شرح مسائل الجاهلية  80

شرح مسائل الجاهلية 80

الدرس في شرح مسائل الجاهلية 80، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

تحريم الطيبات والزينة في الجاهلية

يتناول المقطع تحريم أهل الجاهلية للطيبات والزينة ورد الإسلام على ذلك من خلال آية قرآنية. يشير إلى سعة الإسلام في المباحات وتحريره للأمة من الأغلال التي كانت عليها الأمم السابقة.

مفهوم الإباحة الأصلية في الأشياء

يشرح المقطع مفهوم الإباحة الأصلية في الأشياء ويبين أن الأصل في الأكل والشرب واللباس هو الإباحة ما لم يرد دليل على التحريم. كما يحذر من الإسراف والمخيلة ويشير إلى أن التمتع بالنعم مباح طالما كان في حدود الشرع ودون إسراف أو خيلاء.

التحذير من التعنت في الأمور المباحة

ينهى عن التعنت والتنطع في الأمور المباحة التي أباحها الله، ويجوز الإنكار فقط إذا خرج الشخص عن الطريق المأمور به. يجب التفرقة بين ما هو مباح وما هو محرم عند التعامل مع أفعال الناس.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: الثانية والسبعون: تعبدهم بترك الطيبات من الرزق، الثالثة والسبعون: تعبدهم بترك زينة الله. في هذه الفقرات، إخواني في الله، وكذلك مما له تتمة في الفقرات السابقة أنهم تعبدوا تعبدوا الله جل وعلا بتركهم من الأشياء المطلوبة من الإباحات أو من المندوبات أو من الواجبات، فكان مما ذكر المؤلف رحمه الله تعالى عن أهل الجاهلية أنهم تعبدوا تعبدوا الله جل وعلا بتركهم الواجبات، وفي هذه الفقرة أنهم تعبدوا الله جل وعلا بترك الطيبات، فهي أعم بترك الطيبات، قال: من الرزق، أي مما أباح الله جل وعلا من الأموال ومن الأنعام ومن غيرها. وقال: تعبدهم بترك زينة الله، وهنا بترك زينة الله، الزينة كما قال العلماء هو كل ما يتزين به، كل ما يتزين به الإنسان من ملبوس ومن حلي ومن غير ذلك. فمما أثر عن أهل الجاهلية أنهم كانوا يتعبدون الله جل وعلا بترك الطيبات من الأرزاق، وهكذا بترك الزينة من اللباس ونحو ذلك. ومن أجل هذا وذاك اختلف العلماء، أو قل: أنزل ربنا جل وعلا قوله سبحانه وتعالى: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾، فهذه الآية ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللهِ﴾، فهذا إنكار من ربنا جل وعلا لمن تجرأ على أن يمنع أو يحرم على الناس هذه الأشياء، حرم على الناس ما أخرج من الطيبات من الرزق، وهكذا مما يتزين به. قال: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾، ومن هنا إخواني في الله نعلم أن من أعظم مسائل هذه الفقرة بأن من أعظم منة الله جل وعلا على عباده أنه أباح لهم الطيبات، أباح لهم الطيبات. لك يا عبد الله السعة، لك يا عبد الله السعة فيما أباحه الله سبحانه وتعالى، ما ضيق علينا ربنا جل وعلا في هذه الشريعة، في الأمم السالفة كان عليهم في ملتهم وفي شريعتهم الأصرار والأغلال، منع عن من كان قبلنا من اليهودية والنصرانية ومن غيرها من الملل أشياء كثيرة، حرم عليهم من المأكولات ومن المطعومات ومن المشروبات وهكذا من الملبوسات، حتى من البقاع، حتى من البقاع. فكانوا لا يأكلون من اللحوم مختلطة بعظم، ولا الشحوم، وما كان في الحوايا ونحو