شرح كتاب التوحيد 26

شرح كتاب التوحيد 26

الدرس في شرح كتاب التوحيد 26، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

التحذير من الشرك وأهمية التوحيد

يشرح هذا الفصل خطورة الشرك بأنواعه وأهمية التوحيد في الإسلام، حيث يؤكد على أن من لقي الله موحدًا يدخل الجنة ومن لقيه مشركًا يدخل النار. يُبين أيضًا أن الشرك الأكبر يؤدي إلى دخول النار أبديًا.

أثر التوحيد والشرك على المآل الأخروي

يتناول هذا الفصل تأثير التوحيد والشرك على مصير الإنسان في الآخرة، حيث يُفصّل في أن الجنة والنار قريبتان من الإنسان وأن مصيره يتحدد بمجرد الموت بناءً على حالته الإيمانية. يُشدّد على أن العبرة بالخواتيم.

الدعاء والصلاة على النبي ختامًا

يختم هذا الفصل بالدعاء بأن يجعلنا الله من المتبعين لأحسن الأقوال والأفعال، ويُسلط الضوء على أهمية الصلاة على النبي محمد وعلى آله وصحبه. يُظهر الختام الرغبة في التمسك بالهدي النبوي.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: وفي مسلم عن جابر رضي الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من لقي الله لا يشرك به شيئًا دخل الجنة، ومن لقيه يشرك به شيئًا دخل النار». هذا الحديث ختم به المؤلف رحمه الله تعالى هذا الباب، والذي بوَّب له بقوله: «باب الخوف من الشرك». وقد مضت معاني الآيات والأحاديث التي تدل بكل وضوح على أن المسلم والمسلمة على حد سواء عليهم أن يخافوا من الوقوع في الشرك، أيما خوف، وأن الواحد منا لا يغتر بحاله وما كان من تقواه وصلاحه. هذا الحديث الذي بين أيدينا فيه إشارة إلى هذا المعنى، ولهذا أورده المؤلف رحمه الله. فقوله عليه الصلاة والسلام: «من لقي الله لا يشرك به شيئًا»، «شيئًا» نكرة، والنكرة إذا جاءت في سياق الشرط، كهذا السياق «من لقي الله لا يشرك به شيئًا» دلَّ على العموم، دلَّ على العموم. فالعموم هنا أنك يا عبد الله احرص على أنك تلقى الله وما جعلت مع الله الشريك، لا صنم، لا وثن، لا قبر، لا ضريح، لا نبي، لا ولي، لا صالح، ولا تقي، لا تجعل أحدًا أبدًا يزاحم الله جل وعلا في العبودية، هذا هو العموم. ومن العموم كذلك أن لا تقع في الشرك، سواء كان قوليًا أو فعليًا أو اعتقاديًا، بل كن موحدًا ظاهرًا وباطنًا، في السر والعلن. وأيضًا من العموم في هذا الباب، في هذا الحديث، أن أسلوب الشرط يدل على العموم في حد ذاته، في قوله: «من لقي الله؟» كائنًا من كان، كائنًا من كان، مهما كانت تقواك ومهما كانت منزلتك، إذا وقعت في الشرك، عبد الله هنا لا محاباة، ما هناك محاباة. بل انظر إلى قول ربنا عز وجل مخاطبًا النبي صلوات ربي وسلام عليه: ﴿وَلَوْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾، فأمر وحذَّر ربنا نبيه من الوقوع في الشرك، مع أن الأنبياء قد عُصموا. «ولئن أشركت ليحبطن عملك»، الرسل عُصموا من الشرك، لكن هذا فيه التحذير المبطَّن لباقي الأمة، المبطَّن لباقي الأمة، أن لا تقع في الشرك، إذا كان هذا الخطأ في حق رسول الله: «ولئن أشركت ليحبطن عملك»، فما ظنُّك بمن هو دونه؟ فالعموم هنا إخواني في الله من كل الوجوه، سواء في حق الفاعل الذي يفعل الشرك، أو في حق المفعول الذي فُعل معه الشرك، كائنًا من كان، فكل ذلك مرفوض، كل ذلك مرفوض. فقال عليه الصلاة والسلام: «من لقي الله لا يُشرك به شيئًا دخل الجنة، ومن لقيه يُشرك به شيئًا دخل النار». وكذلك هذا الحديث فيه كذلك أن كل مشرك متوعد بالنار، كل مشرك متوعد بالنار، وأنه يدخل النار، لكن بقي: هل الدخول أبدي أم أمدي؟ أمدي، أي إلى أمد. فقال علماء: هذا على حسب الشرك، فإن كان الواقع في الشرك من الشرك الأكبر، فإنه يدخل النار دخولًا أبديًا، لا خروج بعده، نسأل الله السلامة والعافية. وأما من وقع في الشرك الأصغر، فإنه متوعد بالنار، وعلى القول الصحيح وتحت مشيئة الله، وعلى قول قوم: أن الشرك الأصغر لا يغفر، فإن دخوله إلى النار أمدي، أي يدخل إلى أمد ثم يخرج منها، ولابد، ولابد. فهذا الحديث إخواني في الله مما أشار إليه المؤلف رحمه الله تعالى في التحذير من الشرك. وهنا من الفوائد التي نستفيدها من هذا الحديث إخواني في الله: أولًا، أن من مات على التوحيد دخل الجنة، من مات على التوحيد دخل الجنة، طال أمره أم قصر، ستدخل، ستدخل بماذا؟ بتوحيدك لله، بما كان من تعظيمك ووحدانيتك لربك. لكن من الناس من يدخل الجنة من أول وهلة، لا تمسه النار، هذا في حق من أتى بالتوحيد في أصله وبكماله وتمامه، وأقبل على ربه بالطاعات والعبادة، فهذا يدخل الجنة ولن تمسه النار. ومن الناس من فرط في كمال التوحيد، ومن وقع في المعاصي والذنوب، واسترسل على ذلك حتى لقي الله عليها، فهذا تحت مشيئة الله، فإن عذبه ربه فإنه يعذب لفترة، ينقى، يصفى من آثار ذنوبه، حتى إذا طهُر ونقي يدخل بعد ذلك الجنة. فنهاية الموحدين الجنان، لكن يختلفون في درجاتهم، وكل واحد على قدر ما عنده من توحيد، وما كان من إقباله وإخباته لربه. كذلك في هذا الحديث أنه من مات على الشرك وجبت له النار، وبينا إما أن يكون دخولًا أبديًا، وهذا في حق الشرك الأكبر، أو دخولًا أمديًا، وهو إلى أمد، وهذا في حق من وقع في الشرك الأصغر. وفي هذا الحديث كذلك بيان لقرب الجنة والنار، وأنهما ما يفرقك بينك وبينها إلا الموت فقط، لا تظن أن المسافة بعيدة، قريبة جدًا. ولهذا جاء في الصحيح قال عليه الصلاة والسلام: «الجنة أقرب إلى أحدكم من شراك نعله، والنار مثل ذلك». قريبة، قريبة، يا عبد الله، لربما في هذه الليلة ستنعم بالجنة، هذه الليلة، لا تظن أن الأمر بعيد، أو تعذب بالنار، نسأل الله السلامة والعافية. متى؟ إذا فارقت الدنيا، متى؟ هذا اليوم، ما يأتي عليك ساعات إلا وستجد نعيم الجنة ماثلًا أمامك في قبرك، في قبرك، بل لا أقول في القبر، بل دون القبر، وأنت في فراشك، وأنت في فراشك في ساعة احتضارك، ولا زال جيرانك وأهلك وقرابتك عندك بجنبك، منذ أن تنقطع أنفاسك وتتوقف دقات قلبك، ارتحلت إلى أين يا عبد الله؟ إلى الحياة البرزخية. وحين ستجد مباشرة إما برد الجنة أو مس النار، لأن ملك الموت الذي وكل بقبض روحك سيأتي، وليس لوحده، يأتي معه أعوانه، أعوانه من الملائكة الذين يعينونه في قبض الروح، ثم برفعها إلى السماء، ثم إهباطها إلى الأرض. هؤلاء الذين يأتون مع ملك الموت، مع ملك الموت يكون على حسب حالتك. إذا كنت من أهل الطاعة والعبادة، فإن الملائكة من ملائكة الجنان، بيض الوجوه، كما جاء في حديث البراء، يأتون إليك بالبشرى، وأنت لا زلت على فراشك، لا زلت على فراشك، يقبضون روحك بكل سلاسة وسهولة، كما ينتزعون الشعرة من العجين. وأما إذا كنت يا عبد الله من العتاة، من الأشقياء، من تارك الصلاة، من العاقين لوالديهم، من قاطع الأرحام، من أهل الأذى، فحينها إذا نزل عليك ملك الموت ومعه أعوانه من النار، ولهذا جاء في وصفهم: سود الوجوه، ومعهم مسوح من النار، وكفن من النار، سيقبضون روحك بشدة، بكل ألم، وأنت على فراشك. فالجنة قريبة والنار كذلك، بالمثل، «الجنة أقرب إلى أحدكم»، ولهذا في هذا الحديث قال نبي الله: «من لقي الله بموتك تموت تلقى الجنة إذا كنت موحدًا، وإذا أشركت مع الله، منذ أن تموت تجد النار أمامك». كذلك في هذا الحديث من البيان إخواني في الله في الفضائل المتعلقة بوجوب الخوف من الشرك، إذ أن الجنة مشروطة بعدم الإشراك بالله، إذن وجب عليك أن تتعاهد نفسك: هل وقع مني شرك؟ هل صدر مني شرك؟ هل لازلت على التوحيد؟ ولازلت تحدث نفسك، لأن هذا شرط تريد أن تضمن الجنة، اضمن التوحيد أول شيء، هذا هو رأس المال، هو رأس الإسلام، توحيدك لله. فإذا كان هاجسك يحدثك في اليوم والليلة عدة مرات أن متى ما جاءتك منيتك وأنت على التوحيد تدخل الجنة، يجعلك هذا تتعاهد أمر التوحيد دائمًا وأبدًا. كذلك في هذا الحديث من الفوائد فيه بيان لمعنى «لا إله إلا الله»، وأنه يدور على معنى وحدانية الله في الطاعة والعبادة، هذه حقيقة «لا إله إلا الله»، لا مفر منها، لا مفر منها من طبل من المطبلين من أهل البدع من أهل الضلال. وأرادوا أن يبعدوا الناس عن مسألة الشرك، لا يا عبد الله، الشرك حاصل، وهو الأساس في توحيد الله، كن موحدًا، اجعل العبادات لله، لا تجعل مع الله شريكًا، أردت أن تقع في الشرك، اجعل مع الله شريكًا، وانتهت القضية. ولهذا قال نبينا عليه الصلاة والسلام: «من لقي الله لا يشرك به شيئًا»، هذا حقيقة التوحيد، لا تجعل مع الله شريكًا، لا في طاعاته، ولا في عبوديته، لا في ألوهيته، ولا في ربوبيته. ومن جعل مع الله شريكًا في طاعاته، في عباداته، حين يدخل النار، لأنه وقع في الشرك وحرم التوحيد. كذلك من الفائدة الأخيرة من هذا الحديث فيه أن العبرة بالخواتيم، العبرة بالخواتيم، العبرة فيما تلقى الله به، قال عليه الصلاة والسلام: «من لقي الله لا يشرك به شيئًا دخل الجنة»، العبرة باللقية. لو أن رجلًا كان نصرانيًا، ولد في أسرة نصرانية، من عباد الصليب، لا زال يعبد اليسوع كما يسمونه، ويعتقد التثليث، فلا زال على هذه الحياة نصرانيًا يعبد عيسى ويعتقد الكون بتصرف اليسوع، فلا زال هذا حاله حتى في السن الخمسين، جاءه من جاءه من الدعاة إلى الإسلام فتأثر بدين الله فأسلم، فما هي إلا سنة واحدة فمات، لكن مات على التوحيد، لقي الله وهو لا يشرك به شيئًا، حكمه دخل الجنة، العبرة بالخواتيم. والعكس بالعكس، لو أن أحدًا منا من الموحدين عاش في بلاد الإسلام، موحد يصلي ويصوم ويزكي، ولزال هذا حاله حتى ضل عن سواء السبيل، تأثر بحملات الإلحاد، تأثر بها، فبينما هو في السن الخمسين إذ أعلن إلحاده، وما هي فترة زمنية، وقد سمعنا بهذا، سمعنا بهذا، أن أناسًا كفروا بالله واتخذوا مذاهب فكرية منحرفة، وما هي إلا مدة، كحد ذاك الرجل الذي جعل مذكرات قبل موته يتندم على ما كان من تركه للإسلام، لكن ما استطاع الرجوع، ذكر هذا في مذكراته: ارتد واعترف أنه شرب الخمر وأكل الخنزير وعاصر وعاشر الغواني والزواني، فعل كل شيء وارتد عن دين الله، تندم في آخر حياته، فمات. مع أنه قد عاش ردحًا من الزمن على الإسلام، العبرة بخاتمته، مات على الإلحاد، يلقى الله ملحدًا كافرًا قد خرج من الدين والملة. فالعبرة بالخواتيم، طيبة خاتمتك الله أعلم. إذن كن يا عبد الله على طاعة وعبادة، ولهذا قال عليه الصلاة والسلام: «من قال لا إله إلا الله ابتغاء وجه الله ختم له بها أدخله الله الجنة، ومن تصدق بصدقة ابتغاء وجه الله ختم له بها أدخله الله الجنة»، العبرة يا عبد الله بالخواتيم. فهذا الحديث يدلنا على ذلك: «من لقي الله موحدًا أدخله الله الجنة، لقي الله مشركًا أدخله الله النار». فهذا مما يذكر إخواني في الله في هذا الحديث من مسائل وفوائد، وبه يختم المؤلف رحمه الله هذا الباب، باب الخوف من الشرك. وذكر رحمه الله من الآيات والأحاديث التي ينبغي على كل مسلم من خلال مضامينها ومفاهيمها أنه يخشى على نفسه دائمًا وأبدًا من أن يقع في الشرك، علم به أو لم يعلم. فنسأل مولانا جل وعلا أن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.