الدرس في شرح العقيدة الواسطية للهراس 67، ألقاها الشيخ أبو خالد وليد مقرم
يُعرّف الإيمان لغةً بأنه التصديق المبرهن بالعمل، واصطلاحاً بأنه قول وعمل واعتقاد يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية. يستدل على ذلك بتقسيم الله للمؤمنين وبتفاوت الناس في العلم والخشية والأعمال القلبية والبدنية.
يبطل المقطع أقوال الجهمية والكرامية والأشاعرة والماتريدية ومرجئة الفقهاء والخوارج والمعتزلة في تعريف الإيمان. ويؤكد أن الصواب هو قول أهل السنة: الإيمان قول وعمل واعتقاد يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، مستنداً إلى الكتاب والسنة والإجماع وأقوال السلف.
يفرق المقطع بين الخلاف اللفظي الذي لا يؤثر في الأحكام والخلاف المعنوي الذي يترتب عليه أحكام شرعية. ويوضح أن خلاف أهل السنة مع مرجئة الفقهاء معنوي، حيث يعدّون شارب الخمر والزاني مؤمنين ناقصي الإيمان لا كاملين.
صلى الله عليه وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، فذكر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى في هذا الموضع من رسالته هذا الفصل، وهما يتعلق ببيان ما عليه أهل السنة والجماعة في الإيمان. هذا الأصل العظيم فهو أن عندهم الإيمان والدين قول وعمل: قول القلب واللسان، وعمل القلب واللسان والجوارح، وأن الإيمان يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية. وهذا أصل عظيم عند أهل السنة والجماعة، وقد تقدم معنا شيء من ذكر هذا الأصل حين ذكر شيخ الإسلام رحمه الله تعالى وسطية أهل السنة والجماعة بين فرق الإفراط والتفريط، بين الحرورية والمعتزلة في باب أسماء الإيمان والدين، وبين المرجئة والجهمية. فهم وسط في هذا الباب. ذكر الشارح له الراس رحمه الله تعالى قال: سبق ذكرنا في مسألة الأسماء والأحكام أن أهل السنة والجماعة يعتقدون أن الإيمان قول باللسان واعتقاد بالجنان وعمل بالأركان، وأن هذه الثلاثة داخلة في مسمى الإيمان المطلق. الإيمان المطلق بمعنى الإيمان الكامل، ومطلق الإيمان المراد به أصل الإيمان. فالإيمان المطلق يشمل هذه الأمور الثلاثة: الإيمان الكامل القول والعمل والاعتقاد. فلا يكون الإيمان إيمانا كاملا إلا بهذه الأمور الثلاثة، وهي القول والاعتقاد والعمل، أعمال الجوارح، وهكذا الأعمال العملية التي يعملها العباد من صلاة وزكاة وصيام إلى آخر ذلك. فهذا هو الإيمان الكامل، ومطلق الإيمان أصل الإيمان الذي قد يكون معه تقصير في الأعمال أو فعل للكبائر. فالمؤمن المطلق هو الذي معه امتثال للواجبات وترك للمحرمات، هذا الإيمان المطلق الإيمان الكامل. فالذي عنده الإيمان الكامل هو من امتثل الواجبات وترك المحرمات، هذا هو الإيمان الكامل. ومطلق الإيمان الذي هو أصل الإيمان وهو الإيمان الناقص الذي معه فعل لشيء من المحرمات التي هي دون الشرك، وترك للواجبات التي هي دون الشرك والكفر، التي هي دون التوحيد. فهذا مطلق الإيمان يعني إيمان ناقص. فشارب الخمر مثلا والزاني هذا معه مطلق الإيمان، هذا معه مطلق الإيمان الذي قد امتثل الواجبات وترك المحرمات، ما عنده كبائر، هذا ماذا معه؟ الإيمان المطلق وهو الإيمان الكامل. قال: فالمؤمن المطلق يدخل في جميع الدين ظاهره وباطنه، أصوله وفروعه. فلا يستحق اسم الإيمان المطلق يعني الإيمان الكامل إلا مع جمع ذلك كله ولم ينقص منه شيئا، يعني لا ينقص شيئا في الواجبات وهكذا في ترك المحرمات. قال رحمه الله تعالى: ولما كانت الأعمال والأقوال داخلية في مسمى الإيمان كان الإيمان قابلا للزيادة والنقص، فهو يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، كما هو صريح الأدلة من الكتاب والسنة، وكما هو ظاهر مشاهد من تفاوت المؤمنين في عقائدهم وأعمال قلوبهم وأعمال جوارحهم. هنا ذكر مسألة أيضا هي أصل عند أهل السنة والجماعة في الإيمان، وهو أنه يزيد وينقص. الإيمان قول وعمل واعتقاد يزيد وينقص. قد نقل اللالكائي رحمه الله عن طوائف من السلف، عن الشافعي وأحمد وإسحاق والحمادين ووكيع وغيرهم من السلف، كلهم يقولون الإيمان يزيد وينقص. وذكر شيخ الإسلام رحمه الله تعالى ابن تيمية أن الصحابة كلهم قد ثبت عنهم القول بزيادة الإيمان ونقصانه، ولم يوجد بينهم مخالف، لم يوجد فيهم مخالف في هذا، في كون الإيمان يزيد وينقص. بل نقل بعض العلماء الإجماع على أن الإيمان يزيد وينقص، كالشافعي رحمه الله وغيره من أهل العلم. فأهل السنة مجمعون على أن الإيمان يزيد وينقص، وإنما خالف في ذلك المرجئة والجهمية وغيرهم ممن خالف أهل السنة والجماعة في هذا الباب. وأدلة الزيادة والنقصان كثيرة في الكتاب والسنة، منها قوله جل وعلا: ﴿ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَّعَ إِيمَانِهِمْ ﴾، ﴿ وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى ﴾، ﴿ وَإِذَا مَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُم مَّن يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَٰذِهِ إِيمَانًا ﴾. ومن الحديث: قال النبي عليه الصلاة والسلام: «الإيمان بضع وستون شعبة، أعلاها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان». فيه أعلى وفيه أدنى. وأدلة الزيادة أدلة على النقصان، وكما أن أدلة النقصان أدلة على الزيادة. قال النبي عليه السلام في النساء: «ما رأيت من ناقصات عقل ودين أذهب للب الرجل الحازم من إحدى كن». ناقصات الدين، وهي دليل على نقص الإيمان، وأن الإيمان ينقص. وفي قوله عليه الصلاة والسلام: «وذلك أضعف الإيمان» - حديث أبي سعيد في مسلم: «من رأى منكم منكرا فليغيره» - في آخره قال: «وذلك أضعف الإيمان». فمن لم يستطع بقلبه فذلك أضعف الإيمان. فالأدلة كثيرة. وهكذا في كلام الصحابة، كانوا يقولون: «هلموا نزد إيمانا، هلموا نزد إيمانا»، يجلسون يذكرون الله عز وجل. وهكذا كان يقول السلف: «من فقه العبد أن يتعاهد إيمانه، هل يزيد أم ينقص، هل يزيد أم ينقص». فالأدلة في القرآن والسنة وفي أقوال الصحابة