الدرس في شرح الأصول الثلاثة 4، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
استدل المؤلف بسورة العصر على وجوب تعلم المسائل الأربع: العلم، العمل، الدعوة، والصبر. وبيّن أن هذه الآية تتطابق مع المقامات الأربع المذكورة في كلام المؤلف.
يتناول أهمية العلم وآداب طلب العلم كما ذكرها المؤلف في شرحه، مستشهداً بأقوال السلف، وأبرز أهمية نسبة الأقوال إلى قائلها والترحم على العلماء.
العلم شرط لصحة الأعمال والأقوال، وقد أكد الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى على ذلك، حيث يسبق العلم الأعمال والأقوال في نصوص الشريعة.
بعد مواجهة التحديات في طريق الإيمان، يجب على المؤمن أن يتسلح بالصبر. يسأل الله أن ينفعنا بما نعلم، ويصلي على النبي محمد وآله وصحبه.
إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فهو المهتدي ومن يضلل فلن تجد له وليا مرشدا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، فكنا يا إخواني في الله في درس أمس مع عبارة المؤلف رحمه الله تعالى في ذكر المسائل الأربع التي يجب علينا جميعا أن نتعلمها، وهي العلم، ومن ثم العمل، وبعد ذلك الدعوة، ومع هذا كله يبقى الصبر على هذه الأمور الثلاث، وهي أمور متلازمة، وبينا معاني هذه المسائل الأربع. ثم قال المؤلف رحمه الله تعالى: والدليل، أي ما الدليل على وجوب تعلم هذه المسائل الأربع؟ وما الدليل من الشرع الذي يدل على أهميتها وعلى وجوب الاعتناء بها؟ قال المؤلف رحمه الله تعالى: والدليل قوله تعالى: ﴿بسم الله الرحمن الرحيم والعصر إن الإنسان لفي خسر إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر﴾. ذكر المؤلف رحمه الله تعالى هذه الآية استدلالا بها على هذه المقامات الأربع. وهي الصورة العصر، بدأها بالبسملة، والسر في ذكر البسملة؛ لأنه هاهنا قد ذكر الصورة بتمامها، وقد ذكر الصورة بكمالها، فكان الأولى أن يذكر البسملة. وحكم البسملة في بداية السور أنها مستحبة. قال: ﴿بسم الله الرحمن الرحيم والعصر﴾، والعصر هو الدهر، وهو مطلق الزمن، وهو أشرف شيء يعطاه الإنسان، أشرف ما يعطاه الإنسان في هذه الدنيا وفي هذه الحياة هذا الوقت؛ لأنه محل الأرباح ومحل إيقاع الأعمال. فأقسم ربنا جل وعلى بالعصر، وربنا جل في علاء يقسم بما شاء وكيف شاء جل في علاء. قال: ﴿والعصر إن الإنسان لفي خسر﴾، والإنسان هنا الجنسية، أي جنس الإنسان، الناس كلهم في خسارة. ﴿إن الإنسان لفي خسر﴾، وهذه الجملة هي جواب القسم، وهي قد أُكِّدت بمؤكدات. هذه الجملة: ﴿إن الإنسان لفي خسر﴾ أي في خسارة، هذه العبارة وهذه الجملة قد أكدت بعدة مؤكدات. المؤكد الأول القسم، والثاني "إن" المؤكدة، والثالث باللام المسماة باللام المزحلقة. فهذه الأشياء الثلاثة هي التي أكدت هذه الجملة. وقال -يقول- العلماء من أهل التفسير: إن هذه المؤكدات إنما يؤتى بها إذا كان المخاطب منكر، أو أنه ينزل منزلة المنكر. وهذا الذي كان معهودا عند كفار قريش أنهم كانوا يظنون أنهم بعد البعث -وهذا في حق من يؤمن منهم بالبعث- أنه لا خسارة، وأن لهم النجاح في هذه