التعليق على شرح الميمية للعلامة العثيمين  5

التعليق على شرح الميمية للعلامة العثيمين 5

الدرس في التعليق على شرح الميمية للعلامة العثيمين 5، الدرس الخامس:من( ثم قال رحمه الله:وشاهد أنها في هبوبها*تكاد تبث الوجد لو تتكلم ... ولكنه مع ذلك يجد النار من الحزن تتضرم في قلبه إلى أن يصل إلى محبوبه ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

التعبير عن الشوق والحب في الشعر

يشرح الشيخ أبيات شعرية تعبر عن الشوق والحب للمحبين، ويوضح معاني الوجد والشوق والجواء وتأثيرها في الشعر. يُبين كيف يصف الشاعر نسمات الريح وهي تحمل أشواقه ومحبته.

الشوق إلى مكة والمدينة في الشعر

يشرح الشيخ الأبيات الشعرية التي تعبر عن الشوق إلى مكة والمدينة، ويبين معانيها ودلالاتها الروحية. يتطرق إلى براعة الانتقال في الشعر ويذكر أمثلة لأبيات شعرية أخرى تعبر عن الشوق إلى البقاع المقدسة.

التعلق باللقاء في البقاع المقدسة

يشرح المقطع أبيات شعرية تعبر عن شدة الشوق إلى لقاء الأحبة في البقاع المقدسة، ويبين المعاني العميقة وراء هذه الأبيات وكيف تعكس تعلق ابن القيم بالله وحبه للقاء الصالحين.

ختام الدرس والاستعداد للدرس اللاحق

يتم ختام الدرس الحالي والاستعداد للانتقال إلى المشهد الثالث من القصيدة في الدرس اللاحق، مع التعبير عن الأمل في تحقيق ذلك بإذن الله تعالى.