كثيرة جدا. ومن الحديث قوله: «إن الإيمان ليبلى في جوف أحدكم كما يخلق الثوب»، ومعنى أنه ينقص. قال عليه الصلاة والسلام: «فاسألوا الله أن يجدد إيمانكم»، أي ليزداد هذا الإيمان لأنه يضعف. فإذن عند أهل السنة والجماعة الإيمان يزيد وينقص. خالف في ذلك المرجئة والجهمية وغيرهم كما سيأتي. زيادته بالطاعة ونقصانه بالمعصية، بفعل المعصية وترك الواجبات. إذا فعل الإنسان المعاصي نقص إيمانه، وهذا إذا ترك الواجبات وترك الطاعات ينقص إيمانه. ليالي قال: كما هو صريح الأدلة من الكتاب والسنة، وكما هو ظاهر مشاهد من تفاوت... هذا شيء محسوس يشعر به الإنسان والصحابة كذلك كان يذكرون ذلك للنبي عليه الصلاة والسلام، كما قال حنظلة: «نافق حنظلة». كما في صحيح مسلم رحمه الله، جاء حنظلة إلى أبي بكر قال: نافق حنظلة. قال: وما ذاك؟ أخبره أنه إذا كان عند النبي صلى الله عليه وسلم يذكر الجنة والنار كأنهم يرونها رأي العين، فإذا ذهبوا عنه وعاشروا الأزواج والأولاد أنكروا، أنكرنا قلوبنا. قال أبو بكر: أجد ذلك عندي. فذهبا إلى النبي عليه الصلاة والسلام وأخبره حنظلة بذلك، فقال لهم النبي عليه الصلاة والسلام: «لو تدومون على ما أنتم عليه لصافحتكم الملائكة في الطرق، ولكن يا حنظلة ساعة وساعة، ساعة وساعة». فهذا شيء محسوس يشعر به الإنسان، إذا كان الإيمان في قلبه قويا شيء يحسه ويشعر بضعف إيمانه حين يقع في التقصير وفي التفريط في شيء من الأمور والتهاون والتأخر، هذا ضعف الإيمان. والوقت الذي يكون فيه الإيمان قويا يشعر بذلك ويحس بذلك، يرى عنده شيء من الخوف وعنده شيء من الجد والحرص والاجتهاد على قراءة القرآن وعلى المحافظة على الصلوات في أوقاتها وعلى عدم قول الكلام السيء وغير ذلك، لأن الإيمان في هذا الوقت قوي. نعم، يزداد. ولكن لما يضعف يحضر الخلل ويحضر التقصير. وهذا شيء مشاهد، نحس به جميعا ونشعر به جميعا. فدليل الشرع ودليل العقل ودليل الفطرة ودليل الحس كل ذلك يدل على هذا الأمر، وهو أن الإيمان يزيد وينقص. والإيمان كما قدم معنا في دروس في تعريفه في اللغة، بعضهم يقول هو التصديق، وبعضهم يقول هو الإقرار، ولا إقرار إلا بتصديق. ومنهم من يقول الإيمان في اللغة هو التصديق المبرهن بعمل، ولعل هذا أقوى الأقوال في هذه المسألة. التصديق في اللغة هو الإيمان في اللغة هو التصديق المبرهن بعمل. لأن الله جل وعلا قال لإبراهيم: ﴿ قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا ﴾. إبراهيم أمر بأن يذبح ابنه إسماعيل، وهو مصدق بهذا، مصدق بخبر الله ومؤمن بخبر الله، ومع هذا إنما قال له جل وعلا: ﴿ قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا ﴾ حين قام ممتثلا، كما قال سبحانه: ﴿ فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ * وَنَادَيْنَاهُ أَن يَا إِبْرَاهِيمُ * قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا ﴾. فقال العلماء: الإيمان هو التصديق المبرهن بعمل، والمقرون بعمل. وفي