الدنيا وبعد الممات. فأراد ربنا جل وعلا أن يرد على هذه المزاعم بهذه المؤكدات: ﴿إن الإنسان لفي خسر﴾. ﴿إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر﴾، فالجنس البشري -إخواني في الله- هو عرض للخسارة إلا من سلمه الله جل وعلا. وهذا في حق من التزم بالصفات الأربع المذكورة في هذه الآية، من اتصف بها، من كان من أهلها وأصحابها، فله البشارة في الدنيا والآخرة، وسلم من الخسارة. قال سبحانه وتعالى: ﴿إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات﴾، إلا الذين آمنوا، قال علماء الإيمان: يشمل كل ما يقرب إلى الله من اعتقاد صحيح أو علم نافع. الإيمان هنا: ﴿إلا الذين آمنوا﴾ يشمل ويتضمن كل ما يقرب إلى الله من اعتقاد صحيح أو علم نافع. ﴿إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات﴾. وقال علماء العمل الصالح: هو كل ما يتقرب به العبد إلى الله جل وعلا من قول أو فعل أو سلوك، فهذا هو العمل الصالح. ﴿وتواصوا بالحق﴾، أي تواصوا على فعل الخير. ﴿وتواصوا بالصبر﴾. مر معنا أن الصبر هو حبس النفس. فلو تلاحظون -إخواني في الله- أن هذه الآية استدل بها المؤلف رحمه الله تعالى تحقيقا للمقامات الأربع، وهي تتطابق حق المطابقة. فهنا المؤلف رحمه الله تعالى في المسائل الأربع ذكر العلم، ثم ذكر العمل، ثم ذكر الدعوة، ثم ذكر الصبر. وأراد أن يدلل على هذه المعطيات الأربعة، استدل بها على بسورة العصر. وتلاحظون التطابق واضح. فالعمل أو العلم يدخل في قوله تعالى: ﴿إلا الذين آمنوا﴾؛ لأن الإيمان يدخل فيه الاعتقاد والعلم. وأما قول مؤلف رحمه الله تعالى: "والعمل به" يدخل في قوله تعالى: ﴿وعملوا الصالحات﴾. وقول مؤلف رحمه الله تعالى: "والدعوة إليه" يدخل هذا في قوله تعالى: ﴿وتواصوا بالحق﴾. وقول مؤلف رحمه الله تعالى: "والصبر على الأذى فيه" يدخل في قوله تعالى: ﴿وتواصوا بالصبر﴾. فاستدل المؤلف رحمه الله تعالى في محله في هذه الآية، فيه بيان على ضرورة الأمور الأربع، وأن من أراد النجاح ومن أراد السلامة من الخسارة، فعليه أن يتواصى بهذه الأمور. ثم قال مؤلف رحمه الله تعالى: قال الشافعي رحمه الله تعالى: "لما أنزل الله حجة على خلقه إلا هذه السورة لكفتهم"، أي لعظم هذه السورة وما تضمنته في هذا الباب. يقول ابن القيم رحمه الله تعالى -قال-: وهذاك في "مفتاح دار السعادة"، وهو تكلم عن الجهاد، جهاد النفس، وبيّن أن جهاد النفس يكون على أربعة مراتب، وذكر هذه المراتب: العلم والعمل والدعاء والصبر. بعدها قال ابن القيم رحمه الله تعالى: "فإذا استكمل هذه المراتب -أي العبد- فإذا استكمل هذه المراتب صار من الربانيين". فإن السلف مجمعون على أن العالم لا يستحق أن يسمى ربانيا حتى يعرف الحق ويعمل به ويعلمه. قال: "فمن علم وعمل وعلم، فذلك يدعى عظيما في ملكوت السماء". فمنازل -إخواني في الله- ولا يكون العبد ربانيا إلا باستكمال هذه المراتب الأربع: العلم، العمل بالعلم، الدعوة بالعلم، وهكذا الصبر على الأذى فيه. فقال: "فمن استكمل"، قال: "فمن علم وعمل وعلم صار عظيما في ملكوت السماء". هكذا قال رحمه الله تعالى. قال: وقال الشافعي رحمه الله تعالى: "لو ما أنزل الله حجة على خلقهم إلا هذه السورة لكفتهم". وذا كما قلنا لعظم هذه السورة وما حوته من معاني. وقول الشيخ محمد عبد الوهاب رحمه الله تعالى في قوله: "قال الشافعي رحمه الله" نستفيد -إخواني في الله- فائدتين اثنتين. أولاهما ما ينبغي للطالب والعالم، وهو أنك تنسب العبارات إلى قائلها. تنسب العبارات إلى قائلها، حتى يقول بعض العلماء: "إن هذا من بركة العلم" من بركة العلم أنك تنسب العبارة إلى قائلها. فأنت في عباراتك، في خطبك، في كلامك، في تأليفك، في تصانيفك -خاصة- قد تستدل بأقوال لبعض العلماء. فمن المستحسن -يا عبد الله- إذا ذكرت عبارة لبعض العلماء وأنت تعرف من القائل، فإن استطعت أن تذكره فاذكره، كما فعل المؤلف رحمه الله تعالى: "قال وقال الشافعي" ذكره. وهذا كما قلنا من بركة العلم. ولا زال العلماء قديما وحديثا على هذا المنوال، أنهم إذا ذكروا عبارات السلف فإنهم يذكرونها، وبعضهم قد لا يذكر؛ وذلك طلبا للاختصار، أو أن العبارة مشتهرة شهيرة لا داعي لذكر قائلها. فذاك لهم مسوغات، لكن الأصل والأفضل -يا عبد الله- ومن بركة العلم أنك تنسب العبارات إلى قائلها وإلى أصحابها الذين تلفظوا بها. والأدب الثاني يستفاد من صنيع المؤلف رحمه الله تعالى الترحم. قال المؤلف هنا: "وقال الشافعي رحمه الله تعالى". وهذا كذلك من أدب الطالب مع معلمه، وأدب السلف مع علمائهم، أنهم إذا ذكروا من كان قبلهم ترحموا عليهم. حتى من العبارات المعروفة أن بعض العلماء كان يقول لطلابه: "قال: ما ينبغي أن تذكرونا ولا تترحموا علينا". ما ينبغي -يعني- العالم قد بذل الجهد المضني في تحصيل العلم، وفي الصبر عليه، ثم في بثه، وفي تعليمه، والحرص على نشره بين الناس، وبعد ذلك يذكرون بلا ترحم ولا استغفار. فهل جزاء الإحسان إلا الإحسان؟ ومن هنا كذلك دأب السلف -رحمه الله تعالى- إذا ذكر بعضهم بعضا، أنهم يترحمون على بعضهم، يترحمون على بعض، وخاصة من مضى منهم. فإذا قلت: "قال إمام أحمد رحمه الله، قال الشافعي رحمه الله، قال فلان رحمه الله" تترحم عليهم. وهذا من آداب سلفنا مع علمائهم. فقال مؤلف رحمه الله تعالى: "قال الشافعي رحمه الله". إذن فيه فائدتين: فضل نسبة الأقوال إلى قائليها، وأيضا الترحم على علمائنا. قال: "لما أنزل الله حجة على خلقه إلا هذه السورة لكفتهم". وهذه العبارة منقول عن الشافعي، جاءت بعبارات أخرى. جاءت بعبارات أخرى، فمثال ذلك: ابن القيم رحمه الله تعالى ذكر هذه العبارة عن الشافعي في "مفتاح دار السعادة"، لكن بصيغة مقاربة. بصيغة مقاربة لهذه الصيغة، حيث قال رحمه الله تعالى: "قال الشافعي" هكذا وردها ابن القيم، قال: "لو فكر الناس لو فكر الناس كلهم في هذه السورة لكفتهم" بلفظ "لو فكر". وابن كثير رحمه الله تعالى كذلك ذكر هذا الأثر عن الشافعي رحمه الله تعالى بلفظ مقارب، حيث قال ابن كثير رحمه الله تعالى في تفسيره: "قال وقال الشافعي رحمه الله تعالى: لو تدبر الناس لو تدبر الناس هذه السورة لكفتهم". وفي لفظة "لو سعتهم". فلا إشكال ولا إشاحة. فقولهم: "حجة على