صلح الحديبية مسائل وأحكام 42

صلح الحديبية مسائل وأحكام 42

الدرس في صلح الحديبية مسائل وأحكام 42، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

أحكام العقود اللازمة وأنواعها مستفادة من صلح الحديبية

يستعرض المقطع قصة أبي جندل في صلح الحديبية وقول النبي ﷺ «إنا لم نكمل الكتاب»، ويستنبط العلماء منها مسائل في العقود عند الاختلاف أثناء العقد، ثم يقسم العقود إلى ثلاثة أنواع: عقود لازمة تلزم الطرفين، وعقود تلزم طرفاً واحداً، وعقود جائزة غير ملزمة يجوز فسخها.

أثر الاختلاف في الشروط الزائدة على العقد مقابل الشروط الأصلية

يبيّن المقطع أن الاختلاف في الشروط الزائدة على العقد لا يفسخ العقد الأصلي ما دام الطرفان اتفقا على جوهره، بخلاف الاختلاف في الشروط الأصلية التي هي من صلب العقد فإن عدم الاتفاق عليها يبطل العقد من أساسه.

أحكام الشروط الفاسدة في العقود وأثرها على صحة العقد

يبيّن المقطع أن العقد يبطل إذا لم يتفق الطرفان على أصله، أما إذا اتفقا على الأصل واختلفا في الشروط فالشرط الباطل لا يبطل العقد، مستدلاً برد النبي صلى الله عليه وسلم شرط الولاء في قصة بريرة، وقاعدة أن كل شرط يخالف كتاب الله فهو باطل ولا يلزم.