  • 27 جمادى الآخرة 1431هـ - 09/06/2010مـ
التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، قال شيخنا -رحمه الله تعالى-: ثم قال -رحمه الله-: «وشاهدوا هذا أنها في هبوبها تكاد تبث الوجد لو تتكلموا». قال: قوله «الوجد» هو شدة المحبة، يعني أن هذه النسمات الريحية التي تحمل محبتنا إليكم تكاد تنشر الوجد بالصوت لو تتكلم، ولكنها لا تتكلم، إلا أنها تحمل الأشواق. وهذا البيت تبع للبيت الذي قبله، يشير فيه الناظم -رحمه الله تعالى- مؤكدًا ما سبق من تأكيد حبه وشوقه لما سبق ذكره لأهل هذه الطريق من يسير إلى بلاد الأشواق من الصحابة الأخيار، ومن تبعهم بإحسان، ومن سار بسيرهم من الفرقة الناجية والطائفة المنصورة. وهو يقول تأكيدًا لهذه المحبة: أن نسمات الريح تحمل الكثير من ذلك، ودليل هذا قوله: «وشاهد هذا أنها في هبوبها» أي في حركتها، أي حركة الريح حين تهب، ومعنى الهبوب معروف، ضربات الريح المتتاليات. «تكاد تبث الوجد لو تتكلم». قال الشيخ: «الوجد» هو شدة المحبة. ثم بيّن الشيخ -رحمه الله- أن هذه الريح لو كانت تتكلم -يريد المؤلف -رحمه الله- أنها تكلمت، تأكيدًا أنها تحمل أشد الحب وأشد الشوق للمحبين على ما سبق ذكره، وسبقت الإشارة إليه. وهذه من بلاغات الشعر، ولا نقول مبالغات، ولكنها من محاسن الشعر وبلاغات الشعر: أنهم يحولون هذه المعاني والأحاسيس والعواطف إلى أشياء محسوسة، حتى كأن الجماد يتكلم، كل ذلك تأكيد لتلك التعابير التي أشار إليها -رحمه الله تعالى- فيما سبق ذكره من أمر المحبة. قال -رحمه الله-: ثم قال -رحمه الله-: «وكنت إذا مشتد بي الشوق والجواء وكادت عرى الصبر الجميل تفصم». قال: قوله «وكنت» خبرها ما بعد هذا البيت من الأبيات إلى قوله: «أسائل عنكم كل غاد ورائح وأومي إلى أوطانكم وأسلم». يريد الشيخ -رحمه الله- أن قوله «وكنت إذا مشتد بي الشوق والجواء» والشوق والجواء، الجواء شدة الوجد، يعني أثر فرط المحبة، من شدة وجدانه يجد الجواء، وهو أعظم من الشوق، فالشوق هو شدة انتظار وتعلق القلب، والجواء هو شدة المحبة بما يكون من شدة الوجد، أي ما يجد المحب في صدره وقلبه من شدة ميله وفرط محبته، فهو إحساس المحب الشديد من فقدانه وبعد من يحبه. فهذه الجملة جملة اسمية فيها مبتدأ وخبر، وكمال المعنى يُعرف بذكر الخبر، فلما كان قوله: «وكادت عرى الصبر الجميل لتفصم» ليس هو الخبر، نبه الشيخ -رحمه الله- أن الخبر ليس في هذا البيت، وإنما الخبر سيأتي بعد هذا البيت في الأبيات الآتية إلى قوله: «أسائل عنكم كل غاد ورائح». وستأتي الإشارة إليه، يعني جواب البيت «وكنت إذا ما اشتد بي الشوق والجواء» أعلل نفسي بالتلاقي وقربه، إلى آخر الأبيات التي سيأتي ذكرها إن شاء الله. فجواب هذه الجملة البيت الذي سيأتي. قال: وقوله «إذا ما اشتد بي الشوق والجواء» الشوق وشدة المحبة، والجواء الظاهر أنه أصل الحزن على فراق المحبوب، وكما قلنا هو مأخوذ من معنى الوجدان، وهو شدة الوجد بشدة المحبة وفرطها، فهو ما يجده المحب في قلبه من ألم الفراق وبعده وحزن بسبب عدم لقائه بمن يحب. قال: ثم قال -رحمه الله-: «أعلل