الدرس في صلح الحديبية مسائل وأحكام 41، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
اشترط سهيل بن عمرو رد كل من يأتي من قريش إلى النبي ﷺ حتى لو أسلم، فرفض المسلمون ذلك. وفي أثناء المفاوضات دخل أبو جندل بن سهيل مكبلاً بالقيود طالباً اللجوء، فتمسك سهيل برده، وأبى النبي ﷺ إتمام الكتاب قبل حل هذه المسألة، مما أدى إلى جدل بين الطرفين.
يروي المقطع موقف أبي جندل عند صلح الحديبية وكيف ردّه المشركون رغم إسلامه، مبينًا قسوة الكفار في تعذيب أبنائهم المؤمنين. ويوضح أن ثبات المستضعفين في مكة على الدين رغم العذاب الشديد كان من أسباب رفع الله القتال عن قريش وعقد الصلح، كما ورد في قوله تعالى: ﴿ولولا رجال مؤمنون ونساء مؤمنات لم تعلموهم﴾.
جاء أبو جندل مسلماً إلى النبي ﷺ في الحديبية وهو مكبل بالقيود، فطلب سهيل بن عمرو رده وفق شروط الصلح، وألح النبي ﷺ عليه لكنه أبى، فسُلم له. واستدل المتحدث بذلك على حقد الكفار الدائم على الإسلام وأهله، ومحاربتهم له بالصد عن سبيل الله ونشر الفساد والشهوات في مجتمعات المسلمين تحت شعارات زائفة كالديمقراطية وحقوق الإنسان.
يختتم المحاضر الدرس مستشهداً بقول النبي ﷺ لأبي جندل: «سيجعل الله لك فرجاً ومخرجاً»، ويؤكد على مواصلة الموضوع في الدرس اللاحق، مختتماً بالحمدلة والصلاة على النبي.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، فنحمد الله عز وجل أن وفقنا وأدركنا شهر رمضان، وخرج علينا هذا الشهر وقد استودعناه من الأعمال، نسأل الله عز وجل أن يتقبلها. فإن شاء الله تعالى نستأنف دروسنا التي قد قطعنا منها شوطًا، وكما تعلمون أننا نشرح حديث صلح الحديبية الذي حصل من النبي عليه الصلاة والسلام مع كفار قريش. وآخر ما ذكرناه ما اتفق عليه النبي عليه الصلاة والسلام وسهيل بن عمرو في الصلح، فلما ذكر النبي عليه الصلاة والسلام: «على أننا نطوف هذا العام بالبيت»، قال سهيل: والله لا تتحدث العرب أننا أخذنا ضغطة، ولكن ذلك من العام المقبل. فكتب، فقال سهيل: وعلى أنه لا يأتيك منا رجل وإن كان على دينك إلا رددته إلينا، أنه لو كان على دين الإسلام ترده إلينا. قال المسلمون: سبحان الله، كيف يرد إلى المشركين وقد جاء مسلمًا؟ فأخذنا هذا المقطع من الكلام، ثم قال: أي في الحديث: «فبينا هم كذلك» أي لم يتفقوا على هذا بعد، على هذا البند الأخير، وهو أن من جاء من المسلمين من الكفار يرد إليهم، ولو أسلم فإنه يرد إلى الكفار. فبينا هم كذلك إذ دخل أبو جندل بن سهيل بن عمرو يرسف في قيوده، وقد خرج من أسفل مكة حتى رمى بنفسه بين أظهر المسلمين. فقال سهيل: هذا يا محمد، أول ما أقاضيك عليه أن ترده إلي؛ لأنه ابنه، أبو جندل بن سهيل بن عمرو. فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «إنا لم نقض الكتاب بعد، لم ننتهِ من الكتاب». فقال سهيل: فوالله إذن لا أصالحك على شيء