خاتمة البحث في الشروط الزائدة في العقود

يختم المتحدث بيان حكم ما زاد على العقد من شروط، مبيناً أن حكمه يختلف حسب الاتفاق أو الاختلاف وكون الشرط باطلاً أو صحيحاً، مستنداً إلى الأدلة الشرعية، ويشير إلى أن المسألة اتضحت مقاصدها رغم كثرة أبعادها وأمثلةها.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، فأخذنا في الدرس الذي مضى في صلح الحديبية، عندما جاء أبو جندل إلى الحديبية، وسهيل بن عمرو وهو أبوه يعقد الصلح مع النبي عليه الصلاة والسلام، فجاء وهو يرصف في قيوده، أنا مقيد قيده أهل مكة أو أبوه لما أسلم وكان يعذب، فلما سمع بأن النبي عليه الصلاة والسلام في الحديبية خرج بقيوده إلى أن جاء إليهم، فقال سهيل بن عمرو: هذا أول ما أقاضيه عليه يا محمد، هذا أول اتفاق. فالنبي عليه الصلاة والسلام لم يوافق على هذا، فقال: «إنا لم نكمل الكتاب بعد، إنا لم نكمل الكتاب بعد». وقد أخذ العلماء من هذا المقطع قول النبي عليه الصلاة والسلام: «إنا لم نكمل الكتاب» مسائل، من هذه المسائل: أن العقود إذا حصل اختلاف بين العاقدين في وقت العقد، هل ينهي العقد كله أم أن العقد باقٍ؟ مثال ذلك: الآن جاء إنسان يشتري بيتًا، فجاء وقال له: كم هذا البيت؟ قال: بكذا وكذا. قال: خلاص، أنا أريد هذا البيت وأنا موافق على هذا السعر. ثم إنه قال له: هذا البيت فيه مثلا إرث، وفيه كذا، المهم ذكر له شيئًا لم يوافق عليه المشتري، أو ذكر له مكانه فرأى بعيدا، قال: هذا البيت بعيد، أنا أريد مثلا في منطقة كذا. فهنا هل يعتبر العقد الأول موافقته؟ هل تعتبر الآن الموافقة لازالت أم زالت؟ هذه المسألة تحتاج إلى تفصيل. أولا: خاصة هذه المسألة تكون في العقود اللازمة. العقود تنقسم إلى ثلاثة أقسام من ناحية لزومها وعدم لزومها: هناك عقود لازمة، معناها تلزم الشخص إذا عقد، لابد أن تلزمه، هذا العقد يلزم العاقد وكذلك المعقود عليه، تلزم الطرفين معه، مثل البيع والإجارة وكذا. مثلا البيع يلزم الطرفين، أيضا النكاح يلزم الطرفين. هناك عقود تلزم طرفًا واحدًا، وطرف آخر يجوز له أن يفسخ العقد، مثل الرهن. الرهن من العقود التي تلزم طرفًا واحدًا، وغالب عقود التوثيق وهي الحوالة والضمان والكفالة وغير ذلك، أكثرها تكون من طرف واحد، وأصرحها الرهن. الرهن يلزم، معناه صاحب الرهن يلزمه أن يضع هذا الرهن، لكن الذي طلب الرهن وهو صاحب المال أو صاحب الدين، ممكن أنه يقول: خلاص، خد رهنك في أي وقت، يقول له: خلاص، خد رهنك، أنا ما أريده، ما أريد رهن. معناه ما يلزمه الرهن، يلزم الطرف الثاني، الطرف الأول الذي هو عنده الدين، فيضع هذا الرهن لأجل هذا الدين، فيلزمه هذا الرهن، ما يقول: لا، خلاص، أنا ما أضع شيء رهن، وقد اتفق على الرهن، فهذا ملزم من طرف واحد. وهناك عقود ليست ملزمة، يسمونها العقود الجائزة. عقود جائزة، معناها ليست ملزمة للطرفين، ممكن في أي وقت يفسخ. وهذا أكثرها عقود الشركات، وعقود المساقاة والمزارعة. إنسان مثلا دخل شريكًا مع إنسان في شركة، سواء كانت هذه شركة مضاربة أو عنان أو غير ذلك. عنان: مضاربة يعطيه مال وهو يشتغل بجهده، أو كلاهما يدفع المال وكلاهما يشتغل، هذه التي تسمى شركة العنان. المهم أنها بأي شركات هذه اشتركا معا، فالطرفان لحدهما أن يفسخ، يقول: خلاص، أنا ما أريد هذه الشركة في أي وقت كان، إلا إذا كان هناك ضرر على الآخر، وإلا الأصل أنه يجوز، يجوز له أن يقول له: خلاص، أنا ما سأشاركك. معنى هذا: رأى أن هذا العقد أو هذه الشركة فاشلة أو كذا، المهم أن له أن يفسخ العقد في أي وقت، تسمى هذه عقود جائزة. والآن نحن ما نتكلم عن العقود الجائزة، نتكلم على العقود اللازمة، سواء كان من طرف أو من طرفين. فإذا كان عقد الإنسان عقدًا من العقود اللازمة، لكنه لم ينهِ العقد، هنا كما قلنا الأمر يحتاج إلى تفصيل. إن كان هذا الذي اختلف عليه في الشروط، في الشروط الزائدة على العقد، في الشروط الزائدة على العقد، فهل يلغي العقد؟ لا، ما يلغي العقد، إلا إذا كان اختلافهم في الشروط الزائدة على العقد، ما يلغي العقد ولا يفسخ العقد، إلا إذا كان عقد فيه خيار، مثل عقد البيع. مثلا: إنسان تبايع مع إنسان في شيء، في بيت، في أرض، في كذا، فقال: هذه أريد، مثلا أنا أول أوافق على الشراء، هذا العقد الآن. ثم اختلفوا في السعر، اختلفوا في السعر، ثم اتفقوا على السعر، لكن اشترط عليه أنه يكون هذا السعر الذي سيعطيه بعضه نقد وبعضه آجل، فرفض هذا البائع، رفض هذا العرض أنه يعطيه نقدًا، جزء منه نقد وجزء آجل، يقول له: أريد نقدًا كله. فاختلفا في هذه الحيثية، فهنا هل العقد يعتبر مفسوخًا؟ مادام أنه عنده الخيار، لأن عقد البيع يكون فيه خيار، يفسخ في نفس الوقت. لكن إذا خرج، اتفق وخرج وذهب إلى بيته ثم رجع، قال: أنا موافق على هذه الشروط، هذا ما يفسخ العقد. كذلك الشروط الزائدة التي تكون في العقود، مثلا عندنا عقد النكاح، لأن عقد النكاح ليس فيه خيار إلا للمتعالي، معنى الطرف الأول وهو العريس، وكذلك أيضا يكون للعروس الفسخ، أقصد يكون للعروس إذا لم يوفي الشروط، معنى اشترطوا عليه شرط ولم يوفي، فلها أن تفسخ. لكن إذا كان وقت العقد، مثلا اتفقوا على النكاح، ثم اشترطوا عليه أن هذه البنت لا تخرج من البلد، معنى لا يخرجها من بلدها، فلم يوافق على هذا الشرط، فهل يعتبر العقد الذي عقدوه انتهى أم العقد باقٍ؟ لا، العقد باقٍ، لأن هذا الشرط زائد على العقد، هذا الشرط الآن زائد على العقد، فإن اتفق على الشرط فبها، وإن لم يتفقوا واتفقوا على العقد أو تنازل أحدهما، فالعقد يكون صحيحًا. لكن إن لم يتفق على هذا الشرط، فمعنى ذلك أن العقد الأصلي أيضًا يلغى. إن شاء الله فهمتم هذا. وأما إن كان كما قلنا الاختلاف في نفس العقد، في صلب العقد، فهنا يلغي العقد من أساسه. ولهذا النبي عليه الصلاة والسلام قال له: «إن لم نقضِ الكتاب بعد»، أنا ما اتفقنا ولم نختم الكتاب بعد، حتى تقول أن هذا موجود في الاتفاق الآن. النبي عليه الصلاة والسلام ذكر له سهيل أن من جاء منكم إلينا لا نرده إليكم، أن من جاء من المسلمين إلى المشركين لا يرد، خلاص يأخذونه، ومن جاء من المشركين إلى المسلمين، معنى أسلم ودخل الإسلام وجاء من المشركين، من عند الكفار، كفار قريش إلى المسلمين، فإنه يرد إليهم. هذا الاتفاق الذي أو هذا البند الذي قاله سهيل بن عمرو، فمازالوا في المحاورة، جاء أبو جندل. معنى لم يتفق النبي صلى الله عليه وسلم، لم يوافق أولا على هذا العرض، جاء أبو جندل، فقال سهيل بن عمرو: هذا أول ما أقاضيك عليه يا محمد، معنى هذا سيدخل في الاتفاق، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «إنا لم نفرغ من الكتاب بعد»، أنا ما فرغنا من الاتفاق، فلهذا، لأن هذا من أصل العقد، من أصل الصلح، هذه الشروط هي شروط الصلح الذي سيصطلحون عليه، معنى تكون من أصل العقد، فلهذا لابد أن يتفقوا على هذا، وإلا يكون الصلح غير صحيح، أو يكون هذا العقد مفسوخًا، معنى ليس عقدًا صحيحًا، ما دام أنهم لم يتفقوا على الشروط الأصلية التي في العقد، لأن هذا عقد صلح، عقد الصلح يحتاج إلى شروط حتى يكون عقدًا صحيحًا، فإذا لم يتفق، فيكون العقد غير صحيح من أصله. فلهذا النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن لم نفرغ من الكتاب بعد». لكن لما رآه قال: والله لا أقاضيك، يعني إذا لم ترد هذا، معنى على ابنه، قال: ما سأقاضيك على شيء. والنبي عليه الصلاة والسلام أمره الله عز وجل أن يصطلح، هذا الصلح، ولهذا قال عليه الصلاة والسلام: «ما يطلب مني خطة يعظمون فيها حرمات الله إلا أعطيتهم إياها». ولهذا الزهر رحمه الله وهو من فقهاء الحديث، فلما جاء بهذا المقطع قال: وهذا لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «ما يسألوني خطة يعظمون فيها حرمات الله إلا أعطيتهم إياها». النبي عليه الصلاة والسلام قال لسهيل: «أجزه لي»، خلاص أعطيني هذا، أول هذا، خلاص لا تدخله في الكتاب، أجزه لي. قال: ما أنا بمجيزه. قال: أجزه لي. قال: ما أنا بمجيزه، إما إن تريد هذا وإلا ما سأقاضيك على شيء. فالنبي، فالنبي صلى الله عليه وسلم لأجل الصلح، لأنه مصلحة عظيمة، قدم الصلح، قدم الصلح، وقدم معنى جريان الصلح، فجرى الصلح بعد ذلك، وأخذ سهيل إلى مكة، أخذه أبوه إلى مكة. المهم أن هنا المسألة الأساسية كما قلنا، هو أن العقد إذا لم يتفق على أصله، فالعقد باطل، وأما إذا كان اتفقوا على أصل العقد، ثم اختلفوا في الشروط، فبحسب اختلافهم في الشروط، فقد يكون الشرط غير صحيح، قد يكون الشرط باطلًا غير صحيح، فإذا كان الشرط باطلًا لا ينفي العقد ولا يبطل العقد. ودليل هذا ما جاء في الصحيحين من حديث عائشة رضي الله عنها، أن بريرة جاءت إلى عائشة، وكانت مملوكة لأناس، جاءت إلى عائشة وقالت: يا أم المؤمنين، إن أسيادك تبوني على تسعمائة درهم، فأريدك أن تساعديني في ذلك، لأنها امرأة ما تستطيع أن تذهب تعمل وكذا تأتي بمن. فجاءت إلى عائشة، فقالت لها عائشة: سلي أسيادك، إن أرادوا أن نعدها لهم عدا، أنا سأعطيهم تسعمائة درهم نقدًا، وإن أرادوا مثلا عاجلًا، معنى كلامها: سأعطيهم حتى على دفعات. فذهبت بريرة إلى أسيادها وقالت لهم: إن عائشة رضي الله عنها أم المؤمنين تقول كذا وكذا. قالوا: نحن موافقون، لكن بشرط أن يكون الولاء لنا. الولاء، معنى الخدمة والمحبة تكون لهم، معنى عائشة التي تعتقها، والمحبة والخدمة تكون لهم، معنى ما تكون عبدة، تكون مولى، المولى حر لكن يخدم سيده لأنه أعتقه. فذهبت هذه بريرة وقالت لعائشة هذا الكلام. فلما جاء النبي عليه الصلاة والسلام أخبرته عائشة بذلك، فغضب النبي صلى الله عليه وسلم، قال: «إنما الولاء لمن أعتق»، كيف يشترطون الولاء؟ فخطب النبي صلى الله عليه وسلم في الناس وقال: «ما بال أقوام يشترطون شروطًا ليست في كتاب الله؟ فمن اشترط شرطًا ليس في كتاب الله فهو باطل، وإن كان مائة شرط». ثم أنه قال لعائشة: «أعتقيها ولك الولاء». معنى لم يأخذ بشرطهم، لأن الشرط هم باطل. فإذا كان مثلا في العقد شرط باطل، ممكن أن الإنسان لا يلتزم به. أحيانا مثلا أيضا في العقود، عقود النكاح، يكون هناك شرط باطل، مثلا بعضهم يقول: يأتي، معنى بعض النساء القديمات وكذا، تقول من شروطها تجعل زوجها يشترط على المتقدم الذي يريد ابنتهم، تقول من شروطها: أن تذهب إلى الغناء، تذهب أي غناء عند أهلها وعند غيرهم، تذهب إليه، هذا شرط باطل، أولا هذا الغناء الذي فيه أغاني فيه كذا، أولا محرم، وهذا ما يلزمه، فهو شرط باطل، ولا ينفي العقد، ولا ينفي العقد. فمثلا لو سكت عليهم ولم يلتزم بعد ذلك، فليس لهم فسخ هذا، فقط شرط بسيط، معناه: كل شرط يكون فيه محرم، معناه يشترطون شرطًا محرمًا، سواء كان هذا الشرط من العريس نفسه المتزوج الذي يريد الزواج، أو من العروسة، أو من أهلها، أي شرط باطل في العقد، فهو ليس ملزمًا لأحد الطرفين. فلهذا فالعقود هنا كما قلنا تحتاج إلى تفصيل، فمتى يكون فسخ ومتى لا يكون فسخ؟ فكما ذكرنا، وهذا شيء مما يذكر فيه، وأصل كما قلنا المسألة: قول النبي صلى الله عليه وسلم: «إنا لم نفرغ من الكتاب». فإذا كان العقد كاملًا، العقد، هذا البنود من أصل العقد، فهذا العقد يكون مفسوخًا، ويلغى العقد. وأما كان شيء زائد على العقد، فهذا بحسب، إن اتفق أو اختلف، أو كان شرطًا باطلًا أو غير ذلك، فهذا بحسب ما يكون في هذه العقود. فهذه المسألة أخذت من هذا الدليل، وإن شاء الله قد وضحت هذه المسألة، وإن كان أبعادها كثيرة وأمثلتها كثيرة، لكن هذا المقصود من المسألة. إن شاء الله نكتفي بذلك، والحمد لله رب العالمين.