شرح مسائل الجاهلية  96

شرح مسائل الجاهلية 96

الدرس في شرح مسائل الجاهلية 96، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

تعريف النياحة وأحكامها في الإسلام

النياحة تعني رفع الصوت عند المصيبة وتعداد محاسن الميت، وهي من أعمال الجاهلية المنهي عنها في الإسلام. الإسلام يعتبر النياحة من كبائر الذنوب إذا لم يتب صاحبها.

صور النياحة وعقوبتها

النياحة تشمل رفع الصوت وضرب الخدود وشق الجيوب، ومن يفعلها أو يرضى بها أو يوصي بها يعذب في قبره. النياحة تدل على عدم الرضا بحكم الله وقدره.

الفرق بين النياحة والبكاء الفطري

النياحة محرمة وتشمل رفع الصوت والاجتماع عند بيت الميت، بينما البكاء الفطري دون رفع الصوت جائز. يُوصى بتوصية المحتضر لأهله بعدم النياحة عليه.

ختام الدرس والدعاء

المقطع الأخير يتضمن دعاء بأن ينفع الله بما قيل، ويذكر الصلاة على النبي محمد وعلى آله وصحبه. يُقر بأن الله تعالى أعلم.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: التسعون النياحة، النياحة إخواني في الله من المسائل التي تحتها مباحث عديدة، ويهمنا في هذا المقام أن نذكر ما أراده المؤلف رحمه الله تعالى من بيان أن من خصائل ومسائل أهل الجاهلية أنهم كانوا على هذه الظاهرة، ألا وهي ظاهرة النياحة. والنياحة في اللغة بمعنى رفع الصوت، من ناحة ينوح نوحا، فالنوح هو رفع الصوت. هذا الفعل وهو النياحة والمقصود به طبعا ليس أي صوت مرتفع يسمى نياحة، إنما المراد النياحة بمعنى رفع الصوت عند فاجعة الموت. وقد جاءت الأخبار وكذلك الأدلة الشرعية تدل على أن هذا الفعل كان من أعمال أهل الجاهلية. مر معنا ما جاء في صحيح مسلم، حديث أبي مالك الأشعري، قوله عليه الصلاة والسلام: «أربع من أمتي من أعمال الجاهلية»، وكان مما ذكره عليه الصلاة والسلام النياحة. ذكر عليه الصلاة والسلام النياحة، وقد تكلم العلماء على أن هذه الظاهرة كانت موجودة، كما ذكر ذلك ابن العربي المالكي رحمه الله تعالى. كان من أعمال أهل الجاهلية إذا مات فيهم الميت أن النسوة كن يقمن على صفين متقابلين، هذا الصف ومقابله وبإزائه صف آخر من النسوة، فكن يتقابلن، ثم بعد ذلك يندبن ويرفعن أصواتهن بالصياح والبكاء والصراخ، ويلحق بهذا لطم الخد وتخميش الوجوه إلى آخره. بل كان بعضهم لربما حلق شعره، أي من النسوة، من كانت تحلق شعرها، وكل ذلك لإظهار الأسى والحزن لفقيدهم وميتهم. فكان ذلك من أعمال الجاهلية على هذا الوصف الذي ذكره العلماء، فلما جاء الإسلام أراد نبينا صلى الله عليه وسلم أن يصفي المجتمعات من هذه الظاهرة. ويظهر ذلك جليا ما جاء في الصحيحين من حديث أم عطية، أنها قالت: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما أخذ البيعة عليهن كان مما أخذه عليهن أن لا ننوح. من صميم البيعة كان يأخذ عليهن عليه الصلاة والسلام العهد والميثاق من تمام البيعة، قال: «أن لا ننوح»، أن لا يصدر هذا منهن أبدا. لماذا؟ للدلالة على أن هذا الأمر من الأمور التي فشت في مجتمعات الجاهلية، وما أرادها نبينا أن تبقى في مجتمعات المسلمين، فكان يأخذ البيعة «أن لا ننوح»، أن لا يظهر مثل هذا السلوك وهذا الفعل، إخوانا في الله، من كبائر الذنوب. هذا الفعل يعتبر من كبائر الذنوب، والآثار في هذا الباب كثيرة وكثيرة جدا. حتى إن الشرع وذكر ذلك نبينا، أن النائحة إذا لم تتب، النائحة إذا لم تتب فإنها يوم القيامة تقام وعليها سربال من قطران، قطران، تلك المادة السريعة للاشتعال، يعني هي في جهنم، زد على أنها في جهنم تطلى بهذه المادة من قطران، هلاك على هلاك وعذاب على عذاب، لجراء فعلها. فإن من هذا الفعل، إخوانا في الله، دلالة على عدم الرضا بحكم الله وقدره، الذي ترفع صوتها بماذا؟ ترفع صوتها بالبكاء والصراخ والضجيج الذي يملأ البيت وخارج البيت، لماذا هذا كله؟ كل ذلك عدم رضا من الذي قبض روح الفلان الفقيد أو الحبيب أو الصديق أو الزميل أو القريب، هو الله جل وعلا. فعلام هذا التسخط؟ علام هذا التذمر؟ علام هذا الاعتراض؟ هذا الصراخ، إخوانا في الله، إن لم يصاحب بكلمات اللسان، لكن في لسان الحال يدل على أن هذه النائحة أنها لم ترضى بحكم الله وقدره، ففعل هذا من كبائر الذنوب. قال مؤلف رحمه الله تعالى: النياحة، ويدخل في حكم النياحة، إخواني في الله، بعد التعرف على حكمها، وأن ذلك من أعمال الجاهلية، وإن من كبائر الذنوب في حق من لم يتبع هذا الفعل بتوبة نصوحة، أنه كذلك له صور. النياحة لها صور، أحيانا تكون النياحة بالقول، النياحة تكون بالقول، القول مثل أن يظهر ذلك برفع الصوت، كما قلنا صراخ، صياح، ترفع صوتها بأقصى صوت تملكه. هذا النياحة، ويدخل في ذلك الندب وتعداد الحسنات، وهذا كان عليه أهل الجاهلية، يندبون حظهم، ما هو يومك، كما نسمع، هذا كله اعتراض على حكم الله. إيش معنى هذا؟ ليس يومك، يعني هل ملك الموت تقدم أو تأخر في قبض الروح؟ أعوذ بالله، وأزد على ذلك ما يذكر من محاسن، وكل ذلك في تهييج المصيبة. بل حتى من العلماء من قال: كل ما كان فيه تهييج للمصيبة يدخل في النياحة، ولو كان إنشاد شعر، تأتي بأشعار عند الميت، وقصد كتهييج المصيبة، هذا جماعة من أهل العلم أدخله كذلك في النياحة. فرفع الصوت، وندب الحظ، وتعداد محاسن الميت، كل ذلك من أجل إظهار الأسى والحزن وتجديد المصيبة، كل ذلك من النياحة، هذا بالقول. وأحيانا تكون النياحة بالفعل، بالفعل، كإظهار أعمال فيه دلالة على عدم رضا صاحبها بقضاء الله وقدره، مثل ضرب الخدود، شق الجيوب، كما جاء ذلك صريحا في الصحيح. فالنبي نهى عن ذلك، وأن ذلك من أعمال أهل الجاهلية، كما مر. ضرب الخدود، تضرب المرأة خدها. وقد قال العلماء: وليس الأحاديث التي فيها النهي عن ضرب الخدود خاصة بضرب الخد، يدخل بذلك ضرب الخد وضرب الرأس، فأبعده. ربما ذكي يقول: أنا عندما أظهر أسفي على موت قريبي لا أضرب الخد حفاظا عن نص، وإنما سأضرب الرأس. ذا قوله هذا الحكم، وإنما الخد الذكر للتغليب، كما قال الحافظ رحمه الله تعالى. ويدخل في ذلك ضرب الصدر، كما عليه الروافض، عند يظهر من نياحة، يأتون يضربون صدورهم، هذا أشد وأعظم، لأنه بالسكاكين والخناجر، هذا من أعظم النياحة، أخزاهم الله، يتعبدون الله جل وعلا بما حرم الله عليهم. فيدخل في كذلك من نياحة الفعل ضرب الخدود، شق الجيوب. وقد جاء في الصحيحين من حديث أم سلمة، عندما سمعت امرأة عندما كانت تغشى سكرات الموت، فأغمي عليها، فكان يسمع عند الإغماء يسمع أصوات مرتفعة، فيغمى عليه، فينهض ويستيقظ بعد إغمائه، فيقول: «إني بريء ممن بريء منه»، نبينا صلى الله عليه وسلم بريء من الصالقة والحالقة والشاقة. بريء من الصالقة، وهي التي ترفع صوتها عند المصيبة، والحالقة، وهي التي تحلق شعرها، إظهارا للمصيبة، والصالقة والشاقة لتشق ثوبها عند المصيبة. كل هؤلاء من أعمال النياحة، وكل ذلك لا يجوز شرعا، كل ذلك منهي عنه. فالمسلم، إخواني في الله، عليه أن يتنبه لهذا، وليعلم إخواني في الله أن الحكم قد يصلك، يصلك يا صاحب البيت، ويا صاحب رب الأسرة. قال عليه الصلاة والسلام: «من ينح عليه يعذب بما نيح عليه». أنت لست في مأمن، لا تفرح، تقول: هذا الباب الحمد لله، الله يعين النساء، الله الله بالصبر، ينسوها، لا، حتى الرجال. قال عليه الصلاة والسلام: «من ينح عليه عذب بما نيح عليه». والحكم الصحيح، لو ألفاظ كثيرة، وكلها تدل على أن من فعلت له النياحة فإنه يعذب. ولهذا صور، ولهذا صور من صور أنك تعذب على النياحة، إن كنت توصي بهذا، وهذا يوجد في بعض أعمال الأهل، وكان هذا من فعل الجاهلية. نعم يوجد، وهذا كان من أعمال أنهم كانوا يفتخرون، حتى يوجد أنه كان في أشعارهم أنهم كانوا يوصون أهاليهم أنهم إن ماتوا هم أنكم لا تقصروا معي في النياحة، لا تقصروا معي في النياحة، فكان يوصون. فإذا وجد أحد من الناس يفعل ذلك، يوصي بأهله أنهم يظهرون تبجيلهم واحترام لهم بإظهار شيء من هذه الأعمال، فإن أوصى فإنه يعذب. فكل ما تفعله يفعل له من أعمال النياحة، فإن ذلك يرجع إليه في قبره، فيعذب على هذه الوصية، هذا وجه. ووجه آخر: أنه يعذب بهذه النياحة، هو لم يوصي، لكنه يرضى بهذا، يرضى بهذا. مثاله: يرضى بهذا رجل في مجتمع، في مجتمع، وهذا المجتمع معروف في عادتهم، وفي قريتهم أنه إذا مات الميت، أنا بعد موته في بيته ثلاثة أيام تجعل هذه الأيام الثلاثة في بيته نياحة. تأتي النائحة الثكلى، وتأتي النائحة المستأجرة، في نائحة مستأجرة، بعض النسوة يؤتى بها كطيب خاطر، تجي تشوف البيت، برودة البكاء، ما هو بكاء حق، إخلاص. وأبشروا، ومن أول ما تأتي على عتبات البيت ترفع الصوت، فيضج المجلس بالنواح، وكل ذلك ما تريد شيء، تريد فقط استهجاء وإثارة المصيبة، تريد تتقرب إلى الناس، تريد شيء من حفظ الدنيا. وهذه أعظم، وهذه أعظم النائحة المثكلة أعظم إثما من النائحة الثكلى. فإذا كانت الأحاديث جاءت في النائحة التي تبكي على أهلها تعذب، ما ظنك بالمستأجرة التي ما يؤتى بها إلا لزيادة هيجان البكاء والدموع في هذه المجالس؟ الحاصل، إخواني في الله، أن يقول علماء: يدخل في هذا العذاب إذا كان ميت يعرف، هو يعرف، ليس بغفلة، يعرف أن هذه القرية، ومن شيمة هذا البيت أنه إذا مات الميت تقام في بيتي الأيام الثلاث أو الأيام حتى الأول تقام نياحة. يؤتى بمستأجرة، أن النسوة لهم نظام، هذه في غرفة، وهذه في غرفة، ويأتون بالأقصائد والأناشيد المهيجة للبكاء، يقع، يقع. فقال العلماء: إذا أن الرجل المحتضر يعرف أن هذا سيفعل، يعرف أن هذا سيفعل، وسكت، وسكت، فإن النياحة التي ستفعل سترجع إلى قبره، وسيعذب عليها، وسيعذب عليها. إذا ما الحيلة؟ عليك أن توصي، انتبه لهذا، عليك أن توصي وجوبا، هذا إذا علمت أن هذا سيكون. وكيف ستعرف بقريتك؟ أنت رجل تعيش في بلدتك، تعرف النظام، تعرف العرف، العادات، الأسلاف الموجودة في بلدك. فإذا هذا كان مشهورا معروفا، مات ميت نياحة، مات ميت نياحة بالأمس، مات قريب لك وتنيحة، أصبح هذا مألوفا في القرية، وأنت إذا موت سينع عليك، لا، انتبه الآن، لا تموت وأنت راضي. إنما عليك أن توصي: يا جماعة، يا أهل البيت، الله الله في السنة، أنا ما أريد نياحة، أنا بريء من هذا، أبرأ إلى الله من ذلك. إن استطعت أن توصي أو وصية كتابية أو لفظية، وتشر على ذلك أنك لست براضي. وبعد ذلك إذا وقع منهم شيء، أنت قد برئت منك الذمة، برئت منك الذمة، ولا يكلف الله نفسا إلا ما آتاها، ولا يكلف نفسا فوق طاقته أو فوق قدرته. الذي عليك قد أديت، أما أنك تسكت، فسكوتك رضا عن هذا، وأنت مشارك، لأنك تعرف أن موتك سيقام عليه، وتسكت، لا أنكرته، وعندك القدرة على الإنكار باللسان. فانتبه، إخواني في الله، لهذه المسألة، فالأمر عظيم. أما إذا لم يعرف هذا، والحمد لله، الأمر على الأصل، إذا لم يعرف أن هذا يقع، والناس على السنة، ولله الحمد، وتعرف أن هذا لا يظهر، فالأمر لا يستدعي، لكن باب التأكيد، وتوصي بالخير، فهذا من باب الخير على خير، إخواني في الله. طبعا هذا مسألة متعلقة بالنياحة، أما البكاء فحكمه يختلف عن النياحة. النياحة يقول علماء: هو أمر زائد عن البكاء، النياحة هو قدر زائد عن البكاء. أما البكاء الذي فيه ماذا؟ ذرف الدموع، هذا أمر فطري، هذا أمر فطري، ولا يؤاخذ الله جل وعلا عليه. نبينا، صلوات ربي وسلامه عليه، وهو من هو الذي حذر وحرم النياحة، وهو رفع الصوت، هو بنفسه صلوات ربي وسلامه عليه كان يذرف الدموع لموت قريب، بكى عليه صلى الله عليه وسلم لابنه إبراهيم، وقال: «إن العين لتدمع وإن القلب لا يحزن، ولا نقول إلا ما يرضي ربنا»، صلاة ربي وسلامه عليه، فكان يدمع. وكذلك في كثير من الحوادث كان بماذا يبكي؟ ولكن بكاؤه عبارة عن ذرف الدموع، فهذا لا بأس، وقد ذكر العلماء كما الإجماع على هذه المسألة، الإجماع على جواز البكاء عند موت أحد، إلا بشرط أن تخلو من النياحة، وهو رفع الصوت، وما أشبه ذلك من ماذا؟ من الأعمال المذمومة. وكذلك مسألة أخرى، إخواني في الله، أدخل علماء من النياحة ما جاء في حديث جرير عبد الله البجلي، أن الصحابة رضي الله تعالى عنهم كانوا يعدون من النياحة الاجتماع عند بيت الميت مع صنعة الطعام، مع هذا، وهذا. اجتماع مع صنعة الطعام، فإذا وجد اجتماع ومعه هو هذا الاجتماع، صنعة الطعام، ومعنى صنع الطعام بمعنى وليمة. وليمة، قام هذا، كان الصحابة يعدونه من النياحة، بمعنى أن هذا محرم، لا يجوز، لما؟ لأنه تهييج على المصيبة، وهي من البدع المقبوحة، كما صرح العلماء، وقال: وهذه من البدع المستقبحة، لأن عندك موت، يا عبد الله، موت الموت، ما يحتاج إلى وليمة، الوليمة عدادها في الفرح وفي السرور، ليس في الشر، وليس في المصائب، وليس في المعائب. وهذا كما أخبر عليه الصلاة والسلام، قال: «لا يجتمعان»، وقد وجدت، سمعنا في بعض البلدان، وخاصة بلدان الخليج، وما أدري يوجد كذلك أيضا في بعض البوادي، كما لاحظت هذا في بعض الأنحاء هنا وهناك، أنه إذا مات الميت ما يفعلون؟ يجعلون العزاء في خيمة، خيمة كبيرة ضخمة، يدخل فيها المشيعون للميت والمعزون. ثم على حسب عرفهم في اليوم الأول أو الثاني أو الثالث، في الغالب يجعلون وليمة، ماذا تظن؟ ليس بقدر بسيط، بل قدر على ملء سيارات، وفيهم من اللحوم والشحوم، ويأتي بأهل الطبخ وأهل الذبح وأهل القدح، وتوزع المأكولات، والكل يأكل، ويأكل، الذي يأتي يقول: هذا فرح، يقول لهذا موت، أعوذ بالله. هذه من النياحة، الاجتماع بهذه الصورة، الاجتماع مع صنعة الطعام، هذه من النياحة، فلا يجوز، أعبد الله، أنك ما تتلبس بها. فأسأل مولاي جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.