شرح الأصول الثلاثة 2

شرح الأصول الثلاثة 2

الدرس في شرح الأصول الثلاثة 2، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

مقدمة في البسملة ومعانيها

يشرح الدرس البسملة وأدلتها ومعانيها، ويبين حكم البدء بها في التصانيف واستحبابه. يشمل ذلك شرح معاني الباء في بسم الله ومعنى اسم الله واشتقاقه.

طرق الاستفتاح في الكتابات والخطب

يتناول المقطع طرق الاستفتاح في الكتب والرسائل والخطب، ويبين جواز البدء ببسم الله الرحمن الرحيم أو بالحمد، ويشير إلى آراء العلماء حول مناسبة كل منهما.

أهمية الرحمة في العلم والدعوة إلى الله

يؤكد الشيخ على أهمية الرحمة في طلب العلم وإلقائه، ويستدل بآيات القرآن وأحاديث النبي، ويبين ضرورة الرحمة في الدعوة وضرورة البدء بالنفس عند الدعاء للغير.

ختام بالدعاء والصلاة على النبي

يتضمن المقطع دعاء بأن ينفع الله بما قيل، ويذكر الصلاة على النبي وآله وصحبه، ويعترف بقدرة الله وولايته على كل شيء.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فهو المهتد، ومن يضلل فلن تجد له وليًا مرشدًا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. وأما بعد، في درس أمس، إخواني في الله، كانت المذاكرة حول أصل الرسالة الموسومة بثلاثة أصول للإمام المجدد الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى، وتعرفنا في تلك المقدمة ما يتعلق بمضمون الرسالة، ومن ثم ما يتعلق باسم الرسالة، وهكذا أهميتها عند العلماء. قال المؤلف رحمه الله تعالى: بسم الله الرحمن الرحيم اعلم رحمك الله أنه يجب علينا تعلم أربع مسائل. بدأ المؤلف رحمه الله تعالى هذه الرسالة المباركة بالبسملة، فقال: بسم الله الرحمن الرحيم. ومباحث البسملة، إخواني في الله، قد مرت معنا تكرارًا ومرارًا، ولا بأس بالمذاكرة والمراجعة. ما حكم، إخواني في الله، البدء بالبسملة عند التصانيف؟ مستحبة. والدليل على ذلك، العلماء استدلوا على الاستحباب بأمور؛ لأن الاستحباب حكم شرعي يفتقر إلى الأدلة. فما هي الأدلة التي تدل على جواز أو استحباب البسملة عند التصانيف؟ تأسيًا بكتاب الله جل وعلا، واقتداءً بما جاء في بداية السور، فالقرآن قد بدئت سوره ببسم الله الرحمن الرحيم. وكذلك ما يتعلق بالسنن الأنبياء والرسل، فقد كان الأنبياء منذ القدم إذا بدأوا الكتاب لرسائلهم ولكتبهم كانوا يبدأونها ببسم الله الرحمن الرحيم، كما في قول تعالى: ﴿وَإِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾. وأيضًا ما ثبت عن سنة نبينا عليه الصلاة والسلام أنه كان يفتتح الرسائل والكتب إلى الملوك والأمراء ببسم الله الرحمن الرحيم، كما في رسالته إلى هرقل، وكما ثبت في الصحيح في صلح الحديبية عندما كتب نبينا تلك الصحيفة بدأها ببسم الله الرحمن الرحيم. وعلى هذا جار عمل الأئمة، والإجماع مدعى في هذا الباب، كما قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى: "قال ولقد استقر عمل الأئمة المصنفين على افتتاح كتبهم بالبسملة". هذا ما يتعلق بحكم البسملة. أما ما يتعلق بمضمون البسملة، فالمسائل فيها كثيرة. قلنا، إخواني في الله، بسم الله الرحمن الرحيم، الباء حرف جر، وهنا يأتي لمعاني. ما هي المعاني المرادة من الباء هنا في بسم الله؟ المشهور أن المعنى الذي دائمًا يذكر التبرك، يذكر به التبرك، أي أنك تبتدئ بسم الله جل وعلا تبركًا بسم الجلالة. ونعمة البدء هي من الله، أنك تبدأ الأعمال وتشرع في الأفعال تبركًا بسم الله جل وعلا. فإذا أردت أن تأكل تقول بسم الله متبركًا بالله جل وعلا، إذا أردت أن تشرب، إذا أردت أن تمشي، إذا أردت أن تخرج، إذا أردت أن تركب، اركبوا فيها بسم الله مجريها ومرساها. وللدليل كثير جدًا يدل على أن المسلم بحاجة إلى بركة الله في أفعاله وفي أعماله وفي كل ما يأتي ويذر، فالباء هنا لمعنى البركة. وهذا الذي يذكره كذلك العلماء كثيرًا في كتبهم في شروحاتهم، أن الباء للبركة. لكن هناك معنى آخر يخفى، بل لا يقول أخفى، بل يتعمد أهل البدع في إخفائه. ما هو المعنى الثاني؟ المصاحبة، بمعنى البركة الآخر الاستعانة، بمعنى الاستعانة. فيقول أهل السنة أن الباء هنا في قولك بسم الله، أي أستعين بسم الله، تستعين بالله جل وعلا. وهذا كما قلنا الذي عليه أهل السنة والجماعة من المحققين، وإلا فإن أهل البدع يتعمدون في إخفاء هذا المعنى؛ لأنه فيه رد على القدرية، وفيه رد كذلك على الجبرية. وقد ذكرنا ذلك في دروس ماضية. كذلك ما يتعلق ببسم الله الرحمن الرحيم، هنا الباء مع اسم الله جار ومجرور، والجار والمجرور لا بد له من تعلق. فتأتي أول مسائل الجار والمجرور بسم الله، يتعلق باسم أم بفعل؟ الصحيح والأفضل والتحقيق بفعل. لماذا بفعل؟ لعدة معاني، وأهمها أن نعلم أن الفعل ماذا فيه؟ الاستمرار والتجدد. إذن بسم الله تتعلق بفعل لا باسم. ثم بسم الله تتعلق بفعل مقدم أم مؤخر؟ الصحيح أنه بفعل مؤخر. لماذا مؤخر؟ حتى يبتدئ المتكلم الابتداء بسم الله، ويجعل الفعل مؤخرًا، لا يجعل شيء تقدم على اسم الله. فالصحيح أنك تقدر هذا الفعل مؤخرًا لا مقدما للبدء بسم الله جل وعلا. هذا الفعل المؤخر يقدر فعلًا عامًا أم فعلًا خاصًا؟ فعلًا خاصًا. يعني ما معنى فعل عام؟ يعني كونك تقرأ الكتاب تقول بسم الله تبدأ، ما الذي تريد بسم الله؟ قد تريد فعلًا عامًا تقول بسم الله ابتدائي، وهذا يسمى تقدير عام. بسم الله ابتدائي، وهناك تقدير خاص تقول بسم الله أقرأ، فالأولى أن تقدر خاصًا؛ لأنه أدل بالمقصود. طبعًا هذه مباحث، لكن هذه مراجعة مع إخواننا في هذا الباب. بسم الله الرحمن الرحيم، لفظ الجلالة هو اسم الأعظم لله سبحانه وتعالى. وهل هو مشتق أم جامد؟ الصحيح أنه مشتق، كما قال بذلك جماعة من أهل اللغة ومن أهل العلم. فلفظ الجلالة الله مشتق، مشتق من ماذا؟ مشتق من الإله. طبعًا أصبحت نوع من أنواع التعديل من اشتقاق الكلمة، الإله حذفت الهمزة فأصبح عندنا لام ولام، فأضغمت إضغام المتماثلين، ومع الإضغام احتاج إلى التفخيم فصارت الله. الله مشتق من الإله كيف ذاك؟ حذفت الهمزة وأدمجت اللام مع اللام فأصبح عندي إضغام، وبعد ذلك أعطيت لها صفة التفخيم تعظيمًا لفظ الجلالة، فقيل لا يقال الله، يقال الله، تعظيمًا لفظ الجلالة. فهنا نعلم، وهذا الذي رجحه العلماء المحققون من أهل العلم، على أن الله مشتق من الإله، والإله على وزن فعال، وفعال يأتي بمعنى مفعول. أشهد إخواني في الله هذه مسائل سريعة، وطبعًا هناك الرحمن الرحيم وغير مسائل، لكن هذه مراجعة. ودائمًا تأتي في الرسائل ما يتعلق بمباحث البسملة بسم الله الرحمن الرحيم. فائدة أخرى تضاف إخواني في الله إلى هذه الفوائد، أن نعلم أن افتتاح الكتب والرسائل والخطب والمقالات ليست فقط في بسم الله الرحمن الرحيم، بل بسم الله الرحمن الرحيم تعتبر نوع من أنواع الاستفتاح. وعندك كذلك الحمد، الحمد كذلك يعتبر نوع من أنواع