ذلك، لكن لما جاءت هذه الشريعة الشريعة السمحاء، أباح ربنا جل وعلا الشيء الكثير، أباح ربنا جل وعلا الشيء الكثير لهذه الأمة. وانظر لصيغة القرآن: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ﴾، أخرج لعباده، فهي نعم أخرجها ربنا لعباده من الحلال الطيب الذي تفعله يا عبد الله ولا حرج فيها، المباح يؤتى ولا حرج فيه، وهذا من عظيم امتنان الله جل وعلا على هذه الأمة. فلا يأتي بعد ذلك أحد من الناس ويعسر على الخلق ويضيق على الناس فيحرم عليهم ما أباح الله لهم، فيحرم عليهم ما أباح الله لهم، فيأتي إلى بعض المطعومات ويحرمها، أو يأتي إلى بعض المشروبات ويشكك فيها ثم يمنعها، أو يأتي إلى بعض الملبوسات مما يتزين به ويمنع الحلال الطيب، فإنه من باب التعنت يحرم ذلك على عباد الله، فهذا من أعظم الناس جرما عند الله أن تتجرأ يا عبد الله على مقام التشريع فتحرم وتؤثم الناس بفعل الطيبات. فهذه الآية إخواني في الله فيها دلالة على عظيم امتنان الله جل وعلا أن أباح، وخاصة لهذه الأمة، وجاء في الصحيحين عندما ذكر نبينا صلى الله عليه وسلم قصة ذاك النبي يوشع بن نون، وكيف أنه غزا، فكان من أمر يوشع وهذه شريعة كانت للأنبياء ممن سلف أنهم كانوا إذا غزوا وانتصروا فجمعوا الغنائم، فكانت الغنائم تجعل في صعيد في مكان مرتفع في خلاء، ثم يبتعد الناس عنها، فإن قبل الله جل وعلا جهاد هؤلاء، كانت الصاعقة تنزل من السماء، تنزل صاعقة من السماء فتأكل وتحرق هذه الغنائم، وكان ذلك إشارة على أن الله جل وعلا قد قبل جهاد هؤلاء. هذا كان شريعة سابقة، الشاهد أن ما كان الناس يتمتعون بالغنائم، ما لهم حظ فيها، إنما تجمع الغنائم، بل ولو وجد أن أحد من الجند سولت له نفسه أن يأخذ شيء من الغنيمة، فإن الله جل وعلا لا يرضى عن الجهاد، وفي تمام القصة عندما انتظر يوشع بن نون أن تنزل الصاعقة فما نزلت، فأوحى الله إليه أن فيكم غلولًا، أن فيكم غلولًا. فقال هذا النبي: أمر أن تبايعه الجند على شكل قبائل، إلى أن ظفر وعرف من الذي غل، فكان من أناس من جنده غلوا وأخذوا رأس ثور من ذهب، أخذوها وخبأوها لأنفسهم، فكان ذلك سبب عدم نزول الصاعقة، فلما ردت هذا المتاع المسروق، فرجع إلى الغنيمة، رضي الله عن الجهاد هؤلاء، فأنزل الصاعقة فاحترقت. الحاصل أن ذلك الغنائم لم تكن مباحة لها أولًا، ولكن لما قال نبينا في تمام الحديث: «وإن الله جل وعلا لما رأى ضعفنا وعجزنا أباح لنا الغنائم»، أو «أحل لنا الغنائم»، فهذه الأمة إخواني في الله أباح لها ربها جل وعلا الشيء الكثير. فلا تأتي عبد الله من كفران نعمة الله عليك أنك تضيق على الناس، أو أنك تشترع فتمنع على الناس ما أباح الله سبحانه وتعالى، وفي ذلك أيضًا في هذه الآية، أخواني في الله، ما يتعلق بسبب النزول: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾، هذه الآية تدخل في من حرم اللباس. ويوضح ذلك أن ابن عباس رضي الله تعالى عنه جعل هذه الآية تتنزل على كفار قريش عندما منعوا عن أنفسهم اللباس، وذلك كما ذكرنا في مسألة الطواف، في مسألة الطواف، إذ أن العرب كانوا يحجون عراة، يحجون عراة، فكانوا يحرمون على أنفسهم اللباس. فقال ابن عباس: فأنزل ربنا جل وعلا هذه