الدرس في شرح الأصول الثلاثة 1، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يتناول تصحيح عنوان رسالة الإمام محمد بن عبد الوهاب وشرح أهميتها في العقيدة والتوحيد. تُعد الرسالة من الأعمال الهامة التي اعتنى بها المؤلف ودرسها لطلابه.
تُبرز أهمية رسالة ثلاثة الأصول للشيخ محمد عبد الوهاب في باب العقيدة والتوحيد، وقد أشاد العلماء بأهميتها واعتبروها من أهم الرسائل في هذا الباب.
يشرح المؤلف مقدمة الرسالة وأصولها الثلاثة، حيث ركز على معرفة الدين والرب والرسول، وألحقها بمسائل متعلقة باليوم الآخر، مؤكداً على أهمية الإجابة بالعمل.
يختتم المقطع بالتأكيد على أن الله تعالى هو الأعلم، ويشير إلى الصلاة على النبي محمد وآله وصحبه، معرباً عن الرغبة في نيل البركة والرضا الإلهي.
إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فهو المهتدي ومن يضلل فلن تجد له وليا مرشدا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. وأما بعد، فقد اعتدنا إخواني في الله في مثل هذا الوقت بعد هذا الفرض على قراءة والنظر في بعض المتون الميسرة من متون العقيدة والتوحيد، نذكر أهم المسائل المتعلقة فيها من غير تفصيل ومن غير كذلك إطالة. وإن شاء الله في هذا اليوم بإذن الله تم الاختيار على رسالة كباقي الرسائل الميسرة في متون العقيدة والتوحيد، وهي الرسالة الموسومة بثلاثة أصول والمشهورة باسم الأصول الثلاثة. وستكون كما مر القراءة فيها والنظر في أهم مسائلها ومباحثها. وهذه الرسالة إخواني في الله من الرسائل اللطيفة المصغرة التي عما نفعها للقاصي والداني، كما سيأتي بيانه. وهذه الرسالة إخواني في الله صغيرة الحجم إلا أنها عظيمة النفع، حتى قال طبعا الرسالة للإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى. قال حفيده عبد الرحمن بن حسن رحمه الله تعالى متحدثا عن هذه الرسالة: «فما أعظم نفعها على اختصارها لطالب الهدى، ما أعظم نفعها على اختصارها لطالب الهدى». فهي مختصرة في المباحث وفي العبارة، إلا أنها في النفع فقد عظم نفعها. فلا غنى لأحد مننا إخواني في الله في النظر إليها والنظر فيها. وقبل الشروع في الرسالة وفي قراءة الرسالة أنبع على بعض المباحث السريعة المتعلقة بالرسالة بذاتها ونفسها. وأهم المباحث المتعلقة بالرسالة ما يتعلق باسمها. تارة يسمع من يسمع أن الرسالة اسمها الأصول الثلاثة، ومنهم من يسمع بثلاثة أصول، فهل يرى أن هذا من التغيير سائغ، وأن هذا من مصطلحات لأمر واحد، أو أن هذا الاسم مصطلح لكتاب آخر مغاير؟ والأمر الأخير هو الصحيح إخواني في الله. فإن الشيخ محمد بن الوهاب رحمه الله تعالى له رسالتان، رسالة باسم الأصول الثلاثة، وله رسالة أخرى باسم ثلاثة أصول. هذه رسالة وتلك رسالة، وإن كانت الأذهان تذهب كثيرا إلى أن الرسالة التي نحن بصددها اسمها الأصول الثلاثة، وهذا الذي اشتهر عند كثير من الناس. والصحيح ليس ذاك، والصحيح أن الرسالة التي ذكر فيها المؤلف رحمه الله تعالى ما يتعلق بالتوحيد وأركان التوحيد وما يتعلق بسؤال الملكين إلى آخره، هذه مسمى بثلاثة أصول، بثلاثة أصول، وهي التي بين أيدينا والتي نحن إن شاء الله في صدد دراستها والقراءة فيها. سماها المؤلف بثلاثة أصول. أما الأصول الثلاثة فهذا كتاب آخر، رسالة أخرى للشيخ محمد عبد الوهاب رحمه الله تعالى، إلا أنها صغيرة الحجم أصغر من هذه. صغيرة الحجم، بل يقال صغيرة في العلم أي في مباحثها. والمؤلف إنما تلك ألفها للصبيان، ألفها للصغار يعلمهم أساسيات التوحيد، فسماها بالأصول الثلاثة. أما الرسالة المشهورة هذه فهي مسمى بثلاثة أصول، ثلاثة أصول وأدلتها، هذا هو الصحيح الذي ذكره المحققون في هذه الرسالة. ومن عرج على مؤلفات الشيخ محمد عبد الوهاب رحمه الله تعالى يرى هذا التفريق وهذا التمييز بين تلك الرسالة وبين هذه الرسالة، حتى أن بعضهم توسع في عنوانها وذكر أن عنوان الرسالة هذه «ثلاثة أصول في معرفة الله والدين الإسلامي ومعرفة الرسول»، ثلاثة أصول في معرفة الله والدين الإسلامي ومعرفة الرسول صلى الله عليه وسلم. إذن باب تصحيح العبارة، فالرسالة تسمى بثلاثة أصول، وأما الأصول الثلاثة فهي اسم لكتاب آخر، وإن كان المعلمون أو الكثير من الشراح يتساهل في هذا الباب لاشتهارها بذاك. والله تعالى أعلم، هذا ما يتعلق باسمها. أما يتعلق إخواني في الله بأهمية هذه الرسالة، فهي رسالة مهمة جدا، لا يكاد يفك أحد مننا من الرجوع إليها والاستفادة منها، وخاصة أنها تتعلق بأمر عظيم من أمور الدين، ألا وهي مسألة التوحيد والعقيدة التي رأس الأمر. لا نجاة يا عبد الله من عذاب الله ولا من غضب الله بمثل ما تنجي نفسك بتوحيد الله سبحانه وتعالى. ولا ظفر ولا سيادة ولا سؤدد ولا عزة في الدنيا والآخرة إلا بمثل تشبثنا بتوحيد الله سبحانه وتعالى. وليس المقام بمقام ذكر فضائل التوحيد لله جل وعلا، لكن لا يخفى على أحد مننا أن التوحيد هو رأس الأمر. فإذا كان الأمر كذلك، كان لزاما على كل واحد مننا أن يقوم بدراسته، وهو من علوم فروض العينية الذي يتحتم على كل واحد مننا أن يكون له نصيب وله دراية وله خلفية عن توحيد الله سبحانه وتعالى. والمؤلف في هذه الرسالة أوجز العبارة. لا يخفى على من قرأ في رسائل العلام الإمام المجدد محمد عبد الوهاب رحمه الله تعالى يعرف ويعترف بأنه رجل محقق قوي العبارة، وكذلك يختصر ويوجز في الإشارة. ومع ذلك رسالته نافعة، وخاصة في هذا الباب في باب العقيدة والتوحيد، وخاصة كذلك أنه عانى من قبل قومه ممن عادوه وشهروا له بالعداوة وحاربوا دعوته. فكان رحمه الله تعالى محاربا مجاهدا مقاتلا في سبيل الله في رفع معالم التوحيد. وكانت هذه الرسالة من أعظم رسائله، بل قال من قال من الشراح ومن المؤلفين أن هذه الرسالة تعتبر من أول رسائله، من أول رسائله قبل انتقاله إلى الدرعية. قبل أن ينتقل إلى الدرعية قد ألف هذه الرسالة، وذلك إن دل دل على أهميتها. وأيضا المؤلف رحمه الله تعالى هو بنفسه اهتم بهذه الرسالة. المؤلف محمد عبد الوهاب رحمه الله تعالى الذي ألف هذه الرسالة هو بنفسه رحمه الله تعالى اعتنى بها واهتم بها. ويكفي في ذلك أهمية أنه كان يلقنها لطلابه، بل يأمرهم بحفظها. يقول سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله تعالى وهو يتحدث عن حياة الشيخ محمد عبد الوهاب: «قال وكان رحمه الله تعالى يلقن الطلبة والعامة هذه الأصول ليدرسوها ويحفظوها». فكان ذلك من همته رحمه الله تعالى، أنه بنفسه كان يقوم بشرحها ويقوم بدراستها، بل ويقوم بإلقاء الطلاب بها لكي يحفظوها عن ظهر قلب. وكذلك من تتابع العلماء رحمه الله تعالى على الإشادة بهذه الرسالة وعلى التنبيه لعظيم فضلها وأهميتها، حتى كان من أمر سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ رحمه الله تعالى أنه كان يحث أئمة المساجد في مساجدهم أن يقوموا بدراسة هذه الرسالة وبدراسة ما فيها من مضامين وما فيها من مسائل. فكان من رسائله رحمه الله تعالى لأئمة المساجد قال: «وكذلك عليكم تعليم الجماعة أمر الدين وسؤالهم عنها كما في مختصر ثلاثة الأصول». فيتعين على كل إمام مسجد إبلاغ جماعته بذلك. فهذا إن دل أخوان في الله، ولازال كلام العلماء قديما وحديثا من المعاصرين من يشيد بأهمية الرسالة لعظم مضامينها ولأهميتها. والمؤلف رحمه الله تعالى قد صاغها بصياغة سلسة تناسب أفهام العامة، يفهمها العامة ويفهمها الصغير ويفهمها الكبير ويفهمها كل أحد. ليس تحتاج إلى قواميس لكي تفك وتحل بعض العبارات. فمن قرأها قراءة عادية يفهم هذه المعاني. فالرسالة مهمة أخواني في الله، ولهذا كان الاختيار لهذه الرسالة في دراستها. وأما يتعلق إخواني في الله بخطة الرسالة، الرسالة تكونت من عدة مضامين. المضمون الأول المقدمة، والمضمون الثاني صلب الموضوع، والمضمون الثالث أو الخاتمة. أما يتعلق بالمقدمة، فالمؤلف رحمه الله تعالى في هذه الرسالة ثلاثة أصول بدأها بمقدمة، والمقدمة هي عبارة عن ثلاث مقدمات تمهيدية. بدأ بكل مقدمة بإعلم رحمك الله، ثم أدخل فيها موضوع يخالف الموضوع الأول. فمثلا في المقدمة الأولى قال: «اعلم رحمك الله أنه يجب علينا تعلم أربع مسائل». ثم في المقدمة الثانية قال: «اعلم رحمك الله أنه يجب على كل مسلم ومسلمة تعلم هذه الثلاث مسائل». ثم قال في المقدمة الثالثة: «اعلم أرشدك الله لطاعته أن الحنيفية ملة إبراهيم أن تعبد الله وحده». فهذه مقدمات ثلاث يقول تدخل في المقدمة عامة، لكن فصلها وغايرها ورأى أنها مقدمات ضرورية، مقدمات مهمة ينبغي أن تكون في ذهنك وأنت تدخل في صلب الموضوع. ثم يأتي الموضوع الثاني والمضمون الثاني في رسالة وهو صلب الموضوع. وصلب الموضوع أن المؤلف رحمه الله تعالى طرح هذه الأسئلة الثلاثة مع الإجابة: معرفة الدين، معرفة الرب، معرفة الرسول عليه الصلاة والسلام. والمؤلف رحمه الله تعالى اختار هذه الأسئلة واختار هذه الأصول، وذلك استنباطا واقتباسا بما سيأتي ذكره وخبره في سؤال الملكين للميت: «ما من ميت يموت من مؤمن أو فاجر أو مسلم أو كافر إلا ويأتي إليه ملكان فيسألانه: من ربك؟ ما دينك؟ ومن نبيك؟». فدلت هذه الأسئلة على أن هذه خلاصة الحياة البشرية. فأنت يا عبد الله في هذه الدنيا تعمل وتعمل عملا صالحا وآخر سيئا، ثم إذا جئت إلى قبرك وهي أول منازل الآخرة تطرح عليك هذه الأسئلة. فكأنها دلالة وإشارة أن هذه الأسئلة الثلاثية ملخص هذه الحياة، والتي كيف قابلت بها الله وتعاملت بها مع الله جل وعلا. فتطرح عليك هذه الأسئلة الثلاثة، فإن أجبت عليها كما يريد الشرع فابشر يا عبد الله بخير الآخرة. وأما يا عبد الله إن تلعثمت بها وإن ترنحت في الإجابة عنها، فإنها الهاوية، وما أدراك ما هي نار حامية. نسأل الله العفو والعافية. فالمؤلف رحمه الله تعالى لما رأى أهمية هذه الأسئلة الثلاثة جعلها هي الأصول التي ينبغي أن نهتم بها. وبهذا نعلم أن الخلاص منها يا عبد الله ليس أنك تحفظ الإجابة كحال بعض السذج من الناس. إذا علم أنه سيسأل في قبره عن هذه الأسئلة الثلاثة يقول الأمر سهل إذن سأحفظها. إذا قيل له: من ربك؟ يقول: ربي الله. وما دينك؟ يقول: ديني الإسلام. ومن نبيك؟ يقول: نبيي محمد عليه الصلاة والسلام. يرى أن الإجابة بالحفظ. لا يا عبد الله، ليس الإجابة بالحفظ، وإنما الإجابة بالعمل. الإجابة بالعمل، العمل هو الذي ينفعك وهو الذي سينطق عنك وهو الذي سيجيب عنك في قبرك. حول ما خلفيتك عن الله وعن معرفة الله، وما درايتك بنبينا عليه الصلاة والسلام، وما عملك بهذا الدين الإسلامي. وسيأتي هذا إن شاء الله كما قلنا في صلب الموضوع، حيث أن المؤلف رحمه الله تعالى كرس الرسالة وجعلها تدور حول هذه الثلاثة الأصول مع بيان مسائلها ومباحثها. وأما المضمون الثالث وهو آخر الرسالة، الحقها المؤلف رحمه الله تعالى ببعض المسائل العامة المتعلقة باليوم الآخر، متعلقة بالبعث والنشور وما يتعلق بالكفر بالطاغوت وغيرها من المسائل. وهذا إن شاء الله سيأتي حينه في مقامه وفي زمانه. فهذا إخوان في الله مسائل سريعة حول هذه الرسالة، ما يتعلق باسمها، ما يتعلق بأهميتها، ما يتعلق بخطة المؤلف فيها، وما يتعلق بالدخول في خضم الرسالة. يترك إن شاء الله هذا في درس غد. فأسأل مولانا جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، ونسأله سبحانه وتعالى أن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه. إن ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. والله تعالى أعلم.