الافتتاح. إذا أردت أن تستفتح فعلًا أو أن تستفتح مقالة أو خطبة، فلك أن تستفتحها بالحمد، وثبت ذلك في صحيح مسلم من حديث جابر، نبينا عليه الصلاة والسلام خطب فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله، فلم يأت بالبسملة وإنما أتى بالحمد. إذن عندي بسملة يستفتح بها، وعندي كذلك الحمد، وما يسميها العلماء بالحمدلة يستفتح بها. هذا جائز، وهذا جائز، والكل جائز. وبعض العلماء يفصل في هذا المقام ويرى أن البسملة حقها أن تكون في الرسائل والكتب والتصانيف، وأن الحمد يكون حقها واستفتاحها في الخطب وهكذا في الخطب والمقالات الكلامية. ومن هنا أراد من رد كالحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى عندما دافع عن البخاري، البخاري رحمه الله تعالى عندما استفتح صحيحه فتحه ببسم الله الرحمن الرحيم، فقام من أنكر على البخاري وقال أين الحمد؟ أين الحمد له؟ وقد ثبت عن نبينا عليه الصلاة والسلام أن كل خطبة ليس فيها تشهد فهي كاليد الجذماء. فدافع الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى وبين أن الصواب أن الكل جائز. الشاهد أنك تبدأ بذكر الله سواء كان ببسملة أو كان بالحمد، هذا جائز، وهذا جائز. ثم بعد ذلك أتى بخلاصة أو أتى بترجيح. طيب وبدأ فيه وقال إن البسملة يعني بالنظر في استقراء السنة إنما تذكر في المقالات وفي الرسائل. ثم ذكر الحافظ رحمه الله تعالى ما كان من فعل نبينا في رسائله وفي كتبه أنه كان يبدأها ببسم الله الرحمن الرحيم، قال إنه وكذلك نبينا في الخطب كان يبدأ بالحمد. فدل ذلك على الأمر في ذلك واسع، فلك أن تبدأ بالبسملة أو أنك تبدأ بالحمد، وكل ذلك ثبت عن نبينا عليه الصلاة والسلام. المهم أنك تبدأ بذكر الله جل وعلا، بل حتى من العلماء من يرى أنك تستفتح بأي آية، ليس شرق بالبسملة وليس شرق بالحمد، بل بأي آية. كما ثبت ذلك في حديث جرير بن عبدالله البجلي في صحيح مسلم، عندما جاء قوم مضر يعلوهم الفقر وقد اشتبكوا بالنمار وشكوا لنبينا الفاقة والحاجة، ماذا فعل نبينا؟ صعد المنبر وقال: «يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها» إلى آخر الآيات، ما ذكر بسملة وما ذكر حمدًا. ثم قال: «تصدق رجل بديناره، تصدق رجل بدرهمه، تصدق رجل ببره، تصدق رجل بصاع شعيره» إلى آخر الحديث. فسدد بعض العلماء؛ لأن الشاهد والحاصر في هذا الباب أنك تبتدئ بماذا؟ بأي ذكر لله سبحانه وتعالى. لكن مراعاة هذا الأمر طيب، فكما أراد أن يؤلف رسالة فليبدأ ببسم الله الرحمن الرحيم، على هذا استقرار عمل الأئمة المصنفين. وإذا كنت يا عبد الله في مقالة وفي كلام وفي خطبة، فحاول أنك تحرص على الحمد لله جل وعلا وعلى أن تأتي بالشهادتين. قال رحمه الله تعالى: بسم الله الرحمن الرحيم اعلم رحمك الله أنه يجب علينا تعلم أربع مسائل. بدأ المؤلف رحمه الله تعالى هذه الرسالة بقوله اعلم. وقد ذكرنا أن المؤلف جعل المقدمة على ثلاث مقدمات تمهيدية، بدأ كل مقدمة بقوله اعلم. فهذه المقدمة الأولى، وإعلم يقول: علما أنها يؤتى بها في الأشياء المهمة. وهذا الذي عليه نص القرآن، تجد في كتاب الله جل وعلا أن الله سبحانه وتعالى إذا ذكر الأمر المهم قال: «اعلموا أن الله يحيي الأرض بعد موتها». تجد أن اعلموا يأتي بها للتنبيه على أمر عظيم يأتي بعده. والمؤلف رحمه الله تعالى حذى هذا الحذو، فإذا أراد أن يأتي بالمقدمة المهمة بدأها وشرعها بقوله اعلم. فقال: اعلم رحمك