الاصطلاح كما هو معلوم: قول باللسان وعمل به، واعتقاد بالجنان وعمل بالجوارح والأركان، يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية. وخالف أهل السنة في هذا الباب طوائف، سيأتي ذكرهم. قال رحمه الله: ومن الأدلة على زيادة الإيمان ونقصانه أن الله قسم المؤمنين ثلاث طبقات، فقال سبحانه: ﴿ ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُم مَّقْتَصِدٌ وَمِنْهُم سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ﴾. هذا ضعيف الإيمان، إيمانه ضعيف. ومنهم مقتصد، ومنهم سابق بالخيرات بإذن الله، وهذا إيمانه زائد ومرتفع. والسابقون بالخيرات هم الذين أدوا الواجبات والمستحبات، تركوا المحرمات والمكروهات، وأولئك أتوا بالإيمان المطلق والإيمان الكامل. قالوا: أولئك هم المقربون. والمقتصدون هم الذين أدوا الواجبات وترك المحرمات، وأولئك أيضا أتوا بالإيمان المطلق الإيمان الكامل، وإن كان الذين قبلهم والسابقون أرفع منهم مرتبة. لكن السابقون والمقتصدون أتوا بالإيمان المطلق الواجب الذي أوجبه الله جل وعلا عليهم. قالوا: الظالمون لأنفسهم هم الذين اجترؤوا على بعض المحرمات وقصروا في بعض الواجبات مع بقاء أصل الإيمان معهم، وهذا إيمانهم ضعيف. قالوا: مجوز زيادته ونقصانه كذلك أن المؤمنين متفاوتون في علوم الإيمان، فمنهم وصل إليه من تفاصيله وعقائده خير كثير فازداد به إيمانه وتم يقينه. وهذا واضح، العلماء ليسوا كغيرهم: ﴿ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ ﴾. لماذا صار العلماء أخشى الناس؟ لقوة إيمانهم ولقوة يقينهم. فالعلماء لما كان عندهم العلم العظيم كانوا أشد الناس خشية. وهكذا الناس يتفاوتون في خشيتهم لله جل وعلا بقدر ما معهم من العلم والإيمان، لأن العلم يورث الخشية. فكلما ازداد الإنسان علما ازداد خشية. فالناس يتفاوتون، وهذا التفاوت يدل على زيادة الإيمان ونقصانه، لأن الخشية من الإيمان. فإذا كان الإيمان زائدا كانت الخشية أقوى، وإذا كان ناقصا حصل ضعف في الخشية وفي الخوف. قال رحمه الله: فازداد به إيمانه وتم يقينه. منهم من هو دون ذلك، حتى يبلغ الحال ببعض من لا يكون معه إلا إيمان إجمالي، لم يتيسر له من التفاصيل شيء. مثلا بعضهم مؤمن بالله لكن يجهل مثلا أسماء الله، نعم، يجهل الصفات لله عز وجل. وهكذا في الإيمان بالملائكة هو مؤمن بالملائكة لكن ربما لا يعلم أسماء الملائكة، من أسماء الملائكة. نعم. وهكذا في الإيمان بالكتب هو مؤمن بكتب الله لكن ربما يجهل أن هناك من الكتب التوراة والإنجيل. وهكذا فيما يتعلق بالرسل فهو مؤمن برسل الله لكن ربما يجهل أن من أنبياء الله ورسل الله عيسى أو موسى أو داود أو نوح أو غير ذلك. وهكذا في اليوم الآخر، هم مؤمن باليوم الآخر لكن لا يعرف التفاصيل مما يجري مثلا في القبر من أمور، وما يجري في اليوم الآخر من موازين وحشر وصراط، قد يجهل هذه التفاصيل. فهذا معه إيمان إجمالي، ليس كمن عنده إيمان تفصيلي. فالذي عنده إيمان