خلقه" أو "تدبر الناس" أو "تفكر الناس" كل ذلك بمعنى واحد. وقال: وقال البخاري رحمه الله تعالى: "باب العلم قبل القول والعمل، والدليل قوله تعالى: ﴿فاعلم أنه لا إله إلا الله واستغفر لذنبك﴾ فبدأ بالعلم قبل القول والعمل". المؤلف رحمه الله تعالى لا زال يدلل على أهمية هذه المسائل الأربع، وخاصة الثلاثة الأولى: وهي العلم، ثم العمل، ثم الدعوة، ثم الصبر عليه. ذكر ما يتعلق بصورة العصر، ثم عرج على ذلك بعبارة البخاري رحمه الله تعالى. والمؤلف لا زال على ما كان عليه ينسب العبارة إلى قائلها مع الترحم عليهم. وقال البخاري رحمه الله: ثم قال: "باب العلم قبل القول والعمل، والدليل قوله تعالى: ﴿فاعلم أنه لا إله إلا الله واستغفر لذنبك﴾ فبدأ بالعلم قبل القول والعمل". مع أن في البخاري في صحيح البخاري في "باب العلم" نعم أورد البخاري هذه العبارة، قال: ﴿فاعلم أنه لا إله إلا الله﴾ إلا أنه قال: "فبدأ بالعلم". هذا السياق البخاري في صحيحه أشعر -إخواني في الله- أن في هذه العبارة من البخاري رحمه الله تعالى بيانا إلى فضل العلم وإلى فضل العمل، وأنه لا بد أن هذا يحتاج إلى ذاك، وأن أهمية العلم بمكان. والعلم -إخواني في الله- شرط في صحة الأعمال والأقوال، كما ذكر ذلك الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى تعليقا على أثر البخاري: "العلم شرط -يا عبد الله- في صحة الأعمال وفي صحة الأقوال". فلا يقوم دين المرء إلا بالعلم. ومن تأمل في نصوص الشريعة الخاصة والعامة يرى أن العلم يسبق الأعمال والأقوال. ففي باب العقيدة قال ربنا جل وعلا: ﴿فاعلم أنه لا إله إلا الله﴾ قبل أن تنطق بهذه الكلمة. وللأسف كم عمل جهل بهذه الكلمة الكثير من الناس، من يتلفظ بلا إله إلا الله، لكن إن سئل عن معناها وإن سئل عن مضمونها لربما ما حار جوابا، ما يعرف. إذا قلت له: يا عبد الله ما معنى لا إله إلا الله؟ يقول: لا إله إلا الله، لا إله إلا الله، الله موجود، الله ربنا. فلا يحير جوابا عن معنى هذه الكلمة. فكان -أخوانا فينا- لزاما علينا العناية بالعلم، العناية بالعلم في كل شيء، في كل ما تأتي وما تذر، في باب الأعمال، في باب الأخلاق، في باب الأقوال، في باب الطاعات، في باب كل شيء. وقد مر معنا عبارة عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى، وقال: "من عبد الله بغير علم أفسد أكثر مما يصل، فلا بد من العلم، من أراد أن يكون داعية. لا بد له من العلم: ﴿هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة﴾، وخاصة ومن أهمية العلم -أخوانا في الله- في حق من تنصب للناس، من جعل له الكلام الذي له أتباع. فهذا ينبغي ويجب في حقه، بل يعتبر من فرض الأعيان أن يتعلم ويزداد فقهاً وعلماً إذا كان له أتباع، وله آراء، وله أقوال، وله جماعات، وله أصحاب، وله طلاب. فهو حقيق بهم أن يتعلموا العلم. فإن ضلال الناس وما ضل من ضل من مجتمعات المسلمين إلا لما تأسى من أمثال هؤلاء على جهل. فتحت المنابر، ووضعت الكراسي، ونصبت المناصب لأمثال هؤلاء من أجهل الناس بدين الله. فعم البلاء. كما ثبت في الصحيحين، قال عليه الصلاة والسلام: "إن الله لا يقبض العلم انتزاعا ينتزعه من صدور الناس، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء. حتى إذا لم يبق عالما -أو لم يبق عالم- اتخذ الناس رؤوسا جهالا، فسئلوا فأفتوا بغير علم، فضلوا وأضلوا". ما جاء الضلال على مجتمعات المسلمين؟ وما نرى في هذه الأزمان خاصة من كثرة الفتن والمحن والبلاء والإحن؟ التي قامت بين الراعي والرعية، وبين الرعية بينهم فيما بينهم، على مستوى الدول، على مستوى القبائل، على مستوى العشائر، على مستوى المناطق والقرى والأرياف. العداوة دبت بين البيت الواحد والأسرة الواحدة. كل ذلك ما دب إلا عندما عمل جهل بين الناس. عمل جهل بين الناس، فجاءت الفتن، وجاءت كذلك سفك الدماء، وجاءت كذلك انتهاك الحرمات. كل ذلك لما نراه يقوم من يقوم فيأخذ جماعة من الناس، ثم يخوض بهم في غمار المهالك، ويرى أنه قد أحسن صنعا. وما درى هذا المسكين أنه قد ماذا؟ قد أصبح من أرض الناس علما وعملا. فـ-إخواني في الله- من أراد أن يتصدر للناس -سواء كان علما أو إفتاء أو قضاء أو دعوة أو سيرا على خط من خطوط الدعوية- عليه أولا أن يتمرس بالعلم. وانظر في قوة ربنا جل وعلا في أمر طالوت: ﴿إن الله زاد بسطة في العلم والجسم﴾. قائد عظيم، بماذا احتل القيادة؟ بأمرين اثنين: قوة في الجسم، صبر وجلد وجلادة ومصابرة أو مثابرة على القتال، والصبر على رفع راية الإسلام. ومع ذلك قوة في العلم، قوة في البصيرة، يعلم الأحكام الشرعية، يعلم المصالح والمفاسد. فبوجود هاتين القوتين ماذا تكون السيادة والريادة؟ أما إذا اختل أحدهما: قوة بشرية، جماهير غفيرة بلا علم، فإن سرعان ما تضمحل، أو يأتي من ورائها سفك الدماء وحمامات الدماء كما نرى في هذه الأزمان. فـ-إخواني في الله- العناية بالعلم، فالعلم كما قال العلماء: هو شرط في صحة الأقوال والأعمال. فهذا -بهذا- إخواني في الله انتهينا من المقدمة الأولى التي أرادها المؤلف رحمه الله تعالى، وهي الاهتمام والانتباه للمسائل الأربع، وأن الإنسان لا بد إذا أراد النجاح أن يكون متصفا بهذه الأمور الأربع. ورحمة الله على شيخ الإسلام -رحمه الله تعالى- عندما تكلم على هذه الآية: سورة العصر، ذكر ما ذكره غيره من العلماء. فقال رحمه الله تعالى: "فإن الله أخبر أن جميع الناس خاسرون إلا من كان في نفسه مؤمنا صالحا، ومع غيره موصيا بالحق وموصيا بالصبر". فعلم -عباد الله- إذا أردنا النجاح والسلامة من الخسارة أن نكون من أهل العلم، أي كل بعلمه، وذلك بالتبصر بدين الله جل وعلا، ونتعلم من دين الله ما ينفعنا في ديننا ودنيانا وأخرانا. وبعد العلم -إخواني في الأن- نقبل على العمل الصالح، وأن نطبق ونمتثل بما علمناه في أرض واقعنا وفي أنفسنا. ومن ثم ننطلق للناس داعين، كل يجعل على قدر طاقته، وعلى قدر قوته الجسدية والحسية والمعنوية، يجعل يكون داعيا إلى الله جل وعلا. وبعد ذلك -يا عبد الله- ستجد أن هناك من يتكالب عليك، ومن يعرقل عليك المسير، فعليك -يا عبد الله- بالتسلح بالصبر. فاسأل مولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. والله تعالى أعلم.