أبدًا. فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «فأجزه لي»، أنا أتركه لك ثم نتفق بعد ذلك. فقال: ما أنا بمجيزه لك، ما سأجيزه أبدًا. قال النبي عليه الصلاة والسلام: «بلى فافعل». قال: ما أنا بفاعل. قال مكرز: بل قد أجزناه لك. ومعنى مكرز: كان جالسًا، وهو مكرز بن حفص من قريش، فقال: بل قد أجزناه لك. لكن سهيل لم يعبأ بكلام مكرز. فقال أبو جندل: يا معشر المسلمين، أرد إلى المشركين وقد جئت مسلمًا؟ ألا ترون ما قد لقيت؟ وكان قد عذب عذابًا شديدًا في الله. فهذا الموقف العظيم الذي حصل في صلح الحديبية، موقف أبكى الصحابة، وأيضًا كذلك تعجبوا من هذا الموقف العظيم، عن كيف رجل من المسلمين أسلم ويرد إليهم، وقد جاء إلينا مسلمًا، ولكنهم لا يعلمون ما الله عز وجل يريده. فالمهم أن النبي عليه الصلاة والسلام لما جاء أبو جندل حاول أن يأخذ أبا جندل معه، معناه يضعه مع المسلمين، لكن أباه لم يوافق، سهيل بن عمرو. وهنا لفتة عظيمة، وهو أنظر كيف أن هؤلاء وإن كانوا اتصفوا بشيء من العقل والرزانة وكذا، لكن يضيع مع الكفر، تضيع هذه الرزانة وهذا العقل مع الكفر. كيف يعذب الرجل ابنه؟ لماذا؟ لأجل أنه اتخذ له دينًا آخر، فيعذبونهم عذابًا شديدًا. وهذا أبو جندل هو ممن قال فيهم، أو رفع النبي عليه... رفع الله عز وجل القتال عنهم، أهل مكة، لأجلهم، لما عندهم من المكانة العظيمة والثبات. ثبتوا على دينهم مع أنهم يعذبون عذابًا شديدًا. المستضعفون الذين كانوا في مكة كانوا يعذبون، لكنهم صبروا على الدين، مع أنهم ما تعلموا ولا أخذوا شيئًا عن النبي عليه الصلاة والسلام، لكنهم عرفوا أن هذا هو الدين الحق، فلهذا ثبتوا عليه. عذبوا وأوذوا في الله جل وعلا، وقيدوا بالسلاسل، لكنهم لم يرجعوا إلى دين الكفار، بل أبقوا، بل ثبتوا على دين الله جل وعلا. ولهذا كما قلنا رفعهم الله عز وجل وأعطاهم حقًا عظيمًا، كما قد ذكرنا في قول الله جل وعلا: ﴿هم الذين كفروا وصدوكم عن المسجد الحرام والهدي معكوفا أن يبلغ محله ولولا رجال مؤمنون ونساء مؤمنات لم تعلموهم أن تطؤوهم فتصيبكم منهم معرة بغير علم﴾. قلنا: إنه رفع الله عز وجل الحرب على قريش، من الأسباب العظيمة أن هناك في مكة أناسًا من المؤمنين، أن قد تكون هذه الحرب تصيبهم، فتصيبهم منكم معرة، معنى: شيء من الشدة والمشقة أو القتل، وهم لا ذنب لهم، بل هم من أهل الإسلام، فتصيبكم منهم معرة بغير علم، معنى: تقتلونهم أو تطعنونهم بغير علم، فيصيبكم شيء من الآثام، يصيبكم شيء من التندم، وغير هذه من الأشياء. فلهذا هؤلاء المستضعفون الذين كانوا في مكة، من الأسباب التي جعل الله عز وجل نبيه أن يصالح قريشًا من أجلهم، معنى: كان الصلح أيضًا من أسبابه أنه لأجل هؤلاء، أنه لا يدخل مكة ويحاربها، لأجل أن لا يُطأ أو يُقتل أحد من هؤلاء. فمقامهم عند الله عز وجل عظيم، وقد تكلمنا في هذا في مسألة حرمة دماء المسلمين، فلهذا فمقامهم عند الله عظيم. وثبتهم الله