شرح مسائل الجاهلية  112

شرح مسائل الجاهلية 112

الدرس في شرح مسائل الجاهلية 112، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

مفهوم الإعراض عن شرع الله

الإعراض عن شرع الله يعني عدم الاكتراث بما جاء عن الله ورسوله، ويعتبر هذا الإعراض كفرًا كما هو مبين في الآيات القرآنية والأقوال الشرعية. يُوضح أن هذا المفهوم يشمل إعراض القلب عن الإيمان والعمل بالدين.

أدلة كفر الإعراض والتولي من القرآن

يستشهد بالآيات القرآنية التي تبين حال أهل الجاهلية والأمم السابقة في إعراضهم عن آيات الله، ويوضح أن الإعراض عن دين الله ورسوله يعتبر كفرًا وردة عن الإسلام مستندًا إلى أقوال العلماء مثل شيخ الإسلام وابن القيم.

ضابط الإعراض الكفري ونواقض الإسلام

يحدد ضابط الإعراض الكفري بأن يكون بإعراض القلب عن أركان الدين أو ما دل الشرع على كفره، ويوضح أن الإعراض عن دين الله يكون بكفر الإسلام وعدم الاكتراث بشعائره وأحكامه، ويربط ذلك بنواقض الإسلام.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: السادسة بعد المئة: الإعراض عما جاء عن الله. الإعراض عما جاء عن الله، أي هذه خصلة من خصال أهل الجاهلية، الإعراض عما جاء عن الله وعما جاء عن رسوله عليه الصلاة والسلام. والإعراض هنا بمعنى التولي والصدود، التولي والصدود وعدم الإقبال، فمن كان هذا حاله، ومن كان هذا أمره ومنواله مع شرع الله عز وجل، أنه يعرض، أنه يولي الأدبار عن آيات الله وعن الإيمان برسل الله سبحانه وتعالى، فقد كفر. وكان أهل الجاهلية فاوتون في آيات الله سبحانه وتعالى واستقبالها، فمنهم الشقي الذي بلغ من الجرأة أن لربما مد اليد على أنبياء الله ورسله فضربًا، فربما قتل وسفك دم الأنبياء، ومنهم من هو دون ذلك، لربما عارض آيات الله سبحانه وتعالى بالاستهتار والاستهزاء والاستهتار والاحتقار والامتهان، ومنهم من لربما يعرض لا ينظر إليها ولا يبالي بها، وهذا أيضًا في عداد الكفار. فالأصل أن المرء وأن الناس عليهم أن يدخلوا في دين الله سبحانه وتعالى، يا أيها الناس، يا أيها الذين آمنوا، دخلوا في السلم كافة، فلابد الدخول في دين الله سبحانه وتعالى، لا يستثنى أحد من خلق الله عن ذلك. وأما من ترك دين الله معاداه أو احتقار أو استهزاء أو استهتار أو أنه فقط أعرض عن دين الله، فإن ذلك منه كفر. وهذه كانت الصفة التي وجدت في أهل الجاهلية وفي الأمم السالفة أنهم كانوا من المعرضين عن آيات الله سبحانه وتعالى، كما قال ربنا جل وعلا: ﴿وما تأتيهم من آية من آيات ربهم إلا كانوا عنها معرضين﴾، وصف ربنا جل وعلا أهل الكفر وأهل الشرك أنهم قد أعرضوا عن آيات الله، ما من آية فيها دلالة وفيها حجة واضحة وحجة بينة على وحدانية الله وعلى صدق أنبياء الله ورسله إلا كانوا عنها معرضين، لا ينظرون إليها ولا يلتفتون إليها ولا يرفعون بها رأسًا. فكان هذا حالهم، وهكذا في قوله سبحانه وتعالى: ﴿ولقد كذب أصحاب الحجر المرسلين وآتيناهم آياتنا فكانوا عنها معرضين﴾، فوجه التكذيب ووجه التكفير لأصحاب هؤلاء أنهم قد أعرضوا عن