الآية، وهكذا ذكر قتادة رحمه الله تعالى أن هذه الآية إنما نزلت على كفار قريش وعلى كفار العرب عمومًا عندما حرموا على أنفسهم الأرزاق، وذلك عندما حرموا على أنفسهم الوصيلة والسائبة والحام، وهذه أنواع من النعم جعلوها قربان لآلهتهم فحرموها على أنفسهم. فكان ذلك من تحريم الأرزاق، تحريم الأرزاق التي أباح الله لهم، حرموها عن أنفسهم تعبدًا لله، فكانت هذه الآية شاملة شاملة في حق من حرم الزينة من لباس ومن غيره، أو حرم الطيبات من الأطعمة والأموال ونحو ذلك، وكل ذلك مما ينكر على صاحبه. وأيضًا في هذه الآية استفاد العلماء على بيان أن المباحات في الحقيقة إنما أباحها الله سبحانه وتعالى لعباده لكي يستعينوا بها على طاعة الله، هذا الأصل في المباحات أنها إنما شرعت لكي يستعان بها على طاعة الله جل وعلا. هذا الأصل، فأنت يا عبد الله مما أبيح لك العديد من المطعومات، فهذه المطعومة التي تؤكل حاول أنك تجعلها معينة لك في عبوديتك لله جل وعلا، وهكذا قل في الألبسة، وهكذا قل فيما أباح الله من الأرزاق من الأموال. فعليك عبد الله أن تسخر هذه الأشياء في طاعة الله سبحانه وتعالى، فإنما من عبد يوم القيامة إلا وسيسأل عن عمره وعن أرزاقه وعن ماله فيما أنفقه ومن أين اكتسبه، فدل ذلك على أن الله جل وعلا إنما أباح هذه المباحات لكي يستعان بها في طاعة الله سبحانه وتعالى. ومنه نعلم كذلك العكس، أن من استغل هذه المباحات التي أباحها الله من الطيبات ومن الأموال استغلها في معصية الله، فإن الله سيحاسبه عليها، وإن كانت مباحة في أصلها، لكن إن كانت وسيلة إلى فعل محرم، فإن الله جل وعلا يعاقبك عليها. وهكذا قسم من باب أولى الكافر، الكافر، الكافر، ليس له حظ في التمتع في المباحات، إنما المباحات أباحها الله لعباده المؤمنين: ﴿قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾، فالأصل أن هذه المباحات من الأموال والطيبات والأرزاق والأطعمة والمشروبات، هذه الأصل أن تكون لأهل الإيمان، لا أحد ينازع فيها. فإن وجد أن كافرًا من الكفار يتمتع بهذه المباحات، فإنه سيعاقب على ذلك، سيعاقب على ذلك، ومن هذه الآية ومن هذه المسألة استدل العلماء على أن الكافر مخاطب بفروع الشريعة، وهي مسألة خلافية، وهي هل الكافر محاسب على تركه للصلاة، محاسب على تركه للزكاة، هل الكافر محاسب على فعله للزنا، على فعله على شربه للخمر، زيادة على شركه بالله، هل يحاسب على هذه المفردات، هل يحاسب على تركه الواجبات، هل يحاسب على فعله المنهيات، هل يحاسب الكافر على الأعمال التي يحاسب عليها المسلم. الجواب: نعم، الكافر يحاسب كما يحاسب عليها العبد المسلم، كما أن الله سيحاسب الكافر على معاصيه وعلى تركه للواجبات، فكذلك الحساب يكون في الكافر، يحاسبه ربنا على شركه وعلى كفره، وأيضًا سيحاسبه ربنا جل وعلا على مقترفه من الذنوب والمعاصي. وهذا المبحث أصولي وله أدلة كثيرة، لكن يدل على هذه المسألة هذه الآية، وهذا الفهم من العلماء، قال علماء: إذا كان الله سبحانه وتعالى سيحاسب الكافر على النعم، على المباحات، إذا كان تخيل الكافر سيحاسبه ربنا على تمتعه بالمباحات، تمتع بالمطعمات، بالمشروبات، حتى بالهواء الذي يشم، هذه نعمة، سيحاسبه