الدرس في التعليقات على كتاب الأدب المفرد 22، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يشرح أهمية التحكم في اللسان وعدم التكلم إلا بخير، ويبين فضائل الأعمال الصالحة مثل صلة الرحم والصدقة. يستشهد بالأحاديث النبوية التي تحث على هذه الأعمال وتدعو إلى تجنب الكلام السيئ.
يشرح حديث النبي عليه الصلاة والسلام الذي يفيد أن من أسلم بعد عمل طاعات في الجاهلية، فإنه يؤجر عليها بسبب إسلامه. كما يبين أن الإسلام يهدم ما قبله من سيئات وذنوب.
يناقش أهمية صلة الرحم ومعرفة الأنساب، ويجوز صلة الرحم وإهداء الهدايا إلى الأقارب حتى وإن كانوا مشركين. كما يوضح أن القرب بالرحم يكون بالصلة، فإذا صلت الرحم كانت قريبة.
يدل على اختلاف المعنى، فلما اختلفت مباني هذه الكلمات اختلفت معانيها، وإن كانت في الظاهر تدل على معنى واحد، لكن في الحقيقة يختلف المعنى. فعد النزمة أن يتفرد بعضها بنفسه، وفك رقبه أن يعين على فكها ولا يتفرد بذلك. قال: والمنيحة الرغوب، وقلنا: هي ذات اللبن غزيرة اللبن. قيل: التي لا ينقطع لبنها سنتها، يعني: هذه من الأعمال التي تدخل الجنة وتنجي من النار. قال: والبر على ذي الرحم. قلنا: في رواية ذكرها تبريزي في المشكاة بذكر بر ذي الرحم الظالم، وهو الشاهد من ذكر هذا الحديث أن صلة الرحم، وإن كان هذا صاحب هذه الرحم ظالمًا، وإن كان ظالمًا فظلمه نفسه، فإنك تصله وتؤجر على ذلك. قال: فإن لم تطق ذلك، فامر بالمعروف وانه عن المنكر، أي: إن لم تستطع الانقياد بهذه الأعمال، فعليك بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على قدر استطاعتك. فإن لم تطق ذلك، فكف لسانك إلا من خير، يعني: إذا لم تستطع أن تعتدي بشيء من هذه الأعمال، فكف لسانك، أي: أمسك عليك لسانك، لا تتكلم إلا بخير. وهذا كذلك يعد من الأعمال الصالحة. والله سبحانه وتعالى يقول: ﴿ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد﴾. ويقول الله جل وعلا: ﴿إن عليكم لحافظين كراما كاتبين يعلمون ما تفعلون﴾. وهكذا أيضًا قال عليه الصلاة والسلام: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فليقل خيرًا أو ليصمت». جاء من حديث أبي هريرة، ومن حديث أبي شريح وغيرهما من الصحابة. وأيضًا قال عليه الصلاة والسلام: «ما من العبد يتكلم بالكلمة من سخط الله، لا يلقي لها بالا، تهوي به في النار أبعد ما بين المشرق والمغرب». وفي حديث معاذ عند الترمذي، فحسنه بعضهم. للعلم في صحيح البخاري رحمه الله، بمجموع طرقه في قوله له: «كف عليك لسانك». فقال: وإن لم يأخذوا بما نتكلم به. وقال عليه الصلاة والسلام: «أفكلتك أمك، وهل يكب الناس في النار على مناخرهم إلا حصائد ألسنتهم». وهذا أيضًا جاء في السنة: أن الجوارح تكفر اللسان، تقول: اتق الله فينا، فإنما نحن بك، إن استقمت استقمنا، وإن اعوججت اعوججنا. فاللسان هو سبب للهلاك إن أطلقه العبد في غير محله. فلهذا أوصى النبي عليه الصلاة والسلام بأن يكف لسانه، هو سبب للشر، سبب لكثير من الشر باللسان: الغيبة، النميمة، القذف، الكذب، شهادة الزور، السب، اللعن، إلى غير ذلك، كل ذلك باللسان. فلهذا أوصى -كما سمعنا- أوصى عليه الصلاة والسلام بأن يكف لسانه إلا من خير. وجاء معنا هذا في حديث آخر صحيح في الصحيحين، من حديث أبي ذر رضي الله تعالى عنه، جاء فيه معنا قوله: «فكف لسانك». وجاء: «فهي لك صدقة، أمسك عليك لسانك، فهي لك صدقة». أو «فكف شرك عن الناس بهذا اللسان، فكف شرك عن الناس، فهي لك صدقة». قال: باب من واصل رحمًا في الجاهلية ثم أسلم. قال: حدثنا أبو اليمان، هو الحكم النافع، قال: أخبرنا شعيب، عن الزهري، قال: أخبرني عروة بن الزبير، أن حكيم بن حزام أخبره، أنه قال للنبي صلى الله عليه وسلم: أرأيت أمورًا كنت أتحنث بها في الجاهلية من صلة وعتاقة وصدقة، فهل لي فيها أجر؟ قال حكيم: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أسلمت على ما سلف من خير». والحديث صحيح، هو في الصحيحين. فـ «حكيم بن حزام» سأل النبي عليه الصلاة والسلام، وأخبره أنه كان يفعل بعض العبادات والطاعات في الجاهلية: كنت أتحنث بها، يعني: أتعبد وأتقرب بها، من صلة، يعني: من صلة أرحام، وعتاقة، يعني: عتق رقبة، فك الرقاب، وصدقة، كذلك أنا أتصدق، هذه أعمال صالحة كان يفعلها في الجاهلية. فهل لي فيها أجر؟ يسأل: هل له فيها أجر في هذه الأعمال التي عملها في الجاهلية؟ فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «أسلمت على ما سلف من خير»، يعني: لك أجر عليها بسبب إسلامك، فإنك تؤجر على هذه الأعمال التي عملتها في الجاهلية. وهذا يدل على أن الكافر إذا عمل طاعات وعمل قربات في الجاهلية، في حال كفره، ثم أسلم وحسن إسلامه ومات على الإسلام، فإنه يؤجر على هذه الأعمال التي عملها في الجاهلية: «أسلمت على ما سلف من خير». وهذا هو الصحيح لظاهر هذا الحديث. وبعض العلماء قال: لا يؤجر. وأولوا هذا الحديث بتأويلات ضعيفة ذكرها الحافظ ابن حجر رحمه الله في الفتح. والصحيح أنه يؤجر لقوله: «أسلمت على ما سلف من خير». وهذا من رحمة الله سبحانه وتعالى: أنه يؤجره على ما فعل من طاعات وقربات بسبب إسلامه. وفي مقابل ذلك أن يكفر الله سبحانه وتعالى عنه ما عمل من سيئات وخطايا وذنوب، كما قال عليه الصلاة والسلام -كما في صحيح عبدالله بن عمر-: أما علمت أن الإسلام يهدم ما كان قبله؟ أن الإسلام يهدم ما كان قبله. وهكذا أيضًا في هذا الحديث بيان أن أهل الجاهلية كانت لهم أعمال صالحة، كانت لهم أعمال صالحة، فكانوا يتقربون إلى الله سبحانه وتعالى بصلة الأرحام، وبعتق الرقاب، وبالصدقة، وهكذا أيضًا بالاعتكاف. كما قال عمر للنبي عليه الصلاة والسلام: اعتكفت -أو نذرت أن اعتكف- ليلة في المسجد الحرام. فأمره عليه الصلاة والسلام أن يوفي بنذره. فهذه من الطاعات القربات. ومع ذلك فإن فعلها في حال الكفر لا تنفع صاحبها، لا تنفع صاحبها، كما قال الله جل وعلا: ﴿وما منعهم أن تقبل منهم نفقاتهم إلا أنهم كفروا بالله وبرسوله﴾، إلا أنهم كفروا بالله وبرسوله. فلا تنفعهم هذه الطاعات القربات إلا إذا أسلموا، فإنهم يؤجرون عليها. وكذلك أيضًا به رد على شبه من شبه القبوريين الذين يقولون: كيف تكفرون من تقرب إلى القبور بفعل بعض الطاعات القربات؟ وهؤلاء الذين تكفرونهم من أهل الجاهلية كانوا يعبدون الأصنام، ونحن نصلي ونصدق ونعتق ونفعل ونفعل من الطاعات. فيقال لهم: كذلك كان أهل الجاهلية لهم أعمال صالحة، كانوا كذلك يصلون الأرحام، ويعتقون، ويتصدقون، ويعتكفون. ومع ذلك فلم تنفعهم هذه الأعمال، بل كفرهم بالله سبحانه وتعالى ورسوله عليه الصلاة والسلام. وكذلك أيضًا أباح الله جل وعلا استباحة أموالهم وأعراضهم؛ لأنهم أشركوا في توحيد الألوهية. فلن تنفع ما فعله العبد من أعمال وطاعات وقربات. قال: باب صلة ذي الرحم المشرك والهدية. قال: حدثنا محمد بن سلام، قال: أخبرنا عبده، عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر، قال: رأى عمر حلة سيراء، وهي من البرود التي يخالطها الحرير. فقال: يا رسول الله، لو اشتريت هذه فلبستها يوم الجمعة وللوفود إذا أتوك. فقال: «يا عمر، إنما يلبس هذه من لا خلاق له». ثم أهديت إلى النبي صلى الله عليه وسلم منها حلل، فأهدى إلى عمر منها حلة. فجاء عمر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله، بعثت إلي بهذه، وقد سمعت قولك فيها ما قلت. قال: «إني لم أهدها لك لتلبسها، إنما أهديتها إليك لتبيعها أو لتكسوها»، يعني: تكسوها من يلبسها كالنساء ممن يحل له لبس الحرير. قال: فأهدى عمر لأخ له من أمه مشرك. والحديث صحيح، هو في الصحيحين. وقد مر معنا في أول الكتاب. وأراد الإمام المقتدري هنا أن يستدل به على صلة الرحم المشرك، وكذلك بعث الهدية إليه وإن كان مشركًا. فعمر أهدى هذه الحلة إلى هذا الأخ، بعث بها إلى أخ له من أمه وهو مشرك. ففيه جواز صلة الرحم وإن كان مشركًا. ولا يدل ذلك على أنه يجوز له أن يلبسها، كما مر. فالكافر -على الصحيح- مخاطب بالأوامر والنواهي التي أمر الله سبحانه وتعالى بها، وأمر بها رسوله عليه الصلاة والسلام. وإذا خالف فإنه يعاقب عليها يوم القيامة، يعاقب عليها يوم القيامة، كما قال الله جل وعلا حين أخبر بدخولهم النار، وأنهم عذبوا وعوقبوا بسبب تركهم لهذه الأوامر والواجبات: ﴿ما سلككم في سقر؟ قالوا لم نكن من المصلين ولم نكن نطعم المسكين وكنا نخوض مع الخائضين وكنا نكذب بيوم الدين﴾. فأخبروا أنهم عوقبوا وعذبوا بسبب عدم إيمانهم، وكذلك عدم امتثالهم بالواجبات التي أمر الله سبحانه وتعالى بها. قال: باب تعلموا من أنسابكم ما تصلون به أرحامكم. قال: حدثنا عمرو بن خالد، قال: حدثنا عتاب بن بشير، عن إسحاق بن راشد، عن الزهري. وإسحاق بن راشد ثقة، وفي روايتي عن الزهري كلام. ولهذا قال الحافظ في التقريب: ثقة في حديثه عن الزهري بعض الوهم. قال: حدثني محمد بن جبير بن مطعم، أن جبير بن مطعم أخبره، أنه سمع عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول على المنبر: تعلموا أنسابكم، ثم صلوا أرحامكم. والله إنه ليكون بين الرجل وبين أخيه الشيء، ولو يعلم الذي بينه وبينه من داخلة الرحم، لأوزعه ذلك عن انتهاكه. والحديث حسنه العلامة الألباني رحمه الله. ويشهد له ما بعده. قال: حدثنا أحمد بن يعقوب، قال: أخبرنا إسحاق بن سعيد بن عمرو، أنه سمع أباه يحدث عن ابن عباس، أنه قال: احفظوا أنسابكم، فصلوا أرحامكم، فإنه لا قرب بالرحم إذا بعدت، وإن كانت قريبة، ولا بعد بها إذا قربت، وإن كانت بعيدة. وكل رحم آتية يوم القيامة أمام صاحبها، تشهد له بصلة إن كان وصلها، وعليه بقطيعة إن كان قطعها. وهذا أيضًا صححه شيخ الألباني رحمه الله. وذكر كذلك أنه روي مرفوعًا. وبهذا الحديثين: أنه ينبغي للإنسان أن يعلم أنسابه، أن يتعلم أنسابه ويعرف نسبه حتى يصل بذلك أرحامه: تعلموا أنسابكم، ثم صلوا أرحامكم. فإن الرجل يكون بينه وبين أخيه الشيء، يعني: يكون بينه وبينه عداوة أو اختلاط نحو ذلك. ولو يعلم الذي بينه وبينه من داخلة الرحم، لأوزعه ذلك عن انتهاكه، لو يعلم ما بينه وبينه من اتصال وعلاقة وارتباط، لكان ذلك مانعًا له من العداوة ووقوع الشر بينه وبينه. وهذا أيضًا: فإنه لا بعد بالرحم إذا قربت، وإن كانت بعيدة، إذا صلت رحمتك كانت قريبة، وإن كان الذي بينك وبينه نسب بعيد، فإنها بالصلة تقرب. وهكذا لا قرب بها إذا قطعت، فإنها تكون بعيدة. فالقرب الحقيقي هو بصلتها.