نفسي بالتلاقي وقربه وأوهمها لكنها تتوهم». هذا هو جواب قوله -رحمه الله-: «وكنت إذا ما اشتد بي الشوق والجواء». والمراد الشوق والجواء إلى المحبين ومجالسهم وطريقهم وما وصلوا إليه، فهو يحب الصحابة -رضي الله تعالى عنهم- الأخيار، ومن تبعهم بإحسان، ومن سار بسيرهم، فكان إذا اشتد شوقه وجواه علل نفسه بالتلاقي وأنه قريب. قال: قوله «علل نفسه» هذا هو حديث النفس، وقوله «علل نفسي بالتلاقي وقربه» أي أقول في نفسي إن اللقاء سيأتي إن شاء الله، فاصبري، فإن كل آت قريب، ولسوف تلتقين بأحبابك يومًا. ولا يلزم أن يكون هذا الحديث والتعليل له لفظ، ولكن المقصود أنه إذا شعر بهذا الشعور فإنه يعلل نفسه أن يصبرها ويشغلها بأمل اللقاء، وهذا لا يلزم أن يكون فيه ألفاظ يتكلم بها في قلبه فضلًا عن لسانه، وإنما المقصود هو إشغال النفس بأمل اللقاء وأنه إن شاء الله قريب. فكل من سار في هذا الطريق سيلتقي بمن يحب، وكما قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: «المرء مع من أحب يوم القيامة». وهو في هذه الأبيات كما قلنا يذكر الرحلة إلى بلاد الأفراح، أي الجنة. قال: «وأوهمها لكنها تتوهم». قال: قوله «وأوهمها» يعني بقرب التلاقي وأنه ليس ببعيد، وقوله «لكنها تتوهم» أن يلحقها الوهم من شدة الشوق ولا تعي ما أقول لها. قوله «وأوهمها» قال الشيخ: يعني بقرب التلاقي وأنه ليس ببعيد. لكن هنا سؤال: هل أوهمها بمعنى الوهم الذي هو خلاف الحق والصواب؟ الظاهر ليس كذلك، ولكن كأنه يقول: «وأخيل لها»، أي هذا القرب، كأن الوهم ها هنا بمعنى الخيال. فكأنه يقول: حين أعلل نفسي بالتلاقي وقربه، أي حين أشغلها بأمل اللقاء، أتخيل في نفسي هذا القرب، يعني ماذا سيكون فيه من الأنس بالمحبين واللقاء بهم، وما يكون من رضا الله -عز وجل- ورضوانه مع الأحبة. فإذا قوله «وأوهمها» أي أخيل لها، لكنها تتوهم. قال الشيخ: أي يلحقها الوهم من شدة الشوق ولا تعي ما أقول لها. ومعنى أنها تسترسل في هذا الخيال، فهو يعلل نفسه بأن يشغلها بأمل اللقاء، فيتخيل قرب اللقاء وما يكون فيه، فعند ذلك تسترسل النفس فتنشغل بهذا الاسترسال في التخيل. فمعنى «تتوهم» ليس من الوهم، ولكنه من التخيل، وهذا من شدة حبه ووجدانه -رحمه الله-، كأنه يقول: لشدة تعلق النفس صرت أتخيل قليلًا، فإذا بها تسترسل فتقع في خيال متتابع لشدة الأنس الذي ترجوه بذاك اللقاء القريب. قال: ثم قال -رحمه الله-: «وأتبعوا طرفي وجهة أنتموا بها فلي بحماها مربع ومخيم». قال: قوله «وأتبعوا طرفي» هذا عمل العين، هذا عمل العين. ومعنى البيت أنه يتصور أنه خارج البلد ومحبوه نحو مكة، ولذلك فإن نظره سيتجه إلى الجهة التي هم فيها، وهي مكة. قول الشيخ -رحمه الله- تعليقًا على هذا البيت: «وأتبعوا طرفي» هذا عمل العين، لأن الطرف هو نظر العين بطرفه. ومعناه: «وأتبعوا طرفي وجهة أنتموا بها»، لأن نفسه تحدثه دائمًا بقدوم المحبين منها، فكأنه يقول: آثار المحبين ومن يحبهم باقية في هذه البقع، وهي مكة والمدينة، فمنها جاءت الرسالة وفيهما نزل الوحي ومنهما انتشر الإسلام وخرج الصحابة الأخيار، وكان ما كان من