الدرس في شرح مسائل الجاهلية 122، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يتناول المقطع الأول التناقض الواضح في أقوال وأفعال أهل الجاهلية والكفر، حيث لم يتفقوا على معبود واحد أو عقيدة واحدة. هذا التناقض هو نتيجة إعراضهم عن الحق وعدم اتباع دين الله سبحانه وتعالى.
يبين المقطع الثاني أن التناقض والاضطراب من صفات أهل الجاهلية، وهذه الصفات تنتقل إلى بعض أبناء الأمة الإسلامية إذا أعرضوا عن الحق، ويضرب أمثلة على ذلك بأئمة مثل الرازي والغزالي.
من أعرض عن الحق وقع في التناقض والاضطراب، بينما من تمسك بالحق سلمه الله من التناقض والاضطراب، وهذا ما عليه أهل السنة الذين يردون الخلاف إلى الله والرسول.
يُثني على ثبات أهل السنة على معتقداتهم بفضل اتباعهم للحق، ويطلب من الله أن ينفعهم بما قاله ويصلي على النبي محمد وآله وصحبه.
إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، ما يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: السادسة عشرة بعد المئة، التناقض الواضح لما كذبوا بالحق، كما قال تعالى: ﴿بل كذبوا بالحق لما جاءهم فهم في أمر مريج﴾. هذه الفقرة، إخواني في الله، وهي خصلة من الخصال الظاهرة المستفيضة المتواترة، والتي أصابت كل من أعرض عن الحق، وهي من أعظم ومن أشهر صفات أهل الجاهلية. قوله: التناقض الواضح، التناقض بمعنى تضارب الأقوال واختلافها. التناقض هنا بمعنى تضارب الأقوال واختلافها. وهنا عبر المؤلف رحمه الله تعالى: التناقض الواضح، أي هذا التناقض وهذا الاضطراب الذي حصل من أهل الجاهلية ليس بالتناقض الخفي، بل التناقض الذي يحتاج إلى تتبع، لا ما يحتاج إلى ذلك، من أول نظرة، من أول وهلة تنظر في حياة أهل الكفر، تنظر في أحوال أهل الجاهلية ترى التناقض واضحًا جليًا. انظر يا عبد الله إلى أهل الجاهلية وإلى أهل الكفر والشرك في أبد الآبدين وفي قديم الزمان إلى هذه الأزمان، انظر إلى معبوداتهم، هل اتفقوا على معبود واحد بعد كفرهم بالله؟ لا، ما اتفقوا على معبود واحد. كم هي المعبودات التي عُبدت من دون الله سبحانه وتعالى؟ ذاك الذي عبد العجل، ذاك الذي عبد البقر، ذاك الذي عبد البشر، ذاك الذي عبد الشجر والحجر، وآخر عبد اللات، وذاك عبد العزة، وذاك عبد هبل، وآخر عبد ود، وذاك سواع، وذاك يغوث، وذاك يعوق، وذاك نسرًا. أهل مجر مئات، بل لا أقول مئات، ولا أقول بالآلاف، بل أقول بالملايين، من عهد نوح عندما ظهرت الأصنام إلى هذه الأزمان، كم وكم يا عبد الله من الآلهة التي عبدت؟ لم تتفق من الكفر على اختياره معبود تعبده من دون الله سبحانه وتعالى، في أمرهم مريج، يمرجون في هذا الأمر، يتخبطون فيه. وهكذا انظر كذلك لأهل الكتاب، انظر إلى النصارى، مع تعظيمهم لعيسى عليه السلام، مع ذلك هم اختلفوا فيه. وقد حكى ربنا سبحانه وتعالى في القرآن أقوال النصارى في عيسى، فمنهم من قال بأن عيسى هو ابن الله، وهذا الذي مشهور عندهم، وطائفة أخرى لا تصرح بأن عيسى ابن الله، بل يقول: هو ثالث ثلاثة، ثلاثة أقانيم في أقنوم واحد، ثالث ثلاثة: الأب والروح والابن، أو الأب والابن وروح القدس، ثالث ثلاثة، ثلاثة أقانيم في إقنوم واحد. ومنهم من كان من الغلاة الجفاة من قال بأن عيسى هو الله، بأن عيسى هو الله. هم كلهم في منظومة النصارى، كلهم على هذا الدين، ومع ذلك انظروا في أصل العقيدة، لا أقول في فرعيات العقيدة، بل في أصل دينهم تنازعوا، تنازعوا حتى في معرفة ما هي عيسى عليه السلام؟ هل هو الله؟ أم أنه ابن الله؟ أم أنهم ثالثة مجموعة من الآلهة في إله واحد؟ هم تفاوتوا في هذا. وهكذا انظر ما قام به الكفار في طعنهم وتطاولهم على نبينا عليه الصلاة والسلام، عندما أعرضوا عن دعوته وأنكروا أنه مبعوث من قبل ربه، على ماذا اتفقوا بعد إنكار بعثته؟ هل اتفقوا على أمر موحد، على أمر واحد؟ لا، اضطربوا في هذا، فمنهم من قال: ما نظن ذلك إلا ساحرًا، فقالوا: هو ساحر، ومنهم من قال: لا، بل هو كاهن، دون ذلك، ومنهم من قال: لا، ليس ساحرًا ولا كاهنًا، بل هو مجنون، به مس، ومنهم من قال: إنه معلم من قبل أناس من العجم يعلمونه. وهكذا يتنازعون في ذكر حقيقة الرسول بعدما أعرضوا عن الحق، فهذه المسألة، إخواني في الله، هذه التناقضات جلية واضحة، من نظر في كتب التاريخ إلى أحوال الأمم، وهكذا في الأزمان المعاصرة، في تلك المجتمعات الجاهلية الكافرة، يرى التناقض واضحًا إلى مسه في حياتهم، وفي دينهم، وليس من الأمور الفرعية، بل في أصل اعتقادهم، في أصل اعتقادهم تنازعوا. وهذا الذي وقع فيه الكفار، هذه نتيجة، بل هذا مما أخبر عنه ربنا سبحانه وتعالى أن الله ابتلاهم بهذا الأمر، وهو التناقض، التضارب في الأقوال والاعتقادات والسلوك، والدليل على ذلك هذه الآية التي بين أيدينا، والتي استدل بها المؤلف رحمه الله تعالى، ألا وهي قوله جل وعلا: ﴿بل كذبوا بالحق لما جاءهم فهم في أمر مريج﴾. قال علماء: المريج هو المتلف المتلف المختلف، إذن سيكون أمر هؤلاء هو الاضطراب والاختلاط والاختلاف. يقول ابن كثير رحمه الله تعالى، مفسرًا هذه الكلمة وهذه الآية، قال رحمه الله تعالى: وهذا حال كل من خرج عن الحق، وهذا حال كل من خرج عن الحق وآل إلى أهل الكفر، أن نصيب الأوفر، أهل الكفر عندما أعرضوا عن دين الله سبحانه وتعالى، علموا الحق وعاينوه، وعاينوه، إلا أنهم ولوا عنه مدبرين، فكان من أمرهم أن عاقبهم الله سبحانه وتعالى بهذا الذي عاقبهم به، أن جعلهم في تناقض، جعلهم في تطراب، جعلهم في اختلاف، ما اتفقوا على عقيدة واحدة قط، يدب فيهم التنازع في فترة، ولربما كلما تقادم بهم العهد ازداد تنازعهم. النصارى كم الجيل عندهم الآن؟ أربعة أناجيل، أربعة أناجيل عند النصارى، هو كتاب واحد، لكن انظر إلى أمة محمد عليه السلام، انظر إلى أصول اعتقادها، كلها موحدة، نبيهم واحد، قبلتهم واحدة، ربهم واحد جل في علاه، كتابهم واحد، على مرور الأزمان وتقادم العهود على الأمة الإسلامية، وهذه الأصول هي موحدة، لم تختلف، لم تضطرب، لم تختلف؛ لأنها من عند الله سبحانه وتعالى؛ لأن هذا هو الحق، ومن صفة الحق أنه لا يتعدد، وأنه لا يضطرب، وأنه لا يتناقض، بل من صفة الحق ومن صفة أهل الحق كذلك أنهم لا يتناقضون، لا