ربنا عليها، لأنه ليست هذه له، إنما هذه المباحات إنما جعلها ربنا لعباده المؤمنين. فلا حظ للكافر منها، فإن تمتع بها كافر، فإنه سيحاسبه على ذلك، فقال علماء: إذا كان الكافر سيحاسبه سيحاسبه على المباحات، فمن باب أولى وأولى أن يحاسب على تركه للواجبات، وهذا قياس عقلي قوي جدًا، وهو مما أفاد الجمهور على أن الكافر يحاسب على أصول الشريعة، وكذلك على فروع الشريعة، يحاسب على التوحيد، ويحاسب على تركه للواجبات، وفعله للمعاصي ومحرمات وهكذا. إخواني في الله، فالأصل أن بهذه الآية علمنا أن الكفار إنما كانت هذه عقيدتهم أنهم يتعبدون الله جل وعلا، من عباداتهم ترك الطيبات وترك الزينة، فجاء الشرع على خلاف ذلك، جاء نبينا عليه الصلاة والسلام على خلاف ذلك، وأن الأصل في المسلم أنه يتمتع في المباحات، لأن الأصل في الأشياء الإباحة، الأصل في الأشياء الإباحة. ولثبت عند أحمد وعند غيره بإسناد صحيح، قال عليه الصلاة والسلام: «كُلُوا وَاشْرَبُوا وَالْبَسُوا مِنْ غَيْرِ إِسْرَافٍ وَلَا مَخِيلَةٍ»، تجد أن هذه الكلمات هي مناقضة لعقيدة الكفار وأهل الجاهلية، لا أننا نمتنع عن الطعام أو نمتنع عن الشراب كما كان عليه الكفار، أو كما كان عليه، ولا زال بعض المتعبدة المتزهدة المبتدعة ممن ربما يتعنت فيحرم على الناس ما أباح الله جل وعلا. لا، هذا لا يجوز، هذا خروج عن الشريعة، بل هذا ابتداع في دين الله، الأصل أنك تأكل كل ما شئت، وَالْبَسْ مَا شِئْتَ، كما جاء في بعض الآثار: كل ما شئت، واشرب ما شئت، والبس ما شئت، من غير إسراف ولا مخيلة، وفي هذا الحديث الذي بين أيدينا عند أحمد: «كُلُوا وَاشْرَبُوا وَالْبَسُوا مِنْ غَيْرِ إِسْرَافٍ وَلَا مَخِيلَةٍ». فدل أولًا على أن الأصل في الأشياء الإباحة، إلا ما جاء الدليل بمنعه، الأصل في الأكل أنك تأكل ما تشاء، تأكل ما تشاء، إلا ما قام الدليل على تحريمه من الميتة ومن لحم الخنزير، وما كان من ذوات الأنياب والمخالب من الطيور، إلى آخر ما جاء به الدليل. وهكذا ما يتعلق بالأشربة، الأصل أنك تشرب ما شئت من المشروبات، إلا ما جاء الدليل والنص على تحريمه كالخمور وكله مسكر، وهكذا قل في حق اللباس والزينة، أن المسلم سواء كان رجلًا أو امرأة، أنه يتزين بحدود الشرع، يتزين بحدود الشرع، لا إسراف ولا مخيلة. مما يذكر أن ابن عباس رضي الله تعالى عنه عندما ذهب إلى الخوارج لكي يناظرهم، كان من أمره رضي الله تعالى عنه أنه لبس اللباس الجيد، فلما دخل على الناس من الخوارج أنكروا عليه ما هذا اللباس، فتلا عليهم هذه الآية: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللهِ﴾، من أنتم حتى تحرموا عليه الذي ألبس والذي لا ألبس. فقال علماء: فإذا الرجل عنده سعة، سعة على شراء ما لذ وطاب من الأكل والشرب واللباس، فليفعل، إن الله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده، افعل ما شئت إذا كان عندك قدرة، لكن لا تجعل ذلك عن ضيق، أو تفعل ذلك خيلاء، هذا لا يجوز، أنك لربما تلبس اللباس والغرب من ذلك الفخر والخيلاء، أو أنك تفعل أشياء وهي ليست بطاقتك عن طريق الكلفة، هذا لا يجوز، هذا يدخلك في المحرم، إسراف ومخيلة. لكن إن لم يكن هناك إسراف ولا