سير السائرين بسيرهم. فهو كأنه يقول: لما وقعت بذاك الخيال، صارت نفسه تميل إلى تلك الجهة التي منها بزغ ذاك الخير وفيه أهل المحبة، فصارت عينه تميل إلى تلك الجهة. وهذه انتقال منه -رحمه الله- إلى ما يريد الدخول به، وهذا من براعة انتقاله من مشهد إلى مشهد، فللشعر مشاهد ومنازل ينتقل بها الشاعر من مشهد إلى مشهد، وكلما كان الشاعر بليغًا استعمل براعة استهلاله في انتقاله من مشهد إلى آخر. فهذا انتقال من المشهد الثاني في ذكر المحبة إلى مشهد ثالث في ذكر مواضع من مواضع المحبة، فيها تقريب لسير السائرين ورحلتهم إلى بلاد الأفراح. وقوله: «فلي بحماها مربع ومخيم»، أي لي فيها مربع، أي بيت، وقيل: إن المربع الموضع الذي ينزل فيه في أيام الربيع، هذا كان أصله، فصار بعد ذلك كل بيت جميل عند صاحبه ولو كان عند غيره ليس بجميل لشدة حبه له يسمى مربع. فأحب بيت إليك ومربعك، حتى ولو كان هذا البيت خيمة، ما دمت تحبها أشد الحب وقلبك متعلق بها، فأنت تسميه مربع. فكأنه يقول: ولي بحماها بيت، ومن أحسن البيوت، ومنزل من أحسن المنازل، ومخيم، أي مكان نزول أنزل فيه. وهو يشير بهذا -رحمه الله- إلى أن من معاني تعليل النفس بالتلاقي وقربه وخيال النفس باللقاء بالأحبة: أنه يسليها بالنظر إلى المكان الذي كان فيه الأحبة، وأنه يزور هذا المكان، يريد في الحج والعمرة. ففي زيارته في تلك البقاع أماكن هي من أعظم المنازل والأماكن في قلبه، ويريد بذلك بيت الله -سبحانه وتعالى-. والله أعلم، ويؤيده ما سيأتي ذكره في الأبيات الآتية. فهذا البيت عنده أعظم من كل بيت، وهو كذلك، وهو مخيم له، لأنه ينزل فيه في أيام معدودات، كالنازل في المخيم في المكان أيام معدودات. وهو بهذا يخفف ذاك الشوق والوجد الذي في قلبه، إذ أنه نزل في منازل الأحبة، وهو يتسلى بهذا النزول أنه كما التقى بمكانهم في الدنيا ووصل إليه، فهو بإذن الله سيصل إلى منازلهم في الآخرة. لأن المؤلف والشاعر ليس من أهل مكة والمدينة، فهو كأنه يقول: ما دام أن الله وفقني للقاء بالمكان الذي كانوا فيه في الدنيا، فأتذكر ما كان لهم فيه، فليس ببعيد أن يجمعني الله بهم كذلك في الآخرة. قال: ثم قال -رحمه الله-: «وأذكر بيتًا قاله بعض من خل وقد ظل عنه صبره فهو مغرم». قال: قوله «وأذكر بيتًا» هذا هو عمل النفس، وهذا كذلك من معنى قوله: «وأوهمها لكنها تتوهم»، يعني وأجري عليها على النفس بعض الخيال، فهي تسترسل في التخييل. ومن ذلك أنه يذكر بيتًا قاله بعض من خل، وهذا البيت -والله أعلم- يريد به ما اشتهر في لسان العرب من ذكر مكة وميناء، مواضع النازلين والراحلين، حتى تكرر هذا البيت في ألسنة الشعراء العرب في الجاهلية وهكذا بعدهم إلى زمن المؤلف -رحمه الله-. «حلفت برب الراقصات إلى ميناء لهن إلى بيت العتيق ذميل». هذا البيت قاله بعض العرب القرحاء، وتتابعت كلمات الشعراء في ترديد هذا البيت بلفظه وبمعناه، على أن الشعراء لهم في هذا معاني مختلفة، منهم من يريد شدة الشوق إلى بلد التنسك والعبادة، حتى ولو كان شاعرًا جاهليًا، ومنهم من أراد شدة الشوق إلى أماكن الاجتماع بالأحبة. فليس مراده