسان. ولكن يختلف الناس في العمل بهذا الهم وعدمه. فمن كان قوي الإيمان، عنده خوف من الله، فإن هذا الإيمان يحجزه ويمنعه من الوقوع في الذنب، كما هو حال يوسف عليه السلام؛ همّ بهذا الأمر، لكن لقوة إيمانه، ولبرهان الإيمان الذي وضعه الله في قلبه، حجزه هذا الأمر عن الوقوع في الفاحشة، مع تيسر ذواعي أسبابها كما تقدم معنا. والعكس بالعكس: من ضعف عنده الإيمان، وبرهان الإيمان في قلبه، وضعف عنده الخوف من الله عز وجل، فإنه إذا هم بمعصية وقع فيها، كحال امرأة العزيز؛ همت كما قال الله: ﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا﴾، فالهم وقع منها أيضاً، لكنها عملت بهذا الهم، فاستمرت في المراودة، ولولا امتناع يوسف عليه السلام لوقعت فيما همت به. ولكن بهروب يوسف منها نجاه الله عز وجل من هذا الأمر. فالمؤمن يعتني بزيادة إيمانه، وبالخوف من ربه، ويعمل بأسباب زيادة الإيمان: من الإكثار من الطاعات والقربات، ومن معرفة الرب الجليل بأسمائه وصفاته، بالعلم النافع، وبتعلم العقيدة الصحيحة، التوحيد الخالص لله سبحانه وتعالى. فهذه كلها تغذي شجرة الإيمان، تغذي شجرة الإيمان. وكلما قوي إيمان العبد حجزه هذا الإيمان عن الوقوع في المعاصي. وإذا رأيت من نفسك عدم الاستطاعة على ترك المعاصي، فاعلم أن هذا دليل على ضعف إيمانك، وعلى ضعف خوفك من الله سبحانه وتعالى. فتفقد نفسك، تفقد نفسك، حتى تعلم من نفسك أن الإيمان يحجزك ويمنعك من الوقوع في الذنوب والمعاصي. هذا خلاصة ما أراده المؤلف رحمه الله. فبالإخلاص والتوحيد، والخوف من الله، والإكثار من الأعمال الصالحة، كل هذه من أعظم أسباب النجاح من الوقوع في المعاصي، الذي لربما يشتهيها الإنسان وتدعوه نفسه إليها. قال: ومنها أن من دخل الإيمان قلبه، ثم استنار بمعرفة ربه، ونور الإيمان به، وكان مخلصاً لله في كل أحواله، فإن الله يدفع عنه ببرهان إيمانه وإخلاصه من أنواع السوء والفحشاء، وأسباب المعاصي، ما هو جزاء لإيمانه وإخلاصه. لأن الله علل صرف هذه الأمور عن يوسف بقوله: ﴿إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ﴾، على قراءة من قرأها بكسر اللام. ومن قرأها بالفتح، فإن من أخلصه الله واجتباه، فلابد أن يكون مخلصاً، فالمعنيان متلازمان. وهذا أيضاً ذكر من المؤلف لأسباب النجاة من الوقوع في المعاصي والفواحش. فمن ذلك: الإخلاص لله سبحانه وتعالى، أن يخلص العبد العبادة لله، وأن يرجو بعمله وجه الله، لا رياء ولا سمعة، وأن يعتني بصلاح قلبه، وبقوة إيمانه. فهذا من أعظم أسباب النجاة من الوقوع في الفتن والمعاصي والفواحش. ولذلك علل الله عز وجل نجاة نبيه يوسف بقوله: ﴿إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ﴾. جاءت قراءتان: «المخلصين» و«المخلصين». «المخلصين» بفتح اللام: اسم مفعول، يعني الذين أخلصناهم واجتبيناهم. ومن أخلصه الله واجتباه، هذا من لازمه أنه يخلص لله عز وجل في عمله؛ لأن الله عز وجل ما اجتباه واصطفاه إلا لإخلاصه، وكذلك نور قلبه بالإيمان. وجاءت قراءة: «من عبادنا المخلصين» بكسر اللام: اسم فاعل، أي أنه مخلص لله عز وجل في عمله، من الإخلاص وهو التنقية وتصفية العمل لله سبحانه وتعالى. فالإخلاص من أعظم أسباب النجاة من الوقوع في المعاصي والفواحش. قال: ومنها أنه ينبغي للعبد إذا ابتلي بالوقوع في محل فيه فتنة وأسباب معصية، أن يفر ويهرب، غاية ما يمكنه، ليتمكن من التخلص من ذلك الشر، كما فر يوسف هارباً للباب، وهي تمسك بثوبه وهو مدبر عنها. وهذا من أعظم أسباب النجاة من الوقوع في المعاصي. إذا رأيت أن وجودك في محيط فيه تيسير لفعل الفاحشة أو المعصية، بسبب هذا المحل أو هذا المكان، فغادر هذا المكان. كأن تكون في مكان اختلاط الرجال بالنساء، أو في مكان كذلك