تفصيلي إيمانه أقوى، لأن علمه بتفاصيل هذه الأشياء سبب لزيادة إيمانه. وذلك العلم يزيد الإيمان، كلما ازداد إنسان علما ازداد إيمانه. ويعلم من هذه الأمور ما يتعلق بالأحكام الشرعية، ما يتعلق بالغيبيات وغير ذلك مما جاءت الأخبار بها، فهو يعلم ذلك. ففرق بين من كان إيمانه مجملا ومن كان إيمانه على تفصيل. وهؤلاء على الإيمان على نوعين: إيمان مجمل وإيمان مفصل. الإيمان المجمل صاحبه مؤمن، وإن كان قد جهل تفاصيل التي لا يضر الجهل بها، لا يضر يعني من جهة الإيمان من حيث الأصل لا تضر، نعم بضعفه تضربه فتضعفه لكن لا تذهب أصله. عدم المعرفة بالتفاصيل لأنه يكون على إيمان مجمل. لكن التفاصيل التي بها تكون سببا لتعظيم الله جل وعلا والعلم به سبحانه وتعالى، الذي معه امتثال الأوامر والاجتناب النواهي، وعدم الجهل، لأن الجهل بالتفاصيل يجعل الإنسان يقع في المحرمات ويترك الواجبات، فإذا وقع فيها أثر على إيمانه من حيث زيادته فيضعفه وينقصه. الإيمان الإجمالي الذي هو مطلق الإيمان الذي هو أصل الإيمان وهو مسلم. وسيأتي في الفائدة الأخيرة التي ذكرها رحمه الله تعالى ما يتعلق بهذا الارتباط بين الإسلام والإيمان، والإيمان المجمل والإيمان المفصل. قال رحمه الله تعالى: وهو مع ذلك مؤمن، يعني إن جهل التفاصيل، لكن هو ناقص الإيمان، لأنه إذا جهل ووقع في شيء من تفريط أدى إلى ضعف إيمانه. قال: وكذلك هم متفاوتون في كثير من أعمال القلوب والجوارح، وكثرة الطاعات وقلتها. إيمان الملائكة وإيمان الصحابة ليس كإيمان غيرهم. الإيمان في قلوب الصحابة كأمثال الجبال، كأمثال الجبال. ولذلك لما سئل بعض الصحابة، أظنه ابن عمر: هل الصحابة يضحكون؟ هل الصحابة يضحكون أو لا يضحكون؟ قال: الصحابة يضحكون والإيمان في قلوبهم أمثال الجبال. نعم، الضحك شيء فطري لا يؤثر الإيمان. نعم، فأراد رضي الله عنه أن يبين أن هذا لا أثر له، الإنسان يضحك، ليس معناه يضحك أن ما عنده إيمان ضعيف. لا، فيضحكون والإيمان في قلوبهم كالجبال. فهذا يدل على أن الإيمان في قلوب الصحابة قد بلغ مبلغا لن يأتي أحد بعدهم يبلغ ما بلغوا من الإيمان، لأنهم شافهوا النبي عليه الصلاة والسلام وحضروا الوحي والتنزيل، وليس الخبر كالمعاينة. ليس الخبر كالمعاينة، هم عاينوا، عاينوا الأشياء، ونزل الوحي مشافهة النبي عليه الصلاة والسلام، وأن كيف لما ينزل الوحي عليه عليه الصلاة والسلام، ورسول الله قد خاطبهم كما سمعتم فيما تقدم: «كأن نرى الجنة رأي العين والنار». نعم، فلذلك لا شك أن إيمانهم سيكون أعظم ممن جاء بعدهم، ممن إنما جاءه الخبر. نعم، فلا شك من يرى الشيء ويعاينه يكون أعظم يقينا وإيمانا من غيره. طيب، وهكذا إيمان العلماء ليس كإيمان العامة، فرق. قال رحمه الله تعالى: وما من ذهب إلى أن الإيمان مجرد التصديق بالقلب وأنه غير قابل للزيادة أو النقص، كما يروى عن أبي حنيفة وغيره، فهو محجوج بما ذكرنا من الأدلة. جاء عن أبي حنيفة في قول أنه يرى أن الإيمان مجرد التصديق