النسك، ولكن مراده اللقاء بمن يحب في وقت اجتماع الناس، لأن وقت الحج كان في ذاك الزمان وقت اجتماع الناس، فيلتقي فيه الأحبة، حتى ولو كان الحب بالمعاني المذمومة، حتى ذكر في بعض الشعراء العشاق أنه تلفظ بهذه الأبيات، وجعل أن شوقه إلى ميناء ليس لأجل النسك، ولكن لأجل اللقاء بحبيبته. والناس في هذا أضرب وأصناف في معاني شوقهم إلى تلك البقاع، ولكن المؤلف -رحمه الله- يريد ما تقدم ذكره. ومن ذلك قول القائل: «يا راحيين إلى ميناء» في الأبيات المشهورة. وهو من معنى ما قاله المؤلف: «وأذكر بيتًا قاله بعض من خل». ومن ذلك ما ذكر عن الربيع بن سليمان فيما يروي عن الشافعي -رحمه الله- أنه كان يقول: «يا راكب انقف المحصب من ميناء واهتف فاعد خيفها والناهض سحرا إذا فاض الحجيج إلى ميناء فيضا بملتحم الفرات الفائض» إلى آخر الأبيات التي ذكرها في الشوق إلى تلك البقاع، بقاع المناسك. فهنا كأنه يقول: «وأذكر بيتًا قاله بعض من خل وقد ضل عنه صبره فهو مغرم»، يريد أبيات الشعراء في شدة شوقهم إلى تلك البقاع، وهو شوقه إلى تلك البقاع مع ما فيه من أداء العبادة لله -سبحانه وتعالى-، معه شوق آخر باللقاء بمواضع وأماكن الأحبة، وهذا لا ينافي العبادة. قال: قوله «مغرم» يعني أنه مغرم بالحب، وكأن غريمًا لازمه، يعني في قوله: «وقد ضل عنه صبره فهو مغرم»، أي كاد صبره ينتهي بسبب شدة حبه وميله، ولكنه يذكر نفسه بتلك الأبيات التي يقولها أو قال معناها الشعراء في خلاء، فهو بهذا يسلي نفسه. قال: ثم قال -رحمه الله-: «أسائل عنكم كل غاد ورائح وأومي إلى أوطانكم وأسلم». قوله «غاد» يعني في الصباح، وقوله «رائح» يعني في المساء. وهذا البيت لغير ابن القيم -رحمه الله-، ولكنه يتذكر هذا القول الذي كان يقوله صاحبه. والظاهر -والله أعلم- ليس كذلك، فقد ذكر بعض الشراح أن ابن القيم -رحمه الله- أراد بقوله: «وأذكر بيتًا قاله بعض من خل» أنه يريد بهذا البيت «أسائل عنكم كل غاد ورائح»، وليس هذا بالصحيح، بل هذا البيت لا يعرف إلا لابن القيم -رحمه الله-، وليس هو لأحد قاله قبله، فهو بيت ابن القيم. ولكن -والله أعلم- أراد بقوله: «وأذكر بيتًا قاله بعض من خل» ما سبقت الإشارة إليه من أبيات الشعراء في من خل في جدة شوقهم للوصول إلى ميناء وما حولها، محل اجتماع الناس على ما سبقت الإشارة إليه. قال -رحمه الله- أي شيخنا في شرحه: وهذا البيت لو تصورته وتخيلته وجدت فيه شوقًا عظيمًا، لأنه لا يترك كل أحد يجيء في الصباح أو في المساء ويسأله: أين الأحبة؟ وأين تركتهم؟ إلى آخر ذلك من الأسئلة. وقوله: «وأومي إلى أوطانكم وأسلم»، أي ومع ذلك فأنا أومي إلى أوطانكم، أي أشير، أومي: معنى أشير، وأسلم. قال: كأني مجنون، وذلك من شدة الوله، ومن شدة الشوق. وعلى ما سبقت الإشارة إليه من أن البيت المشار إليه ليس هو هذا البيت، فيكون قوله: «وأسائل عنكم كل غاد ورائح» معناه: تتمة لجوابه في قوله: «وكنت إذا مشتد بي الشوق والجواء أعلل نفسي»، هذا جواب، ومن التعليل. ومن كذلك تخفيف اشتداد الشوق إذا اشتد، والجواء إذا زاد: أنه يسائل كل غاد ورائح، أنه يسائل كل غاد