آيات الله سبحانه وتعالى. وهكذا قس فيما وقع في كفار قريش من الأميين أنهم أعرضوا عما جاء به الرسول عليه الصلاة والسلام، كما قال سبحانه وتعالى: ﴿والذين كفروا عما أنذروا معرضين﴾، كانوا معرضين عن آيات الله سبحانه وتعالى فكفروا. وهكذا أهل الكتاب، كان من كفرهم العراض عن دين الله، ﴿ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبًا من الكتاب يدعون إلى كتاب الله ليحكم بينهم ثم يتولى فريق منهم وهم معرضون﴾، فكان من أهل الكتاب من كان معرضًا، لكن فرق حتى مسألة الإعراض تتفاوت، فالذي وقع من الأميين أنهم أعرضوا عن دين الله عن جهل، وأما أهل الكتاب فقد أعرضوا عن دين الله سبحانه وتعالى عن علم، وهذا كفر وذاك كفر، لكن الإعراض مع العلم أشد كفرًا، الإعراض مع العلم أشد كفرًا. فالحاصل، إخواني في الله، أن من صفة أهل الجاهلية من الأمم السالفة ومن الأمم السابقة ومن الأميين من كفار العرب ومن أهل الكتاب أيضًا أنهم كانت فيهم هذه الخصلة، أنهم كانوا من المعرضين عن آيات الله، وهكذا عما جاءت به الأنبياء الله ورسله، فكانوا كفارًا. فقال المؤلف رحمه الله تعالى: الإعراض عن ما جاء عن الله، فإذا كان هذا قد وجد في الأمم السالفة والأمم السابقة، فإنه سيوجد في هذه الأمة، فإنه سيوجد من هذه الأمة وجد ممن ينتمي إلى الإسلام من أعرض عن دين الله، من أعرض عن شريعة الله سبحانه وتعالى، ﴿قل أطيعوا الله والرسول فإن تولوا فإن الله لا يحب الكافرين﴾. فإن تولوا بهذه الآية وبغيرها استدل شيخ الإسلام رحمه الله تعالى على إثبات ما يسمى بكفر التولي وكفر الإعراض، بهذه الآية وبأمثالها، ﴿فإن تولوا فإن الله لا يحب الكافرين﴾، استدل شيخ الإسلام رحمه الله تعالى على إثبات ما يسمى بكفر التولي وكفر الإعراض. فمن أعرض ومن أدبر عن طاعة الله وعن طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم، فإنه من عداد الكفار بنص الآية، ﴿قل أطيعوا الله والرسول فإن تولوا فإن الله لا يحب الكافرين﴾. وأبان ابن القيم رحمه الله تعالى في «مدارج السالكين» عندما عدد وذكر أنواع الكفر، ذكر ما يسمى بكفر الإعراض، ذكر رحمه الله تعالى ما يسمى بكفر الإعراض، ثم بيّن رحمه الله تعالى ما هذا النوع، ما ضابطه؟ فقال رحمه الله تعالى -كما في «مدارج السالكين»-: «قالوا أما كفر الإعراض، قال: فأن يعرض بسمعه وقلبه عن الرسول، يعرض بسمعه وقلبه عن الرسول، فلا يصدقه ولا يكذبه، ولا يواليه ولا يعاديه، ولا يصغي إلى ما جاء به من البينة». قال رحمه الله تعالى: «وأما كفر الإعراض، فأن يعرض بسمعه وقلبه عن الرسول، لا يصدقه ولا يكذبه، ولا يواليه ولا يعاديه، ولا يصغي إلى ما جاء به من البينة». فإذا كان أحد من الناس، ولو كان منتميًا للإسلام، هو على هذا الوصف من الإعراض عن دين الله سبحانه وتعالى، وعن دين الرسول، لا يواليه ولا يعاديه، لا يصدقه ولا يكذبه، فهذا المعرض الذي كان من أمر إعراضه الكفر، فيكون مرتدًا. وقد ذكر العلماء أن من نواقض الإسلام الإعراض عن دين الرسول. وقد ذكر ذلك العلامة الإمام المجدد محمد عبد الوهاب رحمه الله تعالى في الناقض العاشر: الإعراض عن دين الرسول، فهذا ضابطه: أنك تعرض بسمعك وقلبك عن الرسول. وهذا مثله لو أردت أن نصوره في الواقع أو الواقع المعاصر، ما عليه بعض العلمانيين، أناس انتموا لهذه الدين ولهذه الملة، اسمه اسم عربي، لربما اسم فيه تعبيد، اسم إسلامي شرعي، وفي البطاقات الرسمية الديانة مسلم، لكن أين هم من الإسلام؟ ما ينتمي للإسلام شكليًا نعم، منتمي للإسلام، لكن في الواقع ليس من أهل الإسلام، لا صلاة، لا صيام، لا زكاة، لا حج، بل لا توحيد، لا يعرف شيء عن دين الله، ما هي أساسات الدين؟ أساسيات الدين لا يعرفها، ما هي أبجديات الإسلام؟ ما يعرفها، ما يعرف شيء عن دين الله، ما ينصت لدين الله، بل ربما إن أراد أن يصرح لصرح بأن هذا دين خرافة، لكن ما استطاع، لكن مع الناس ديانة، فهذا إعراض، وهو إعراضه كفر عن دين الله سبحانه وتعالى. فهو إن وقع شيء حروب ضد الإسلام وأهله، ما بال بذلك؟ لا يواليه ولا يعاديه، وإن جاءت الأخبار عن رسول الله، ما بال بها؟ وما رفع بها رأسًا، وينطعن في رسول الله، ما حرك ساكنًا، ما يبالي بدين الله عز وجل، أعرض بسمعه، أعرض بقلبه، لا يواليه ولا يعاديه، لا يصدقه ولا يكذبه، هذا الإعراض الكفر، ﴿قل أطيعوا الله والرسول فإن تولوا فإن الله لا يحب الكافرين﴾. ومن هنا، يا إخواني في الله، نبه العلماء إلى هذا الضابط، لكن مع التنبيه: ليس كل إعراض كفر، لأن بعض الناس قد تستدل بهذه الآيات أن كل من أعرض عن شيء من شرع الله فهو كافر، لا، ليس بهذه الصورة، يقول العلماء: الإعراض إن كان إعراضًا قلبية، كأن رجل في قلبه الكفر والنفاق، كفر والنفاق للدين، ما يحب الدين، لكن وإن كان في ظاهره يعمل بشعائر الإسلام، لكن في قلبه إبطال الكفر وإبطال النفاق، فهذا إعراض كفري. أو يكون إعراض عن مدلول دلة شرعية على أنه من أركان الدين، كمن يعرض عن التوحيد مثلًا، التوحيد أصل الدين، فمن أعرض عنه لا يتعلمه ولا ينتفع به ولا يعمل به، فهذا كافر. أو كذلك ما دل الشرع على كفره، مثل كمن يقول بكفر تارك الصلاة، فمن أعرض عنه الصلاة، فهذا كافر على من يقول بأن تارك الصلاة كافر. لكن من ترك بعض الواجبات، ترك طاعة الوالدين، أو فعل المعاصي، فإن تولى، فهذا لا يسمى كافرًا، هذا لا يعده كافرًا. فإذن، إخواني في الله، ينبغي أن نعتني بهذا الضابط، الضابط الذي ذكره ابن القيم رحمه الله تعالى في «مدارج السالكين» في كفر الإعراض، وهذا الذي أثبته شيخ الإسلام رحمه الله تعالى في «مجموع الفتاوى». فالحاصل، إخواني في الله، قول المؤلف رحمه الله تعالى: «الإعراض عما جاء عن الله»، علمنا أن أهل الجاهلية من الكفار والأمم السالفة والأديان السابقة أنهم أعرضوا عن دين الله سبحانه وتعالى، فكان ذلك منهم كفرًا، وأن من تشبه بهذه الخصلة فأعرض عن دين الله سبحانه وتعالى، كما بيّن علماء، فإن ذلك يعد ناقضًا من نواقض الإسلام. فأسأل مولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، ونسأله سبحانه وتعالى أن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.