بالقلب، والقول شيء زائد. والقول الآخر المشهور عنه أنه يقول الإيمان قول وتصديق، قول وتصديق. وقول له إن الإيمان تصديق والقول شيء زائد، شيء زائد. وهذا لا شك أنه باطل، وخالف كتاب وسنة وإجماع الأمة من أن الإيمان قول وعمل واعتقاد. فذكر رحمه الله تعالى هنا أن هذا القول باطل، قال: محجوج بما ذكرنا من أدلة. قال عليه السلام: «الإيمان بضع وسبعون شعبة، أعلاها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق». ومع أن الإيمان المطلق مركب من الأقوال والاعتقادات... طيب، يعني هذا الحجاج يرد لأنه كما تقدم فيه بيان الإيمان قول باللسان، أعلاها قول لا إله إلا الله، وفيه عمل، أدناه إماطة الأذى عن الطريق، وفيه عمل القلب، والحياء شعبة من الإيمان. وحديث أبي سعيد: «من رأى منكم منكرا فليغيره» كذلك. والأدلة في القرآن كذلك التي دلت على أن الأعمال من الإيمان، ﴿ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ ﴾، مراد به الصلاة وهي عمل. وفي حديث وفد عبد القيس في الصحيحين، في حديث ابن عباس رضي الله عنهما، حين جاء وفد عبد القيس إلى النبي عليه الصلاة والسلام وسألوه عن الإيمان، قالوا قبل ذلك: «يا رسول الله، إن بيننا وبينك هذا الحي من كفار مضر، وإنا لا نستطيع أن نأتيك إلا في الشهر الحرام، فمرنا بأمر فصل نأخذ به ونخبر به من وراءنا». قال: «آمركم بالإيمان بالله وحده، أتدري ما الإيمان بالله وحده؟» ذكرهم النبي عليه الصلاة والسلام الإيمان بالله: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وأن تؤدوا الخمس من المغنم. فبين النبي عليه الصلاة والسلام أن الإيمان أعمال: أداء الخمس من المغنم عمل، إقام الصلاة عمل. فدل على أن الإيمان أعمال كذلك، ليس هو أقوال فقط أو اعتقادات فقط، قول أو تصديق لا، بل الإيمان كذلك منه أعمال. طيب، قال رحمه الله تعالى: طيب، ما جاء عن أبي حنيفة رواية كما سمعتم. والمخالفون في هذا، المخالفون لأهل السنة والجماعة فرق. منهم الجهمية، وهم المرجئة الغلاة، المرجئة غلاة وهم الجهمية. عندهم الإيمان مجرد المعرفة، مجرد المعرفة. من عرف الله جل وعلا فهو مؤمن. وعلى هذا القول يلزم منه أن فرعون ماذا؟ مؤمن ولا ليس بمؤمن؟ مؤمن، لأنه عرف، ﴿ وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا ﴾. وعند الغرق ماذا قال؟ ﴿ آمَنتُ بِالَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ ﴾. هذا قول باطل. والقول الثاني قول الكرامية، وعندهم الإيمان مجرد القول، مجرد القول. من أتى بالشهادتين ما هو مؤمن؟ وهذا باطل لأنه يلزم أن المنافقين مؤمنين أو مؤمنون، لأنهم قالوا كما قال سبحانه: ﴿ إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ ﴾. كذبهم في إيمانهم، لماذا؟ لأن إيمانهم إنما هو فقط ماذا؟ قول، إنما هو فقط قول، ليس معه تصديق، وليس معه عمل يبرهن، نعم، وليس مع عمل أخلص فيه لله جل وعلا يبرهن صحة إيمانهم. فالقول بأن الإيمان القول فقط، فيلزم عليه إدخال المؤمنين، وهؤلاء، إدخال المنافقين، وهؤلاء. قولهم عجب، يعني عندهم من قال الشهادتين فهو مؤمن، فهو مؤمن. طيب، وإن كان منافقا فهو معذب في النار، مؤمن منافق، كيف مؤمن منافق؟ ما يمكن يكون مؤمنا منافقا. لكن عند الكرامية: مؤمن منافق، مؤمن منافق. النفاق الأكبر ما يمكن، نعم، يمكن يكون مؤمن منافق النفاق الأصغر، نعم، نفاق الأعمال: الوعد، الخلف في الوعد، والكذب في الحديث، والفجور في الخصومة، والخيانة في الأمانة. لكن مؤمن منافق نفاقه النفاق الأكبر، هذا لا يمكن، لا يمكن. النفاق الأكبر ضد الإيمان، ولكن مع هؤلاء يقولون: نعم، يمكن. نعم، يقال مؤمن منافق، فهو مؤمن، إن كان منافقا فإذا كان منافقا فهو في النار، إذن معناه يلزم أن المؤمن يكون في النار يوم القيامة، مؤمن في النار، مؤمن فيه في النار خالدا، مؤمن مخلد في النار. كيف مؤمن مخلد في النار؟ نعم، قال: لأنه كان مؤمنا منافق النفاق الأكبر، ما يمكن أبدا. إما مؤمن وإما... وإما كافر. لأن المنافق النفاق الأكبر: مؤمن؟ لا، كافر. كافر. فما في منزلة بين المنزلتين، في المؤمن والمنافق، فهو كمنزلة المعتزلة: المنزلة بين المنزلتين، لا مؤمن ولا كافر، لا يمكن. إما مؤمن وإما ماذا؟ وإما كافر. وهكذا إما مؤمن وإما منافق. أما مؤمن منافق فهذا تناقض. والقول الثالث وهو قول الأشاعرة والماتريدية: الإيمان عندهم مجرد التصديق. وقول لأبي حنيفة هناك كما ذكر، عندهم الإيمان مجرد التصديق، فمن صدق بقلبه نعم فهو مؤمن. وهذا باطل. وقول مرجئة الفقهاء، وهذا اشتهر عند الحنفية، لأنه قد قال به أبو حنيفة، وقال به كذلك الطحاوي رحمه الله، وكثير من الحنفية قالوا الإيمان قول واعتقاد. ولذلك سموا بمرجئة الفقهاء، لأنهم أرجئوا الأعمال وأخروا الأعمال عن مسمى الإيمان. والخلاف مع مرجئة الفقهاء معنوي. بعض العلماء يقول الخلاف لفظي مع مرجئة الفقهاء، لا، الصحيح أنه معنوي. يدل على هذا ما نقل عن السلف. الإمام الثوري رحمه الله تعالى ذكر كما ذكر ابن رجب الحنبلي رحمه الله: خمس مسائل، خالفنا المرجئة في ثلاث. خالفنا المرجئة في ثلاث، وذكر منها: أنهم يقولون الإيمان قول واعتقاد، قالوا: نحن نقول إيمان قول وعمل واعتقاد. قالوا: يقولون لا يزيد ولا ينقص، ونحن نقول يزيد وينقص. فإذن المرجئة خالفوا الإجماع، كيف يكون الخلاف معهم لفظيا وهم قد خالفوا الإجماع؟ أخرجوا الأعمال عن مسمى الإيمان، والإيمان قول وعمل، كما قال الحسن البصري: «الإيمان ما وقر في القلب وصدقه العمل». ما وقر في القلب وصدقه العمل. فلا يمكن يكون إيمان من غير عمل، الإيمان الذي في القلب يحتاج إلى عمل يبرهن ذلك الإيمان ويصدقه، وهو العمل. أما إيمان من غير عمل فهذا ليس بإيمان، ليس بإيمان لا لغة ولا شرعا. حتى في اللغة على الصحيح كما تقدم، لأن الإيمان في اللغة التصديق المبرهن بعمل: ﴿ قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا ﴾ مع برهان وامتثال. طيب، والخوارج والمعتزلة قالوا الإيمان