يتناقضون. إذن في قول المؤلف رحمه الله تعالى: ﴿بل كذبوا بالحق لما جاءهم فهم في أمر مريج﴾، هذه دلالة على أن من أعظم صفات أهل الجاهلية أنهم يتناقضون، وأنهم يضطربون. فإذا كان كذلك، فإذا كان هذا الأمر كان عند أهل الكفر، إذن سيكون لأبناء هذه الأمة نصيب من هذا الحظ، وهذه من الآيات الكونية، وقد مر ذكرها، أن ما يقع في المجتمعات الجاهلية وفي مجتمعات الكفار، فإن ذلك سيتسلل إلى بعض أبناء هذه الأمة، إلى بعض أبناء هذه الأمة. فهل وجد هذا فيهم التناقض وكذلك الاختلاف؟ نعم، هذا وجد فيهم، في حق من أعرض عن الحق، فمن كانت حاله كحال أهل الكفر، ممن أعرض عن الحق عنادًا واستكبارًا واتباعًا للهوى، فإنه سيصيبه مثل ما أصاب القوم، فإنه يعيش في تناقض، ويعيش في اضطراب، ويعيش في اختلاف، ما سيعلم، وما سيعيش بما يسمى بالراحة النفسية أو طمأنينة البال، حاشا، هذا ليس من نصيب المخالف للحق. وانظر يا عبد الله إلى أعظم من ابتلاه الله بهذه الخصلة، ألا وهي التناقض، من كان من أهل البدع والأهواء؛ لأن أهل البدع والأهواء أعرضوا عن الحق، وهو أمامهم، لكنهم ركبوا الهوى، لكنهم ركبوا الهوى، سواء من كان خلافه للحق في باب الألوهية، أو في باب الربوبية، أو في باب الأسماء والصفات، أو في باب العبادات والمعاملات، أو في باب المنهاج والسلوك، كل من أعرض عن الحق. انظر إلى حاله يا عبد الله، هو في نفسه، وكذلك هو مع جماعته، تجد أن حالهم لا يستقر على حال، وإنما يتناقض من فترة إلى فترة، من حالة إلى حالة، من زمن إلى زمن. بل أهل البدع ممن حباهم الله في آخر أوقاتهم وآخر أعمارهم بالهداية، صرحوا بالذي صرحوا به، بأنهم كانوا في حيرة، وأنهم كانوا في تطراب. الرازي، صاحب كتاب أقسام اللذات، وكان من علماء الكلام، صرح بما بلغ به الحامل للتطراب، وأنشد في ذلك أبيات مشهورة معروفة، قال في بدايتها: نهاية إقدام العقول عقال، وغاية سعي العالمين ضلال، ولم نستفد طول عمرنا سوى أن جمعنا فيه قيل وقالوا، وأرواحنا في وحشة من أسادنا، وحاصل أذان أذن ووبال، وكم من جبال على شرفاتها رجال فزالوا والجبال جبال. الحاصل يقول: إن في طول عمره الذي قضاه في سلك علم الكلام والدخول في الفلسفة والمنطق، ما استفاد منه إلا قيل وقال، قال فلان وقلنا، وقال فلان وقال فلان، يجمع الأقوال ولا يستطيع أن يرجح بينهم، تناقض واضح، تناقض واضح، ما استطاع أن يجمع ما عنده إلا حصيلة من الملفات، قال وقال، قال فلان وقال، ما الراجح بينهم؟ ما استطاع أن يهتدي. هذه عقوبة من الله سبحانه وتعالى الذي يعرض عن الحق، يجعل ربنا أمره في لبس، يجعل أمره سبحانه وتعالى في تناقض، تضطرب عليه الأمور، تشتبه عليه المسائل، لا يعرف أين الراجح من المرجوح، أين الحق من الباطل؟ وذلك عندما زاغ قلبه، فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم، أعرضوا عن الحق فكان من زيغانهم أن اضطربوا في أمورهم. الغزالي، وكثير من هؤلاء، الغزالي وهو حجة الإسلام الغزالي، يعتبر من عباقرة العالم، صرح العلماء بأنه كان من الأذكياء؛ لأن الأذكياء النادر وجودهم في الدنيا، سعة علم، سعة الذكاء، سعة فطنة، لكنه ما جعل عقله يدله على الحق، وإنما اتكل على عقله، اتكل على عقله فتخبط، فتخبط في هذه المناهج الموجودة، دخل في علم الكلام، دخل في علم المنطق، دخل في علم الفلسفة، حتى برع، حتى برع. بل إن شيخه من مشائخه كان الغزالي ألف كتاب الفلسفة، ولا أستحضر هذا الكتاب الآن معروف، ألف كتاب الفلسفة، فالغزالي هو الطالب، عرض رسالته على شيخه، ما تقول في هذه الرسالة يا شيخ؟ ماذا قال شيخه؟ قال: يا غزالي، دفنتني وأنا حي، هل لانتظرت حتى أموت؟ يعني قوة الكتاب هذا أنه سينسي الناس علم الشيخ، يعني قوة الكتاب كان قويًا في الفلسفة. قال: دفنتني وأنا حي، هل لانتظرت حتى أموت؟ ثم خرج بعد قوة اطلاع، خرج وانتقل إلى التصوف، ودخل في التقشف، ودخل في الزهد، ودخل في الروحانيات، وترك الماديات، حتى ألف كتاب إحياء علوم الدين، وأنا هنا عما في هذا الكتاب من الروحانيات، زد على ذلك عما فيه من الشطحات، حتى أصبح من الأولياء، من العارفين في هذا الدين. ومع ذلك ما استقر به الحال، ألف إحياء علوم الدين، حتى برع في علم التصوف، حتى قال من قال في كتاب الإحياء: كاد الإحياء أن يكون قرآنًا، كاد الإحياء أن يكون قرآنًا، لقوة كلامه ودخوله في علم الروحانيات، ومع ذلك ما استقر به الحال، ماذا كان أمره؟ جاءته المنية وصحيح البخاري على صدره، صحيح البخاري على صدره، إشارة كما قال العلماء؛ لأنه رجع للسنة، خاتمة السنين التي قضاها في عمره ودهره، كلها قضاها في تخبط من منهج إلى منهج، من منهج إلى منهج، وما رجع إلا للسنة أخيرًا. بل الشوكاني رحمه الله تعالى، وهو يترجم عن نفسه، صرح بهذا، صرح أنه في بداية أمره، أنه في عنفوان شبابه، أنه كان على جد وحماس، أنه دخل وأقبل على العلوم، العلوم من علم الكلام والبدع والأهواء، ثم قال: ولم أستفد من ذلك إلا الخيبة، قال: وكان ذلك من أعظم الدوافع إلى الرجوع للسنة، لما رأى التخبط، التخبط من فكرة إلى بدعة، من بدعة إلى مزلة، من مزلة إلى تناقض، ما استطاع. بل صرح قال: ما استفدت إلا الخيبة والخسارة، فكان هذه التناقضات التي حصلها من هؤلاء، قال: كان ذلك دافعًا إلى أن يرجع إلى مذهب السنة. أبو الحسن الأشعري رحمه الله تعالى، كيف كان؟ كان معتزليًا، كان معتزليًا، وبقي في الاعتزال أربعين سنة، يدافع وينافح عن هذا المنهج، ثم بعد ذلك رجع، رجع إلى أين؟ للتناقضات التي يراها. فهكذا، إخواني في الله، فإن عقوبة من أعرض عن الحق، ومن صد عنه، أن الله سبحانه وتعالى يجعل أمره في لبس، في تطراب، ووجه ذلك، إخواني في الله، وجه ذلك: أن من ترك الحق فإنه سيقع في باطل، وهذا لا شك فيه، فماذا بعد الحق إلا الضلال؟ من لم يأت بالحق فإنه سيقع في ضلالة، والضلالة يا عبد الله متاهة، من وقع في ضلالة، حينها سيقع في متاهة، لا يعلم بها إلا الله سبحانه وتعالى. ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافًا كثيرًا، وصف ربنا هذا الاختلاف الذي في الباطل اختلاف عظيم، وهذا الذي ترى يا عبد الله في واقع الناس ممن أعرض عن الحق. وهذا نحن نرى كم من أناس لو ربما يضطرب، يبقى في أوائل عمره ثلاثين سنة على رأي، وما تأتي عليه سنوات إلا وغيّر رأيه، ثم سنوات، ثم غيّر رأيه، وهكذا يغيّر رأيه في نفسه، في نفسه، فضلًا عن جماعته، فضلًا مع أصحابه، يتناحرون فيما بينهم. وأما من تمسك بالحق يا عبد الله، فإن الله سلمهم من التناقض، سلمهم من الاضطراب، وهذا الذي عليه أهل السنة، أهل السنة، كم يقال؟ لما وحدوا طريقهم إلى الله سبحانه وتعالى، سلمهم الله، فإن تنازعتهم في شيء، فردوه إلى الله والرسول، فكان هذا النبراس، وهذا المنهاج سبيل التوحيد، ومن ثم اجتمعت الكلمة، فلا التطراب بينهم، لا اختلاف بينهم، ولا تناحر بينهم. يعني حتى ولو وقع اختلاف فيما بينهم فيما يسع فيه الاجتهاد، فإن المودة تبقى. انظر يا عبد الله إلى أئمة المذاهب الأربعة، كيف كان حالهم؟ كيف كانت الاختلافات الكثيرة، كثيرة جدًا. انظر يا عبد الله في فقه الفروع، كم من مسائل التي بين هذا المذهب وهذا المذهب، وهذا المذهب، اختلاف في مسائل في الدين، ومع ذلك كان الود، وكان الاحترام، وكان التعظيم فيما بينهم، لا هذا كفر ذاك، ولا ذاك ضلال، لا ذاك، ولا ذاك بدعة، ذاك بخلاف أهل البدع. أهل البدع كما يقول مشايخنا: ربما جماعة تدخل في غرفة، هم جماعة على فكر واحد، يدخلون في غرفة يؤصلون مسألة على خلاف الحق، فيخرجون منها بأربع فرق، هي فرقة واحدة يخرجون بأربع فرق، وليس خروجًا عاديًا، بل كل فرقة تكفر الأخرى: أنتم كفرتم، بل أنتم ضللتم، بل أنتم ارتدتم، فيخرجون من الغرفة وقد كفر كل واحد منهم الآخر، واستباح دمه، واستباح ماله، واستباح عرضه. وهذا، إخواني في الله، شؤم إعراض عن الحق، فانتبه يا عبد الله أن تعرض عن الحق وأنت تعلم أن هذا هو الحق، وإنما عليك يا عبد الله أن تتأسى بما كان عليه سلفنا الصالح، فإن وجد اختلاف فيما يسع فيه الاختلاف، فإن ذلك لا يجعلك كما كان عليه أهل البدع والأهواء من التناحر، وهكذا من تكفير بعضهم لبعض. فهذا، إخواني في الله، فيما يتعلق بهذه المسألة: التناقض الواقع الواضح لما كذبوا بالحق، وكما قال ابن كثير رحمه الله تعالى: وهذا حال كل من خرج عن الحق، كل من تعمد أن يخرج عن الحق ويصد عن الحق. وهذا كما نرى في هذه الأزمان، تأتي فتاوى العلماء في مسائل النوازل، في مسائل الشبهات والشهوات، في مسائل القتل والقتال، في مسائل النوازل، فإذا بالناس يعرضون عنها، وجماعات تعرض عنها، فيذهبون إلى أقوالهم أحدثوها، وبعد ذلك يضطربون، وبعد ذلك يضطربون. وليس هذا مقام ذكر الكثير من المسائل العصرية التي قام الكثير من الدعاة، مما ليسوا على السنة، وليسوا على منهاج السنة، وما كانوا من أبناء الدعوة السلفية قط، عندما خرجوا عن أقوال العلماء وخرجوا عن منهاج السلف الذي جاء ذكره في الكتاب والسنة، فإذا بأمرهم يتخبطون، تارة يمدحون ذا، وتارة يذمونه، وتارة يقفون فيه، وتارة يحللون، وتارة يحرمون، وتارة يتخبطون، وهكذا دواليك يا عبد الله. ثم ترجع إلى أهل السنة تجدهم على ثبات مما هم فيه، وذلك من بركة اتباع الحق، فأسأل مولاي جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.