عز وجل على دينه. فجاء أبو جندل وهو يرسف في قيوده، معنى: يمشي والقيود في رجله، وهو لا يعلم أن أباه كان موجودًا، حتى جاء إلى المسلمين. لما عرف أن المسلمين في الحديبية فرّ وقطع قيوده وجاء إلى المسلمين، معنى: حتى أنه ارتمى مثل الذي لا يدري متى سيصل إلى ذلك المكان، فارتمى بين المسلمين. فقال سهيل: هذا يا محمد، أول ما أقاضيك عليه، هذا أول شيء، لا بد ترجعه إلينا. فحاول معه النبي عليه الصلاة والسلام، لكنه أبى، معنى: رضي لابنه العذاب، وأيضًا هذه القيود، ولم يرحمه. وهذا كما قلنا حال الكفار، حال الكفار تجد أنهم عندهم حقد عظيم على المسلمين، فإذا كان الأمر إسلامًا تجد أنهم يحقدون، حتى لو كان خالف قوانينهم، خالف قواعدهم. انظر الآن إلى هذه الديمقراطية التي يدعونها، الرأي والرأي الآخر، أو حرية الرأي، أو غير ذلك، لكن إذا جاء شيء لا يوافق ما هم عليه من الشهوات أو غيرها، تجدهم يعارضون، وأيضًا يضربون بالحديد، مع أنهم يقولون: الرأي والرأي الآخر، يعطون الناس رأيهم، لكن الإسلام عندهم ليس له رأي. ولهذا تجد مثلًا في بعض الدول حتى المرأة يمنع عنها الحجاب، مثل ما حصل في فرنسا وغيرهم، مع أنهم يدعون الديمقراطية، لكن يمنعون النساء الحجاب، ممنوع المرأة تتحجب وتغطي وجهها عند خروجها، لماذا؟ لأنه يخالف شهواتهم، ويخالف ما هم عليه من الميول للشهوات والزنا وغير ذلك. وأيضًا هم حرب على المرأة، لأن المرأة هي الوكر، المكان الذي يستطيعون أن يفسدوا فيه الناس، وأيضًا ينشروا شهواتهم. فلهذا فهم يعارضون مثل هذه الأمور. فلهذا تجد الكفار يحقدون على هذا الإسلام، فإذا رأوا أن الدين يظهر في منطقة من المناطق، حاولوا بكل ما أوتوا أنهم يصدوا هذا الدين. انظر الآن إلى أمريكا وإلى اليهود وإلى غيرهم، تجد أنهم يصدون أهل الإسلام بشتى الوسائل، بالغزو الفكري، بالغزو أيضًا بنشر الشهوات والملذات، وبنشر الألعاب، وبنشر غيرها من هذه الأشياء عند المسلمين. تجدهم يحاربون أهل الإسلام بكل الوسائل، ولم يستطيعوا أن يحاربوا جهرة إلا في بعض الأماكن، لكن يحاربونهم بالمكر والحيل، وأيضًا بما يستطيعون أن يفسدوا في مجتمعات أهل الإسلام، في مجتمعات أهل الإسلام. ولهذا تجد أنهم يضغطوا على بعض الحكام في بعض القوانين التي تكون في أرض الإسلام وغيرها، أو في بلاد المسلمين، فيضغطوا عليهم في بعض الأشياء، يدخلون من حرية الرأي وحرية الإنسان وكذا، حتى يتسنى لهم الفساد في مجتمعات المسلمين. المهم أن هؤلاء حقد على الإسلام وعلى أهل الإسلام، فلهذا عُذب المستضعفون في مكة أشد العذاب، وكان أبو جندل منهم، رضي الله تعالى عنه. لكن كما قال النبي عليه الصلاة والسلام لأبي جندل: «يا أبا جندل، سيجعل الله لك فرجًا ومخرجًا، سيجعل الله لك فرجًا ومخرجًا». وإن شاء الله تعالى نكتفي بهذا، ونكمل في الدرس اللاحق. فالحمد لله رب العالمين، صلى الله على محمد وآل محمد. ترجمة نانسي قنقر