مخيلة، وإنما عندك القدرة على ذلك، فلا إشكال، عندك تأكل، بل حتى لو كان أكلك وصل بك إلى حد الشبع، لا أحد يحرم، نبينا قال لأبي هريرة: «اشرب، اشرب، اشرب»، حتى قال أبو هريرة: «والذي بعثك بالحق ما أجد له مسلكًا»، وصل إلى درجة الشبع بإقرار نبينا عليه الصلاة والسلام. فدل ذلك على أن الأصل في الأكل والشرب يا عبد الله الإباحة، إلا ما أبيح، إلا ما خصوا الدليل بالمنع، وهكذا كان، وهذا العقيدة الذي خالف به نبينا صلواته ربي وسلامه عليه ما كان من عقيدة أهل الجاهلية، فكان أهل الجاهلية يتعبدون الله بتركهم الطيبات وترك الزينة، ومن الذي أملأ عليهم؟ لا أحد، لا أحد أملأ عليهم ذلك، وإنما هم أملوا على أنفسهم ذلك، فهو ابتداع في دين الله، وهذا من التضييق على أنفسهم. وهذا كذلك من الرهبانية التي ابتلي بها اليهود والنصارى، أن تجد أن الواحد منهم يحرم على نفسه أكل اللحوم، وآخر يحرم على نفسه النكاح، وهذا موجود إلى الآن، فبعض القسيسين ومن يجعل نفسه خادمًا للكنيسة يحرم على نفسه النكاح، فلا يتزوج حتى يموت، بل منهم من يحرم على نفسه أكل اللحوم حتى يموت، وهذا كله من الرهبانية، والتعبد بماذا؟ بترك الطيبات، وهذا من الأشياء المحرمة التي حرمها ربنا جل وعلا على من كان قبلنا، لأن الله لم يحرم ذلك عليهم، وإنما حرموا ذلك على أنفسهم. فالحاصل إخواني في الله أن نعلم أن الأصل في الأشياء الإباحة، ولا يجوز لأحد أن يتعبد الله سبحانه وتعالى بترك شيء مما أباحه الله، إلا بما دل عليه الدليل، فيقال: الأصل في الألبسة الحل، إلا ما دل الدليل على تحريمه، وهكذا قل في حق الأطعمة، وفي حق الأموال. الأموال يا عبد الله، وتحصيل الأموال هذا ليس فيه شيء، وليس فيه كما نسمع من بعض الناس ممن ينكر للأسف هذه الأفهام المنكوسة، أن بعض الناس إذا رأى أحدًا من أهل الصلاح من الله عليه بالأرزاق، لربما شعر أو لم يشعر هذا المخالف أنه يدخل في التعنت، فأخذ ينكر على عباد الله: أنظر لفلان عنده المال، أنظر لفلان عنده الأرزاق، أنظر لفلان كيف يتمتع بهذه المفاخر وبهذه المآثر، وأنظر، وما يشفي هذه الأشياء. ولو تخيل أن عبدًا من عباد الله متعه الله بهذا المال الحلال، ثم تمتع بما أباح الله، هل هذا ينكر عليه؟ ما ينكر عليه، قال عليه الصلاة والسلام: «نعم المال الصالح للعبد الصالح»، وكان من الصحابة من كانوا من الأثرياء، من كان من التجار، ممن من الله عليه بالأموال الكثيرة، فكان يتاجر، وكان يضارب، وكان عنده المال الكثير، وما كان ذلك محل نقمة، محل نقمة عليه أن ينكر عليه. فلا يجوز عبد الله أنك تنكر على أحد في أمر أباحه الله له وأعطاه، أما إذا خرج عن الطريق، فهذا أمر آخر، إن كان في لباسه، وإن كان في ماله، وإن كان في أطعمه ما حرم الله، فلك أن تنكر، أما إذا كان العبد لا زال على الجادة في استخدام ما أباح الله، فهذا لا يجوز لأحد، وهذا من التعنت والتنطع أنك يا عبد الله تغمز أو تلمز الناس بفعلهم للمباحات. فأسأل المولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، ونسأله سبحانه وتعالى أن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، إن ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.