الدرس في شرح مسائل الجاهلية 27، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يشرح كيف اعتاض أهل الجاهلية عن كتاب الله بكتب السحر، مستدلًا بقول الله تعالى عن اليهود، ويظهر خطورة هذا الاستبدال وعقوبة الإعراض عن شرع الله. يُبين أن هذا الاستبدال كان نتيجة نبذ كتاب الله وراء ظهورهم.
يفسر الآية الكريمة واتبعوا ما تتلو الشياطين على ملك سليمان، مبينًا تفسيرين للآية ويشرح اعتماد تفسيرها على الإسرائيليات والمراسيل. يُظهر أن هناك اختلافًا في فهم معنى 'على' و'تتلو' في الآية.
يشرح كيف يؤدي إعراض الناس عن كتاب الله وسنة نبيه إلى استبدالهم بالباطل والسحر، ويبين عاقبة هذا الإعراض. يُظهر أن اتباع الباطل والسحر هو نتيجة للإعراض عن الهدى.
إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: السادسة عشرة اعتياضهم عما آتاهم الله بكتب السحر، كما ذكر الله ذلك في قوله: ﴿نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ كِتَابَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ * وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ﴾. في هذه الفقرة بين رحمه الله تعالى ما كان من طبيعة أهل الجاهلية أنهم اعتاضوا عما آتاهم الله بكتب السحر. فقوله رحمه الله تعالى اعتياضهم، بمعنى العوض والبدل، العوض والبدل من قولهم اعتاض منه، أي أخذ منه اعتاض منه بمعنى أخذ منه العوض، ومن قولهم كذلك استعاض كذا بكذا، أي استبدل كذا بكذا. فإذا الاعتياض بمعنى أخذ العوض والبدل، فهنا اعتياضهم بماذا استبدلوا؟ اعتياضهم عما آتاهم الله بكتب السحر، بئس العوض هذا العوض، استبدلوا بكتاب الله جل وعلا وما آتاهم الله سبحانه وتعالى من دين وشعير وشريعة. قال رحمه الله تعالى اعتياضهم عما آتاهم الله بكتب السحر، وهذه مسألة إخواني في الله، ذكر المؤلف رحمه الله تعالى ما كان عليه أهل الجاهلية في أمر الجاهلية، فإن السحر قد فشى وانتشر وعم وطم بكثرة حتى جاءت بعثته عليه صلى الله عليه وسلم. كانت موقفة لتنزل الشياطين على الكهان، فلما ذهب زمنه عليه الصلاة والسلام ورجعت الأمور إلى أخف ومساءل السحر كثيرة، ولسنا نحن في هذا المقام، وليس هذا المقام في ذكر مساءل السحر ما يتعلق بالتعريف والحكم، إنما همنا في هذا المقام أن نذكر هذه الفقرة، وهو كيف أن أهل الجاهلية ومن كان قبلهم اعتاضوا استبدلوا بما آتاهم الله جل وعلا من دين وشعيره بكتب السحر. فقال رحمه الله تعالى: كما ذكر الله ذلك في قوله، أي الدليل على هذا الفعل قوله سبحانه وتعالى: ﴿نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ كِتَابَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾. قوله سبحانه وتعالى: ﴿نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾، وهذه الآية كان سياقها يتكلم عن اليهود، وهم من الذين أوتوا الكتاب، كان من شأن اليهود أنهم نبذوا كتاب الله، وما معنى النبذ؟ النبذ بمعنى الطرح، يقال نبذ ما في يده، أي طرح ما في يده. فاليهود ما الذي فعلوا؟ أنهم نبذوا كتاب الله، وانظر لهذا التعبير القرآني نبذ، النبذ ما يكون إلا لشيء كان موضوعا في اليد ثم طرح، أي أن اليهود كان الكتاب وكانت الشعير والشريعة والدين والملة كانت في أيديهم، كانت في أيديهم التوراة كانت بأيديهم، بإمكانهم أن ينتفعوا بها، بإمكانهم أن يعملوا بما فيها. قال سبحانه: ﴿كِتَابَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ﴾، أي وهذه كناية على الترك، جعلوها خلف ظهورهم، تركوها لهذه الدرجة، ﴿كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾، كأنهم لا يعلمون ما فيها، وهذه إشارة قرآنية إلى أن اليهود كأنهم يدعون أنهم لا يعلمون شيئا يتعلق ببعثة نبينا عليه الصلاة والسلام. وهذا كان من أسباب نبذ التوراة وعدم العمل بما فيها، لما رأوا من المبشرات الدالة على بعثة نبينا عليه الصلاة والسلام، كان في التوراة قد سجل ما يتعلق ببعثة نبينا عليه الصلاة والسلام، من أنه سيأتي نبي اسمه أحمد، ومن صفاته ومن أوصافه، وما يتعلق بنسبه، وما يتعلق بكثيم حياته عليه الصلاة والسلام. فلما رأوا هذه المبشرة أمامهم تركوها وكأنهم لا يعلمون، وقد مرت معنا هذه الفقرة قبل فقرات سابقة، كيف أن اليهود كانوا يدعون عدم معرفتهم بنبينا، وهم من أعرف الناس برسول الله، يعرفونه كما يعرفون أبناءهم. ثم قال سبحانه وتعالى: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ﴾، وانظر للجزاء، وانظر العقوبة التي حلت عليهم، أنهم لما أعرضوا عن كتاب الله جل وعلا، بماذا تم الاستيعاض؟ تم الاستيعاض بكتب السحر، انظر لهذا الاستبدال، استبدلوا الذي هو أدنى بالذي هو خير، تركوا الكتاب والكتاب المقدس الذي بين أيديهم، وأعطوا السحر. وهنا استفاد العمد تلك القاعدة، ستأتينا على أن من أعرض عن شرع الله جل وعلا، فإن الله جل وعلا يجعله يستبدل بما هو أدنى، وما هو الشر وما فيه هلاك في الدنيا والآخرة، فهؤلاء لما أعرضوا عنادا واستكبارا عما أنزل الله، أعطاهم الله واستبدلهم بالسحر، فزادوا شقاء على شقاء وهلاك على هلاك. قال سبحانه: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ﴾، وما يتعلق بهذه الآيات، وخاصة هذه الفقرة، قرأ القراءة حمل المعنى على أن على هنا بمعنى في، أي واتبعوا ما تتل الشياطين في ملك سليمان، والملك بمعنى العهد، بمعنى عهد سليمان. وفسر جماعة من العلم أن عهد سليمان، أن الذي عهد سليمان إلى قومه، سليمان عليه السلام عهد إلى قومه أن يفعل الأمور، يفعل الأشياء عقائد أحكام شرائع، هذا عهد سليمان الذي أعطاهم إياه، لكن ماذا فعل قوم بعده؟ اتبعوا ما تتل الشياطين بمعنى في ملك سليمان، أي في عهد سليمان مما أضافوه وزادوه الشياطين. وهناك معنى آخر، وهي أن كلمة واتبع ما تتل الشياطين، أن تتل تضمن معنى الكذب، وهذه مسألة إخواني في الله، مرجع إلى علوم القرآن، ما يتعلق بحروف الجر، أن العلماء لهم طرق في حروف الجر، حروف الجر تتناوب تتناوب معانيها على حسب السياق. والعلماء في مسألة النصوص الشرعية التي فيها حروف الجر، أن منهم من أهل العلم من يتصرف على حرف الجر، وإذا رأى أن حرف الجر لا يلائم الكلمة التي أدخلت فيه، فإنه يأتي بحرف جر آخر يناسب السياق. وقولهم: ﴿سِيرُوا فِي الْأَرْضِ﴾، قالوا فيه معنى الظرفية، إذن هذا لا يتلاءم إذا معنى فيه، أي على الأرض، يغير حرف الجر إلى حرف آخر، فيقول حروف الجر تتناوب في المعاني، فيقول هنا في عهد سليمان بمعنى في عهد سليمان، على بمعنى فيه، وهذا مذهب أهل الكوفة. وهذا الذي يسميه ابن القيم رحمه الله تعالى أن هناك من النحاة من هم ظاهرية النحاة، وعند من هم فقهاء النحاة، هؤلاء الذين يضمنون الفعل فعلا آخر، يسميه ابن القيم رحمه الله تعالى بفقهاء النحاة، وأما من يلتزم بحرف الجر، يقول هذا من ظاهرية النحاة. وهذا مسألة ما يرجع إلى علوم القرآن، يرجع في مضانها، وإن كان كثير من المحققين يحبذون مسألة تضمين الفعل، أنك إذا جئت إلى نص ورأيت أن حرف الجر لا يتلاءم مع الكلمة، فعندك أسلوبين، إما أنك تذهب إلى حرف الجر فتعطي تأتي حرف جر يناسب السياق، هذا وجه، أو أنك تبقي حرف الجر على ظاهره، لكن تأتي إلى الفعل المذكور في النص، فتعطيه معنى يناسب المعنى المذكور مع حرف الجر. وكثير من المحققين يحبذون المسألة الثانية، أن الفعل هو الذي يضمن معنى، لماذا؟ قال لأن هذا الأسلوب يعطي بلاغة في القرآن، حيث أنك عندك فعل، ثم تعطي بفعل آخر، فهذه بلاغة على بلاغة لكتاب الله سبحانه وتعالى. فعلى هذه الآية الذي بين أيدينا في قول تعالى: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ﴾، قلنا يقول بعض علماء على بمعنى في ملك سليمان، أي في عهد سليمان، القول الثاني قال ماذا؟ قال ننظر إلى كلمة تتلو، تتلو هذه التلاوة نضمن لها فعل، وهذا الفعل يناسب حرف الجر الذي عندنا، عندنا على، فما الذي يناسبها؟ قالوا الكذب، الكذب سيكون سياق الآية: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَكْذِبُ بِهِ الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ﴾. أبقوا حرف الجر على ظاهره، لكنهم جاء إلى كلمة تتلو، ووضعوا لها وضموا تضمين الفعل، تضمين الفعل فعلا آخر، فضمنوا كلمة تتلو بمعنى تكذب، واتبعوا ما تكذب الشياطين على ملك سليمان، أي على عهد سليمان. تفسير هذه الآية ما معناها؟ طبعا يقول علماء ما عندنا حديث مرفوع عن نبينا عليه الصلاة والسلام في مضامين موقع من سليمان مع قومه ومع الشياطين، لكن عندنا الإسرائيليات وعندنا المراسيل، وهذه مسألة كذلك يراجع ما ذكره شيخ الإسلام رحمه الله تعالى في أصول التفسير حول الاستدلال بالنقل. وأثبت رحمه الله تعالى أن أكثر ما يوجد في كتب التفاسير أنها من الإسرائيليات، وأنها من المراسيل، وهكذا بعض الأخبار الواهية، وبين رحمه الله تعالى المسلك الحسن المسلك الحسن في الاستفادة من هذه الطرق، وأن ليس حقها الرمي وأن تلغى، بل لها حظ من النظر. فبين رحمه الله الإسرائيليات مثلا، أن منها ما قد يحدث به، ومنها ما يرمى ولا يحدث به، ومنها ما يذكر لكن من غير تكذيب ولا تصديق، وأما المراسيل، فإنها المراسيل إذا كانت بشروط توفرت فيها، فإنه يحتج بها. ومن أعظم ما ذكره شيخ الإسلام رحمه الله تعالى في قبول المراسيل في باب التفسير، أن تكون بثلاثة أمور، أن يكون هذه المراسيل أن يعتمد طرقها، أي تأتي بمجموعات مجموعات، ليس مرسل واحد، ولكن عدة مراسيل، أن تجتمع عدة مراسيل، الثاني أن لا يكون هذه المراس، منشأها من تواطئ، الثالث أن العلماء قد قبلوا هذه المراسيل، وقبول هذه المراسيل، إما بتنصيص منهم، أو أنها بالعمل بما فيها. وذا كما قلنا كذلك مرجع إلى علم أصول التفسير، فغالب ما تأتينا، ومن قرأ كتب التفاسير، ما الذي وقع من سليمان مع الشياطين؟ قال العلماء: وهذا الذي ذُثر عن بعض التابعين، ومراسيل، وكذلك عن الواحد بني إسرائيل، وكذلك ذُكر هذا عن بعض الصحابة، كابن عباس، وعن غيره، رضي الله تعالى عنهم. مفادها أن كانت الشياطين لقدرة ما كان بإمكانها أن تسترق السمع، تصعد إلى السماء تسترق السمع، تأخذ من كلام الملائكة ما تأخذ، فإذا نزلت إلى الأرض كانت توحي إلى الكهان ما سمعته من خبر السماء، فكان الكهان بدورهم يبثونها للناس ما يتعلق بموت، ما يتعلق بقحط، ما يتعلق بتغيرات مناخية، تغيرات تضاريسية، ما يتعلق بحياة الناس. ما تسمع الشياطين في السماء تنزله على الكهان، ومن ثم الكهان ينزلونه على من كان في أزمانهم، فتم الأمر على هذا الحال حتى استوثقت الشياطين لنفسها، فرأت أن الملائكة قد استوثقت لأمرها، وأن ما تأتيه به من السماء يصدق. فجاءت الروايات على أن الشياطين استغلوا هذه الثقة العمية من الكهان بهم، فأخذوا يدسون الأكاذيب، يدسون الترهات، يدسون أشياء ليس من دين الله، فكان من ذلكم أنهم يدسون أشياء تخالف الدين وتخالف الشريعة. وكان الكهان على كما يقال على نياتهم، على الأصل أن الشياطين ما عهدنا عنهم كذب، ومن هذا الذي يثق بالشيطان؟ المهم استمرت الكهان بأخذ ما تتلوه الشياطين عليه، ثم يبثونها للناس. وجاءت الروايات أنه لو ربما الشيطان كان في الخبر الواحد يطرح فيه مئات الكذبات، بل في بعض الروايات ألف كذبة، يدسوا يدسوا يدسوا في خبر واحد، لما بعث سليمان عليه السلام، ورأى الناس علمهم عليه من اتباعهم لهذه الأشياء الكذب والدجل. وطبعا هذه الأشياء كانت محل ثقة عند الناس، فكانت تكتب في كتب وصحائف، فلما بعث سليمان عليه السلام، ورأى هذه المصيبة الدهماء حلت في هذه الأمة، فأمر بجمع هذه الكتب جميعا، ثم أمر بوضعها في صندوق، وأنها تخفى عن أعين الناس. فكانت الوقت تدل على أنها دفنت تحت كرسيه، دفنت تحت كرسيه عليه السلام، دفنها حتى لا يعلم بها، وحتى لا أحد يستند بما فيها، لأنها كذب ودجل، وكانت الشياطين لا تستطيع أن تذهب إلى هذا المكان الذي فيه هذه الكتب، حتى مات سليمان عليه السلام. وكانت الشياطين تخاف وتعجز عن استخراج هذه الأشياء، فجاءت الروايات على أن الشياطين استطاعت بطريقة ما، من ذكر عن طريق الإيحاء، من قال عن طريق التصور والتمثل ببشر، أنهم أوصلوا الخبر إلى الكهان بأنكم إن أردتم كنز سليمان، إن أردتم ملك سليمان، إن أردتم ما فيه ملك سليمان، فعليكم بحفر ذاك المكان. فلما تم الحفر وجدوا هذه الكتب المكتوبة، فأوحى الشياطين لأولئك الكهان، أن هذا الذي كان به سليمان يحكم الإنس والجن والطير والمخلوقات، هذا هو السحر، وثم طار الخبر على أن سليمان كان ساحرا، ولهذا كانت من سياق الآيات: ﴿وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا﴾، هذا سياق الآيات المذكورة الذي دلت عليها النصوص الشرعية من أقوال بعض العلماء. وهي كما قلنا من الإسرائيليات، لكن كما قلنا الموقع من الإسرائيليات، أن إذا لم تكن في مخالفة للشرع، فهي لا تصدق، أقل ما يقال فيها لا تصدق ولا تكذب، وعلى هذا درجة العلماء على ذكر مثل هذه الروايات عند تفسير هذه الآية: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ﴾. أشهد إخوانا في الله مما أراد المؤلف رحمه الله تعالى، أراد أن يثبت أن اليهود عندما تركوا كتاب الله جل وعلا، استعوضوه واستبدلوه بكتب السحر، وهذا الفعل هل هو خاص باليهود؟ بل بالعكس، بل هو جار في اليهود وفي النصارى، وفي أهل الجاهلية، حتى في أزماننا هذا. وليس شرط أن شخص يترك كتاب الله جل وعلا ويترك الشريعة، ثم يعمل بالسحر لا، لكنه أعم من ذلك، أنه يعمل بباطل، وقلنا وهذه عقوبة من الله جل وعلا، وأن العبد كلما أعرض عن حكم الشريعة، أعرض عن حكم الله، أعرض عن حكم الرسول عليه الصلاة والسلام، بغض النظر عن كمية الإعراض، قد يكون إعراض كل، قد يكون إعراض جزئي. فعلى قدر إعراضك يا عبد الله، أنك تستبدل بما فيه شر ووبال ووباء عليك في دينك ودنياك، ولهذا يا عبد الله تنظر ننظر في أحوال هذه الأمة، كثير من الناس من أعرض عن الكتاب والسنة، فماذا كان من أمرهم؟ أنهم استعوضوا لأنفسهم بأشياء ما فيها من خير. فمنهم من أعرض عن الكتاب والسنة، وأخذ بكتب الفلاسفة والمناطقة واليونان، وجعلوها هي الحاكمة لحياة ولدينهم، فكان من أمرهم الهلاك، ومن الناس من ترك الكتاب والسنة، ولجأ إلى كتب الرأي، ممن ألف من الفقهاء في الأمم الأزمان المتأخرة، أنه يؤلف من يؤلف في مسائل الفقه. وأهل الرأي ممن يكتب الآراء فقط، كتبه عاري عن الدليل، ما عنده دليل لا من الكتاب ولا من السنة، وإنما هو التعصب لأتباعه، فألزم الناس بها، وهكذا قصة عبد الله، وهذه قاعدة، كم يقولون قاعدة كونية، سنة كونية، جعلها الله سبحانه وتعالى بين الناس. أن من أعرض عن الكتاب والسنة، فإن الله جل وعلا يبتليه بما هو شر، فاحذر يا عبد الله أن تعرض عن كتاب ربك جل وعلا، وعن سنة نبيك عليه الصلاة والسلام، وهذا هو الشاهد من هذه المسألة. قال رحمه الله تعالى: اعتياضهم عما آتاهم من الله بكتب السحر، كما ذكر الله ذلك في قوله الآية. إلى هنا فأسأل مولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، وأسأله سبحانه وتعالى أن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسن، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله عن نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.