ورائح، فمما يخفف شدة الشوق والجواء: أنه يسائل. ولفظة «أسائل» فيه ليس سؤال مجرد، ولكنه كثرة سؤال ومحاورة، لأنه مما له فاعلان، يعني كأنه يستمر بالسؤال والمحاورة من شدة حبه وشوقه، وتسليته لما في نفسه، وتخفيفه لما اشتد به من شدة الشوق والجواء. وكل «غاد ورائح» كما فسره الشيخ -رحمه الله-. «وأومي إلى أوطانكم وأسلم» يعني بعد سؤالي أو مع سؤالي أشير إلى أوطانكم، أي أيها الأحبة، وأسلم بالسلام الحسي باللسان، والسلام المعنوي بما يكون فيه من التحية في القلب والإجلال، أي لتلك البقاع والمواضع. ومعناه: أن المؤلف -رحمه الله- وهو يعزم على الذهاب إلى ذاك المربع والمخيم، مواضع وبلاد الأحبة، فهو قبل ذلك يسأل كل غاد ورائح عن تلك البلاد وأخبارها وما فيها، من شدة حبه لبلاد الأحبة. وهذا كذلك من التسلية. قال: ثم قال -رحمه الله-: «وكم يصبر المشتاق عن من يحبه وفي قلبه نار الأسى تتضرم». قال: قوله «تتضرم» بالضاد. ومعنى البيت: أنه ما أكثر ما يصبر المشتاق على لقاء من يحبه، ويتصبر لذلك، ولكنه مع ذلك يجد النار من الحزن تتضرم في قلبه، إلى أن يصل إلى محبوبه. وختم هذا المشهد بهذا البيت، وصفًا منه -رحمه الله- لعظيم شوقه الذي في قلبه، وحبه الذي يكنه في صدره، فهو يقول: «وكم يصبر المشتاق عن من يحبه» إذ الصبر لا بد منه، «وفي قلبه نار الأسى تتضرم». ومعناه: لأن اللقاء تأخر، فهو يجد في قلبه نارًا، أي حرارة معنوية من شدة الشوق والجوى والوجد. والنار هذه قال عنها: «نار الأسى». والأسى أتى من أين؟ والمراد بالأسى: أي الحزن والوله، وهذا أتى من أين؟ أتى من شدة الشوق والجوى الذي في قلبه، لشدة رغبته بلقاء الأحبة. وقوله: «تتضرم» أي كأنها تلتهب هذه النار في القلب، أي حرارتها شديدة، حتى كأنها نار تلتهب، بسبب ماذا؟ شدة شوقه وعظيم ولهه بمن يحبهم. وهذا تأكيد منه -رحمه الله- في خاتمة هذا المشهد لعظيم ما في قلبه -رحمه الله- من حب للمحبين. وانظر إلى هذه الأبيات المليئة بهذه المعاني العظيمة التي إذا وجد معناها وأوجدها صاحبها في قلبه بصدق، حسن سيره إلى ربه -سبحانه وتعالى-، وكملت متابعته واستقامته على الصراط المستقيم، وتساقطت كل تلك التعلقات التي قد تكون في القلب، منها شيء من شهوات الدنيا وزينتها. لأن قلبه تعلق بأولئك الأحبة الذين علم عنهم خبر الصدق: أنهم قد وصلوا إلى بلاد الأفراح، فهو يريد أن يعينه الله -عز وجل- أن يسير بسيرهم، وأن ينجو كنجاتهم، فيصل إلى ما وصلوا إليه في بلاد الأفراح، من النعيم المقيم والرضوان المقيم الذي أقامه الله -عز وجل- لعباده الصالحين. وإن تعجب، تعجب كيف ألان الله -عز وجل- لهذا الإمام هذا الشعر، حتى جمع معهم تلك المعاني العاطفية، وذللها له مع تذليل تلك اللغة، وفي طياتها تلك المعاني العلمية التي فيها ما سمعتم من أصالة وإشارة إلى ما يجب أن يثبت عليه المسلم في سيره إلى ربه، وفي سائر ما يكون من تفاصيل شرع الله -عز وجل- ودينه. وبهذا القدر نقف وننتهي -إن شاء الله-، وننتقل في الدرس اللاحق -إن شاء الله- إلى المشهد الثالث من مشاهد هذه القصيدة. وإلى هنا والله تعالى أعلم.