وجود نساء متبرجات، أو نحو ذلك. وأيضاً الخلوة: إذا رأيت أن الخلوة هي السبب في وقوعك في الفاحشة، خصوصاً مثلاً فاحشة العادة السرية أو نحو ذلك، فمن أسباب التخلص منها أن تبتعد عن الخلوة. لا تخلُ بنفسك إلا فيما فررت إليه، وإلا فكن مع أهلك إن كنت في البيت، أو مع إخوانك، أو مع أصدقائك إن كنت خارج البيت، أو نحو ذلك. وهكذا: إن رأيت أن سبب وقوعك في المعصية صديق، هذا الصديق هو الذي يهيئ لك أو يدعوك إلى هذه المعصية، ففارق هذا الصديق واتركه، اتركه، لا تزامله طالما أنه السبب في وقوعك في المعصية. وهذا له أدلة كثيرة: الذي قتل مئة نفس، ثم جاء إلى العالم: «هل لي من توبة؟» قال: «ومن يحول بينك وبين التوبة؟» ثم أمره أن يترك البلد الذي هو فيها، وأن يذهب إلى بلد آخر فيها من أهل الصلاح، من أهل الصلاح. فإن رأيت أن سبب وقوعك في المعاصي هؤلاء الأصدقاء الأشرار، فاتركهم ولا تصاحبهم. إن رأيت أن سبب وقوعك في المعصية الجوال، الجوال، اترك الجوال، أو اترك تعبئته في الرصيد، أو اجعل لك جوالاً لا تظهر فيه الصور، وإنما فقط لمن أراد أن يتصل بك. والله هذا خير لك، خير لك من أن تقع في المعاصي: من النظر إلى النساء، أو إلى الأفلام الخليعة، أو إلى المناظر الشنيعة، أو نحو ذلك. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم في أعظم فتنة تواجه العالم، وهي فتنة الدجال: «من سمع بالدجال فلينأَ عنه». إيش معنى «ينأَ عنه»؟ يعني يبتعد عنه. لا تقول: أنا سآتي عنده وأحاجه وأغلبه، ما يدريك؟ فإن معه مغريات كثيرة، ومعه فتن عظيمة، فلربما لا تقوى على دفعها. فإذن: ابتعد عنه. لا تقرب مواطن الفتن، لا تقرب مواطن المعاصي والشهوات والشبهات. فهذا من أعظم العلاج في ترك المعاصي، في ترك المعاصي: أن تغادر مكان أو وسيلة الوقوع في المعصية. إذا تركتها نجاك الله. الآن أنت مثلاً مبتلى بالنظر إلى النساء، إذا تركت أماكن وجود النساء الكاشفات، وتركت الجوال الذي ربما هو السبب في وقوعك في هذه المعصية، خلاص ما يوجد هناك ما يأتي بك عند هذه النساء، تسلم من هذه الفتنة، تسلم من هذه الفتنة بإذن الله عز وجل. فهذا أمر قد دل عليه الكتاب والسنة، كما في قصة يوسف، وكما في غيرها من الأحاديث النبوية. قال: ومنها أن القرائن يعمل بها عند الاشتباه في الدعاوى. وذلك أن الشاهد الذي شهد، أي حكم على يوسف وعلى المرأة، اعتبر القرينة، فقال: «إن كان قميصه قدّ من قبل...». معرفنا ما معنى «القد» وهو السحب بشدة، فيكون هناك أثر لهذه النزعة، أثر في الثوب، أثر في الثوب، إلى آخر القضية، وصار حكم. وهذا موافقاً للصواب. انظر: حكم بهذه القرينة، حكم بهذه القرينة، فأصاب الحقيقة، أصاب الحقيقة والحق، فعرف أن المراود هي المرأة، وليس يوسف. قال: ومن القرائن: وجود الصواع في رحل الأخ. هذا أيضاً قرينة: يعني الذي المسروق في متاعه فهو السارق، هذا الأصل. صح مثلاً: قيل سرق جوال، جوال، فبحثنا، بحثنا، وجدنا في حقيبة شخص، الأصل أنه الذي أخذ هذا، الأصل أنه الذي أخذ هذا الجوال، لأن هذه قرينة. لكن قد تكون هذه القرينة غير مجزوم بها، غير مجزوم بها؛ لربما أحد سرقه لكن تعمد وأدخل هذا الجوال في حقيبة غيره حتى يوهم، ثم إذا خل له الجو ذهب إلى هذه الحقيبة وأخذه، قد يكون. لكن الأصل أن من وجد في حقيبته فهو الآخذ وهو السارق. وهكذا في الصواع، الصواع: حكموا على أن السارق أخي يوسف، مع أن هو السارق، إنما هي أمر اتخذه يوسف حتى يأتي بالوالدين إليه بهذا الأمر، فتمكن يوسف من تحقيق مراده. فيعمل بالقرائن عند الحكم، وعند الاشتباه، ونحو ذلك، كما في هذين الموضعين من هذه القصة. طيب، نكتفي بهذا اليوم إن شاء الله. إلى هنا، والله تعالى أعلم. ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر