الدرس في شرح الأصول الستة 2، الأصل الثاني:أمر الله بالإجتماع في الدين ونهى عن التفرق فيه . ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يتناول الأصل الثاني من كتاب الستة الأصول الأمر الإلهي بالاجتماع في الدين والنهي عن التفرق مستندًا إلى الآيات القرآنية والأحاديث النبوية. يشير إلى أن الأدلة على هذا الأصل واضحة ومتعددة وتدل على أن التفرق مذموم والاجتماع مطلوب في دين الإسلام.
يؤكد النص على أهمية الاعتصام بحبل الله، أي بالدين الحق الذي جاء به النبي، ويحذر من التفرق والافتراق في الدين. يستدل النص بالآيات القرآنية والأحاديث النبوية التي تشدد على ضرورة الاجتماع على الحق والتحذير من التفرق.
يوصي النبي باتباع سنته وسنة الخلفاء الراشدين في زمن الاختلاف ويحذر من الابتداع في الدين. يشدد على أهمية التمسك بهدي النبي والخلفاء الراشدين في مواجهة التغيرات والمحدثات.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى في كتابه الستة الأصول: قال الأصل الثاني: أمر الله بالاجتماع في الدين والنهي عن التفرق، فبين الله هذا بيانًا شافيًا تفهمه العوام، ونهانا أن نكون كالذين تفرقوا واختلفوا قبلنا فهلكوا، وذكر أنه أمر المسلمين بالاجتماع في الدين ونهاهم عن التفرق فيه. ويزيده وضوحًا ما وردت به السنة من العجب العجاب في ذلك. ثم صار الأمر إلى أن الافتراق في أصول الدين وفروعه هو العلم والفقه في الدين، وصار الأمر بالاجتماع لا يقول به إلا زنديق أو مجنون. أورد رحمه الله تعالى هذا الأصل الثاني من هذه الأصول الستة التي بها يصل إلى ما يريد إيضاحه من المسائل التي خالف فيها أهل زمانه الدين الحق الذي بعث به النبي صلى الله عليه وسلم، سواءً أكان في أمر العقائد أو كان في غيرها. فقال رحمه الله: أمر الله بالاجتماع في الدين والنهي عن التفرق، فبين الله هذا بيانًا شافيًا تفهمه العوام. ومعناه أن أدلة الكتاب والسنة التي جاء فيها ذكر الأمر بالاجتماع في الدين والنهي عن التفرق كثيرة، وهي مع كثرتها واضحة غاية الوضوح ومبينة غاية البيان، حتى أن هذا الأمر اتضح اتضاحًا واضحًا بينًا بما لا يخفى على عامة الناس فضلًا عن خواص الناس ممن عنده شيء من العلم. وجه ذلك أنها جاءت أولًا كثيرة، أي الأدلة التي تأمر بالاجتماع وتنهى عن التفرق، وأوجهها عديدة. وثانيًا أنها كذلك جاءت على وجه فيه إضاح هذا الأمر، وكذلك إظهاره بما لا يقع معه إشكال أبدًا. فمثلًا قول الله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ * وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [آل عمران:102-103]. لو تأملنا هذه الآيات، لو وجدنا أنها دلت في ثناياها على الأمر بالاجتماع والنهي عن التفرق في أربعة مواضع. في كونه أولًا أمر بالاعتصام بحبل الله، وهو يفسر. ثانيًا قوله: ﴿وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:102]، أي الاعتصام هذا على الإسلام الذي طلب منكم أن تحرصوا عليه والدخول فيه من جميع جوانبه حتى يتوفاكم الله. وثالثًا أنه ذكر بنعمة الله عز وجل على أهل هذا الدين بالاجتماع. ورابعًا ذكر كذلك بعظيم ما نجاهم الله منه مما كانوا عليه قبل من أمر الافتراق. وهكذا كذلك قول الله عز وجل: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [آل عمران:105]. وهكذا كذلك: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ﴾ [الأنعام:159]. وهكذا كذلك: ﴿وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ * مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ [الروم:31-32]. وهكذا كذلك: ﴿وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ * إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ﴾ [هود:118-119]. ومعناه أن أهل الاجتماع هم أهل الرحمة، وأن أهل الافتراق والاختلاف هم أهل العذاب. وهكذا كذلك قوله سبحانه: ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء:92]. وفيه كذلك أن مما يتحقق به عبادة الله اجتماع هذه الأمة على دين واحد. وهكذا كذلك: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ [الشورى:13]. والآيات في هذا الباب كثيرة. فمن تأمل هذه الآيات وغيرها كثير، علم أن هذا الأصل قد بين بيانًا شافيًا حتى لم يخف على العوام، فصار مما هو معلوم من الدين بالضرورة أن دين الإسلام ينهى عن التفرق ويأمر بالاجتماع. وقوله رحمه الله بعد ذلك: «ونهانا أن نكون كالذين تفرقوا واختلفوا قبلنا فهلكوا»، يعني الآية التي سبقت، وفيها التحذير أن نكون كأهل الكتاب ومن ضل منهم من بعد ما جاءهم البينات تفرقوا واختلفوا. ولهذا كان من لازم الإيمان الاجتماع على الحق وعدم التفرق فيه، والتسليم لكل ما جاء من أمر ونهي. وبهذا يتحقق الاجتماع، فإذن الأمر بالاجتماع أمر بتطبيق هذا الدين ولزومه، وبه يكون الاجتماع. ولهذا لو تأملت كل الأدلة، فإنها تدل على هذا المعنى. «واعتصموا بحبل الله» فسر حبل الله بالقرآن، وفسر حبل الله بالسنة، وفسر حبل الله بالإسلام، وفسر حبل الله بالإيمان، وكلها تفاسير صحيحة؛ لأنها تفسير من التفسير ببعض المعنى. فالمقصود هو الاعتصام بالحق الذي جاء به النبي عليه الصلاة والسلام من الكتاب والسنة وخصال الإيمان والإسلام، وبهذا يكون الاجتماع، وبغيره يكون الافتراق. وهذا هو المقصود من إيراد هذا الأصل، يعني حين ندعوكم إلى الاجتماع وعدم التفرق، ندعوكم إلى الدين الواحد الحق الذي كان عليه النبي عليه الصلاة والسلام عقيدة وعبادة ومعاملة وأخلاق وسلوك وكل شيء. قل: ﴿إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الأنعام:162-163]. وكما تقدم لهذا كان تحقيق الإيمان بتمام التسليم لله عز وجل في أمره ونهيه، فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجًا مما قضيت ويسلموا تسليمًا. «إنما كان قول المؤمنين إذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم أن يقولوا سمعنا وأطعنا وأولئك هم المفلحون» والآيات في هذا الباب كثيرة. وقوله رحمه الله: «وذكر أنه أمر المسلمين بالاجتماع في الدين ونهاهم عن التفرق فيه»، كما قال الله عز وجل: ﴿وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ * مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ [الروم:31-32]. فمن علامات أهل الإسلام الاجتماع، ومن علامات أهل الكفر التفرق. قال: «ويزيده وضوحًا ما وردت به السنة من العجب العجاب في ذلك»، يعني من الأدلة الكثيرة في السنة التي تدل على هذا الأصل العظيم، والذي يزيد الأمر وضوحًا وبيانًا شافيًا بما يفهمه العوام فضلًا عن غيرهم. هذا معنى كلامه رحمه الله. ومن تتبع أدلة السنة وجد الأدلة الكثيرة في هذا الباب، كقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إنه من يعش منكم فسيرى اختلافًا كثيرًا، فعليكم بسنة وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي» فأمر بالاعتصام ونهى عن التفرق، حديث العرباض بن سارية المشهور. وهكذا كذلك قول النبي عليه الصلاة والسلام في حديث الافتراق الذي روي عن عدد من الصحابة، وهو حديث صحيح، قال: «افترقت اليهود إلى إحدى وسبعين فرقة، وافترقت النصارى إلى ثنتين وسبعين فرقة، وستفترق أمتي إلى ثلاث وسبعين فرقة، كلها في النار إلا واحدة». جاء تفسيرها في رواية صحيحة أنها «من كان على مثل ما كان عليه النبي عليه الصلاة والسلام وأصحابه». وجاء في رواية: «وهذه الرواية معناها صحيح وإن كان في إسنادها شيء، لكن معناها صحيح»، وجاء في رواية صحيحة: «أنهم الجماعة»، أي الذين يجتمعون على الحق. وكما قال ابن مسعود: «الجماعة من كان على الحق وإن كنت وحدك». وهذا الحديث يعد من أعظم أحاديث الوعظ لكل من ضل عن الصراط المستقيم والطريق القويم الذي كان عليه النبي عليه الصلاة والسلام؛ لأنه إذا تأمله وتدبره وعرض ما هو عليه مع ما كان عليه النبي عليه الصلاة والسلام، كان ذلك من أعظم الوعظ له. حين تذكر لأي رجل يضل أو كان على ضلال هذا الحديث، إذا كان عنده دين وصدق؛ لأن الضلال قد يكون بسبب البدعة، لا بسبب الصدق عنده نية صحيحة وعنده صدق، لكن ليس عنده علم، لم يوفق إلى معرفة العلم. إذا وعظ بمثل هذا الحديث، صار هذا الحديث من أعظم ما يحرك ما في قلبه من البحث عن الحق. كيف لا وهو قد سمع أن هذا الحديث صح عن النبي عليه الصلاة والسلام، ويخبره أن هذه الأمة ستفترق إلى ثلاث وسبعين فرقة، كلها في النار إلا واحدة. هذا يجعله يبحث، لما لا أكون أنا من هذه الفرقة الناجية؟ فيبدأ يبحث ما هو الدين الحق الذي كان عليه النبي عليه الصلاة والسلام؟ وهذا البحث سبب لهدايته بإذن الله تعالى. إن كان الضلال في العقيدة، بحث ما هي عقيدة النبي عليه الصلاة والسلام؟ أو كان الضلال في العبادة، بحث ما هي عبادة النبي عليه الصلاة والسلام؟ أو كان الضلال في المعاملة، بحث ما هي المعاملة الشرعية التي جاء بها النبي عليه الصلاة والسلام؟ فبلغ مثل هذه الأحاديث ونظائرها كثير، يكون من أعظم ما يبين هذا الأصل بيانًا واضحًا شافيًا، حتى أن عامة الناس يفهمون أن من أعظم أصول وثوابت الدين الأمر بالاجتماع والنهي عن التفرق. والأحاديث كثيرة التي تدل على هذا المعنى. قال: «ثم صار الأمر إلى أن الافتراق في أصول الدين وفروعه هو العلم والفقه في الدين»، يعني بسبب الجهل وعلماء السوء والضلال، تغيرت المفاهيم. فصار في مفهوم الكثير من الناس أن الافتراق في أصول الدين -ويريد بأصول الدين العقائد- وفروعه -يعني الفقه- هو العلم والفقه في الدين. يعني كون الناس يختلفون في العقائد هذا علم، وهذا فقه. يختلفون في الأصول، فيقال: هذا صوفي، وهذا قدري، وهذا جبري، وهذا مرجئ، وهذا أشعري، وهذا كلابي، وهذا ما تريدي، وهذا معتزلي، فيجعلون الجميع على صواب، والجميع كذلك على حق، بحجة ماذا؟ أنه من الرحمة. ويرغبون في هذا الحديث الضعيف والمكذوب والذي لا أصل له، مثل حديث «اختلاف أمتي رحمة»، حديث لا أصل له. قال بعض العلماء: «عجز العلماء أن يجدوا لهذا الحديث أصلًا». اشتهر عند بعض من ينتسب إلى العلم الاستدلال بهذا الحديث. فلذلك تجد أمثال هؤلاء يقولون: لا بأس تريد تكون أشعري، تريد تكون صوفي، تريد تكون خارجي، تريد تكون قدري، مرجئ، كلابي، ما تريد، اختلاف هذه الأمة رحمة. وهذا هو عين الضلال. كيف يكون اختلاف الأمة رحمة بعد هذه الأدلة الكثيرة التي وردت في نصوص الكتاب والسنة؟ وبهذا نعلم وننتبه لأمر مهم، وهو أن بعض أصول وثوابت الدين واضحة من حيث الإجمال، لكن من حيث التفصيل تحتاج إلى زيادة إيضاح وبيان. مثل ما تقدم، أمر النهي عن الشرك والأمر بالتوحيد واضح بين في مسائل ونصوص الكتاب والسنة بيانًا واضحًا جليًا، ومع ذلك بعض أحد المسائل قد يلتبس أمرها على بعض الناس. فإن من الناس من لا يعرف أن الطواف بالقبور شرك، وإن من الناس من لا يعرف أن التوسل بالصالحين يعد شركًا أكبر، وإن كان قد قرأ القرآن. لماذا؟ لجهله بعين هذه المسألة، وإن كان قد علم أصل المسألة على وجه الإجمال. ولوجود بعض علماء السوء والضلال الذين يلبسون عليهم. وهكذا كذلك في هذه المسألة. ولهذا صار هذا مما يحصل فيه التنقض عند أهل الضلال. لو أتيت وسألت أحدهم: «أليس الله يأمر بالاعتصام بحبله؟» يقول: «نعم». «أليس الله نهى عن التفرق؟» يقول: «نعم». «كيف تقول اختلاف أمتي رحمة؟» يقول: «لا أدري، هكذا سمعت العلماء». وهكذا حال أهل الباطل والضلال، مثل النصارى في عيسى عليه الصلاة والسلام. لو سئل نصراني وقيل له: «أنت تقول إن الله عز وجل هو الله الخالق وحده؟» يقول: «نعم». «وأنت تعلم أنه هو الذي يعبد وحده؟» يقول: «نعم». «فكيف تقول إن عيسى إله وتقول إن أمه إله؟ كيف يستقيم هذا؟» يقول: «لا أدري». والكثير منهم يحتار في مسألة التثليث، ولهم تفاسير وتعابير وأفهام مختلفة مضطربة. وهذا حال أهل الباطل؛ بسبب الجهل وقلة العلم، وغلبت أقوال علماء السوء والضلال. يصل أمرهم إلى هذا الاضطراب. قال: «وصار الأمر بالاجتماع لا يقوله إلا زنديق أو مجنون»، يعني صار الذي يدعو الناس إلى الاجتماع على الحق وعدم التفرق والخروج عنه، يتهم بالزندقة. ومعنى الزندقة: أي الخروج من الدين. لماذا؟ زعموا أنه بهذا يكفر العلماء؛ إذ أنه يلغي مذاهبهم وأقوالهم. فصاروا يحتجون على الحق بالباطل، يحتجون على الحق بالباطل. مع أن هذا ليس بلازم. لو قلنا: إن التمشعر بدعة، والاعتزال بدعة، وغير ذلك من المذاهب المنحرفة في العقيدة أو في العبادة أو في غيرها من الضلال والباطل. ما يلزم أن من قال به فهو مبتدع. فليس كل من قال الكفر كافر، وليس كل من قال بالبدعة مبتدع، وليس كل من قال بالضلال ضال؛ لأنه قد يكون له عذر، قد يكون له عذر. مع أنه في الحقيقة الكثير من هؤلاء هم من رؤوس الضلال، ولكن أكثر هؤلاء لا يدرون ولا يشعرون. فالمقصود من هذا المؤلف رحمه الله يريد أن يبين بهذا أن الكثير من أهل زمانه اختلطت عليهم الأمور، وصاروا في الطراب مع هذه الأصول والثوابت العظيمة التي جاءت بها نصوص الكتاب والسنة. وإلا لو تأملوا كلام العلماء العالمين، أئمة الدين الصادقين، لوجدوا ذلك لا يخرج عن ما دلت عليه نصوص الكتاب والسنة من الأمر بالاجتماع والنهي عن التفرق. ولا يقول بهذا التفرق ويمدحه إلا أهل الجهل والضلال. وأما أهل العلم حقيقة، فهم ينهون عن التفرق ويأمرون بالاجتماع. وإذا كان كذلك، فعلى أي شيء يجتمع الناس؟ الجواب: بلا شك على الحق الذي كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته. فإن آمنوا بمثل ما آمنتم به، فقد اهتدوا. وإن تولوا فإنما هم في الشقاق. وكما قال عليه الصلاة والسلام: «فإنه من يعش منكم فسيرى اختلافًا كثيرًا، فعليكم بسنة وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، تمسكوا بها، وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور». وبهذا نكتفي. والله تعالى أعلم.