قول وعمل واعتقاد كما قال أهل السنة، ولكن جعلوا الإيمان إما أن يبقى كله أو يذهب كله، فلا ينقص الإيمان، إما أن يأتي بالإيمان كاملا وإما... نعم، يذهب عنه. ولذلك عندهم من ارتكب الكبيرة لم يأت بشيء من الإيمان، فإذا ذهب الإيمان عنه، لأنهم كذلك يقولون لا يزيد ولا ينقص، لا يزيد ولا ينقص. فإما أن يكون الإنسان مؤمنا وإما أن يكون كافرا، ما في مؤمن ناقص الإيمان، لا، إما مؤمن وإما كافر. وهذا باطل، تدل عليه دلائل الشرع، الكتاب والسنة والإجماع. قال: «وإن زنى وإن سرق»، ثم قال أبو ذر: «يا رسول الله، وإن زنى وإن سرق؟» قال: «وإن زنى وإن سرق». يعني هو مؤمن، هو مؤمن. حتى قال في الآخر، آخر الكلام: «وإن رغم أنف أبي ذر». يعني مؤمن. وكما سيأتي معنا، الله جل وعلا أثبت في كتابه الكريم الإيمان للقاتل، وجعله أخا للمقتول. وهكذا في الرقبة المؤمنة، قد يكون عندها شيء من الكبائر وغير ذلك، كما سيأتي. وهكذا ما يدل على الخلاف المعنوي مع المرجئة الفقهاء، ما نقل عن أهل العلم: كالبخاري والخلال وغيرهم، فقد شددوا عليهم، شددوا على المرجئة، مرجئة الفقهاء. وكذلك ما نقل العلامة ابن باز رحمه الله والألباني والمباركفوري وغيرهم من العلماء، نقلوا إنكار السلف على هؤلاء، فدل على أن الإيمان معهم ليس... أن الخلاف معهم ليس لفظيا وإنما هو خلاف معنوي. الخلاف اللفظي تقدم معنا أنه لا اختلاف بينهم في المعنى، اختلاف لفظ، يتفقون في المعنى وفي الحكم. والخلاف المعنوي الذي يدل على اختلاف في الحكم، على الاختلاف في الحكم. ذكرنا مثلا في الخلاف بين أهل السنة والجماعة في القول بالمجاز فيما بينهم، من أهل السنة من يقول بالمجاز ومنهم من لا يقول بالمجاز، لكن هذا خلاف لفظي، لأن الجميع يثبتون الصفات لله سبحانه وتعالى. بخلاف الخلاف بين أهل السنة والجماعة وأهل البدع: المعتزلة وغيرهم في المجاز، الخلاف معهم معنوي لأنه أثر في الحكم، لأن المجاز عند المعتزلة نعم، لأجله نفوا الصفات ولم يثبتوا الصفات. الخلاف أهل السنة والجماعة فيما بينهم كلهم يثبتون الصفات والأحكام، والخلاف بينهم لا أثر له في إلغاء حكم ثبت في الكتاب والسنة من وجوب إلى عدم وجوب وغير ذلك، أو أثر في نفي صفة أو إثبات حكم، لا، لا أثر له في الأحكام الشرعية ولا في غيرها. فإذن هو خلاف لفظي. والخلاف المعنوي ما ترتب عليه الاختلاف في الحكم. ولذلك اختلاف أهل السنة مع مرجئة الفقهاء له أثر وأدى إلى الاختلاف في الحكم. فعند مرجئة الفقهاء: شارب الخمر والزاني مؤمن كامل الإيمان، مؤمن كامل الإيمان. وعند أهل السنة والجماعة: لا، هو مؤمن ناقص الإيمان، مؤمن ناقص الإيمان، لدلالة الشرع على ذلك. طيب، والإجماع كذلك. قال رحمه الله تعالى: وأهل السنة والجماعة مذهبهم واضح: قول وعمل واعتقاد، كما تقدم. تهل وقت. طيب، العلم، نقف هنا إن شاء الله. المبحث الإيمان طويل لكن لا بأس. صلى الله وسلم وبارك على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. شكرا.