الله. والعلم هو الاعتقاد الجازم المطابق للواقع، الاعتقاد الجازم المطابق للواقع. وهذا الذي عرفه الجرجاني رحمه الله تعالى في كتابه التعريفات. ومنه من قال: هو إدراك الشيء على ما هو عليه إدراكًا جازمًا. فكونك تعرف حقيقة الشيء هو العلم، تعرف حقيقة الشيء على ما هو عليه هذا هو العلم. أما إن كان دون ذلك فهذا ليس علم؛ لأن الإدراك صعد الإدراك عبارة عن مراتب، أعلاها هو العلم. وبعدك يأتيك الظن ويأتي الوهم ويأتي الشك وغير ذلك من المراتب، لكن كونك تدرك الشيء على حقيقته فهذا هو العلم. فأراد المؤلف رحمه الله تعالى أن هذه المسألة التي سيذكرها الآن حاول أنك ماذا؟ تكون على يقين بها وعلى معرفة تامة بها. فقال رحمه الله تعالى: اعلم رحمك الله. وقوله رحمك الله هذه جملة استئنافية دعائية، يدعو المؤلف رحمه الله تعالى لك بالرحمة. وقال العلماء: يستفاد من هذه الجملة الخبرية في اللفظ والإنشائية في المعنى، أنا يدعو لك بالرحمة، يعني رحمك الله. يستفاد قال العلماء: يستفاد من ذلك أولًا حسن سريرة المؤلف رحمه الله تعالى، شيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى، من أحسن الناس في هذا الباب، ما تخلو عبارات هذه الرسالة وغير من الرسائل إلا من مثل هذه الأدعية المباركة: اعلم رحمك الله، أرشدك الله، وفقك الله، هداك الله، وهكذا. إخواني في الله يدل ذلك على حسن سريرة المؤلف رحمه الله تعالى بالأمة. وهذا رد من مئات الردود على ما يدعيه أهل البدع والأهواء من أن هذا الرجل ظالم وأنه على جرم عظيم وأنه سفاك للدماء حاشاه، فما كان كذلك، بل كان من أرحم الناس بأصحابه وبأمة المسلمين. ويكفيك هذه الرسائل التي ماذا تظهر لك؟ تظهر لك حسن سريرة المؤلف رحمه الله تعالى. وأيضًا في هذه الرسالة فائدة عظيمة، أن العلم بحاجة إلى الرحمة، العلم بحاجة إلى الرحمة. اعلم رحمك الله، فلا يقوم العلم إلا بالرحمة، ولا بد إخواني في الله. فمن أراد أن يتلقى العلم فهو يحتاج إلى الرحمة عند التلقي، ومن أراد أن يلقي العلم يحتاج كذلك إلى رحمة في إلقائه على طلابه وعلى من يحرص عليه. فالعلم لا بد أن يكون محفوظًا بالرحمة، وإن ذهبت الرحمة فلا بركة للعلم، فلا بركة للعلم. قال ربنا جل وعلا: ﴿وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾، في حق من؟ في حق نبينا عليه الصلاة والسلام، الذي قد حُفظ في صدره علم الوحي، علم الوحي. ومع ذلك يقول ربنا جل وعلا في حق نبينا الذي أوتي هذا العلم: أهمية الرحمة. ولو كنت فضًا غليظ القلب لانفض من حولك، ما ينتفع الناس لا بعلمك يا عبد الله وأنت على هذه الشاكلة من الغضب والحنق والشدة وشدة المراس على الناس، لا يا عبد الله. إنما ينبغي أن يكون من أراد أن يتلقى علمًا أو يلقي علمًا يحتاج إلى رحمة. ويذكر العلماء على أن العلماء الأوائل كانوا إذا أراد الطالب أن يطلب العلم عندهم وأراد الإجازة، كانوا أول ما يجيزون له من الأحاديث حديث: «الراحمون يرحمهم الرحمن»، أول حديث حتى كان يسمى هذا الحديث بالحديث المسلسل بالأولوية. فتجد أن الشيخ إذا أراد أن يجيز طالبه يذكر له أول حديث أخذوه عن شيخه هذا الحديث: «الراحمون يرحمهم الرحمن». وهكذا كل شيخ ينسب لشيخه أن أول حديث تلقاه إجازة هذا الحديث. ما السر؟ ما السر في أن العلماء الأوائل كانوا يتكالبون على هذا الحديث ويتواصلون به ويجعلون من أول أحاديث إجازة يصل إلى طالب العلم لماذا؟ حتى يعلم هذا الطالب أن العلم برمته يحتاج إلى رحمة، يحتاج إلى رحمة. فقال رحمه الله تعالى: اعلم رحمك الله. ومن ثم إذا كان العلم يحتاج إلى رحمة، إذن فالداعية أيضًا يحتاج إلى رحمة. فينبغي إخواني في الله أن يكون علمنا وتكون كذلك دعوتنا مصاحبة بالرحمة. قال ربنا جل وعلا في حق نبينا عليه الصلاة والسلام: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾. قال رحمه الله تعالى: اعلم رحمك الله أنه يجب علينا تعلم أربع مسائل. وفائدة أخيرة إخواني في الله هنا في باب الدعاء، ما يتعلق بصيغة الدعاء هنا. قال: اعلم رحمك الله. يقول علماء: أن الدعاء سواء كان لنفسك أو لغيرك على أربع صور، على أربع صور. إما أنك تدعو لنفسك فهذا ليس فيه شيء، وتستخدم ضمير الملكية، ضمير المتكلم، تقول: اللهم اغفر لي، اللهم ارحمني، اللهم وفقني، تدعو لنفسك بضمير المخاطب أو ضمير المتكلم. الصورة الثانية أنك تدعو لغيرك من غير دعاء لنفسك، فلك أن تدعو للغير: اللهم اغفر لوالدي، اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات، تدعو لغيرهم وبضمير الغيبة، وضمير المخاطب إن كان حاضرًا. الصورة الثالثة أنك تدعو لنفسك ولغيرك لكن بضمير الجمع، بضمير الجمع، فهذا لا شيء فيه، نقول: اللهم اغفر لنا، وتريد بذلك أنت ومن كان حولك: اللهم ارحمنا، اللهم وفقنا، فهذا ليس فيه شيء. الصورة الرابعة من الدعاء أنك تدعو لنفسك وتدعو لغيرك مع الفصل، مع الفصل، أي أنك لا تجمع، تريد أن تفصل، تريد أن تدعو لنفسك وتدعو لغيرك في آن واحد، فهنا السنة الذي جاءت بها القرآن والسنة النبوية أنك إذا أردت أن تدعو لنفسك ولغيرك، فعليك أولًا أن تبدأ بنفسك ثم تبدأ بغيرك. اللهم اغفر لي ولوالدي، اللهم اغفر لي وللمسلمين والمسلمات، وهذا تدعو تبدأ بنفسك ولغيرك. ومن الخطأ أنك تبدأ بغيرك ثم تأتي لنفسك: اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات وإياي، تدعو لغيرك ثم ترجع لنفسك، هذا من الخطأ. اللهم اغفر له ولي، هذا من الخطأ. وهذا صوب العلماء عبارة بعض العلماء في كتبهم، عندما قال: اعلم وفق الله إياك وإياي. على أن هذا من الأخطاء، وأن الأولى أنك إذا أردت أن تدعو بالتوفيق أو النجاح أو المغفرة أو الرحمة أو البركة أنك أولًا تبتدئ بنفسك ثم تبتدئ بغيرك. وعلى هذا أدعية القرآن: «رب اغفر لي ولوالدي» إلى آخر الآيات القرآنية، والسنة النبوية أنك تبدأ بنفسك. وقلنا هذا فيمن أراد أن يجمع الجميع في آن واحد. فقلنا من أراد أن يدعو لنفسه لوحده دعا، ومن أراد أن يدعو لغيره فقط دعا، ومن أراد أن يدعو لنفسه ولغيره بضمير الجمع نفع. أما إذا أردت أن تدعو لنفسك مع غيرك مع الفصل، عليك أن تبدأ بنفسك ثم تبدأ لغيرك: اللهم اغفر لي ولوالدي، اللهم ارحمني ولوالدي، اللهم وفقني وللمسلمين، تبدأ بنفسك ثم تبدأ بغيرك. وهذه الصورة يذكر المؤلف رحمه الله تعالى: اعلم رحمك الله، بدأ المؤلف ماذا؟ بدأ بدعاء الغير. ولو أراد أن يدعو نفسه لقال: رحمني الله. وإذا أراد أن يدعو للجميع لقال: اعلم رحمنا الله. وإذا أراد أن يدعو لنفسه ولغيره لقال: اعلم رحمني الله وإياك. لو أراد ذلك، لكن ماذا؟ أراد أن يدعو للغير، وهذا كذلك جائز. سائر هذا إخواني مقدمة سريعة، وإن شاء الله سيأتي في درسي غد ما يتعلق بالأربع المسائل التي سيذكرها المؤلف رحمه الله تعالى في هذه المقدمة التمهيدية. فأسأل مولاي جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.