الدرس في شرح بعض منارل السائرين إلى الله 5، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يشرح ابن القيم منزلة الاعتصام بأنها نوعان: الاعتصام بالله للقوة والوقاية، والاعتصام بحبل الله للهداية والتمسك بالكتاب والسنة. ويشبه السائر إلى الله بمسافر يحتاج إلى دليل وسلاح مستدلاً بآيات وأقوال السلف في تفسير الحبل بالدين والجماعة.
يستعرض المقطع أقوال المفسرين في معنى "حبل الله" مبيناً أنه القرآن والسنة والعهد والطاعة، ويربط ذلك بحديث صحيح عن رضا الله. ويذكر شرح العلامة الفوزان بأن وحدة المسلمين تتحقق بتوحيد العقيدة والمرجعية والقيادة.
يؤكد المقطع أن وحدة الأمة تتحقق بالرجوع إلى الكتاب والسنة عند الاختلاف وطاعة ولي الأمر الواحد لتجنب الفوضى. كما يشدد على الاعتصام بالله تعالى بالتوكل والالتجاء إليه للهداية ودفع الشر.
يبين المقطع أن من اعتصم بالله كفاه الله ودافع عنه مستشهداً بقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾. وأن هذه المنزلة هي طريق السالكين إلى الجنة والدار الآخرة.
الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم تسليمًا كثيرًا، أما بعد. قال الإمام ابن القيم عليه رحمة الله في كتابه مدارج السالكين: منزلة الاعتصام بالله، منزلة الاعتصام بالله. قال: ثم ينزل القلب منزلة الاعتصام، وهو نوعان: اعتصام بالله، واعتصام بحبل الله. قال الله تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾، هذا دليل الاعتصام بحبل الله. وقال: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ﴾، وهذا دليل الاعتصام بالله. ومن أدلة كذلك الاعتصام بالله قول الله عز وجل: ﴿وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾. قال ابن القيم عليه رحمة الله: والاعتصام افتعال من العصمة، وهو التمسك بما يعصمك ويمنعك من المحذور والمخوف، فالعصمة الحمية، والاعتصام الاحتماء، ومنه سُميت القلاع عواصم لمنعها وحمايتها. هذه من الناحية اللغوية، فالاعتصام بمعنى العصمة، وبمعنى كذلك الحمية. قال: ومدار السعادة الدنيوية والأخروية على الاعتصام بالله والاعتصام بحبله، ولا نجاة إلا لمن تمسك بهاتين العصمتين، وهذا يدلك على أهمية هذه المنزلة إذ بها مدار السعادة الدنيوية والأخروية. ثم سيبين رحمه الله معنى الاعتصام بحبل الله ومعنى الاعتصام بالله. قال رحمه الله: فأما الاعتصام بحبله فإنه يعصم من الضلالة، والاعتصام به يعصم من الهلكة، وبهذا ينجو الإنسان إذا عصم من الضلالة وعصم من الهلكة، نجا وسعد في الدنيا والآخرة. قال رحمه الله: فإن السائر إلى الله كالسائر على طريق نحو مقصده، أنت تريد مكانًا ما، تريد مكانًا ما، فتسير على طريق، فهذا الطريق يشترط فيه أمران اثنان حتى تصل إلى مقصودك. فقال هاهنا: فهو محتاج إلى هداية الطريق والسلامة فيها، يحتاج إلى أن يعرف هذا الطريق حتى لا يظل ويذهب طريقًا أخرى تبعده عن مقصده وعن هدفه، وهذا يكون بمعرفة هذا الطريق وهو التمسك بحبل الله. قال رحمه الله: والسلامة فيها، قد أنك تعرف هذه الطريق التي توصل إلى مقصودك، ولكن هذه الطريق فيها مخاوف، فيها مخاوف، فيحتاج إلى أن تستعد لأي طار يطرأ لك في طريقك، يطرأ لك في طريقك، وهذا هو الاعتصام بالله. فلذلك قال: فلا يصل إلى مقصده إلا بعد حصول هذين الأمرين له، فالدليل كفيل بعصمته من الضلالة، يعني كونه يعرف الطريق. قال: قال: وأن يهديه إلى الطريق، يعني هذا الدليل. قال: والعدة والقوة والسلاح التي بها تحصل له السلامة من غوائل الطريق وآفاتها، وهذا هو الاعتصام بالله. إن كنت تمشي على هذا الطريق ولكن ما عندك قوة وما عندك سلاح، فأي عدو سيخترقك وربما يقتلك ويهلكك، فإذن لا بد أن تكون قويًا مستعدًا لأي طارئ، وهذا هو الاعتصام بالله سبحانه وتعالى. قال: فالاعتصام بحبل الله يوجب له الهداية، يوجب له الهداية واتباع الدليل، والاعتصام بالله يوجب له القوة والعدة والسلاح والمادة التي يستقيم بها في طريقه. ولهذا اختلفت عبارات السلف في الاعتصام بحبل الله بعد إشارتهم كلهم إلى هذا المعنى، يعني ما المراد بحبل الله، فكلام السلف في معنى حبل الله متقارب كما سيتبين لك، وهو يشير إلى هذا المعنى، ألا وهو اتباع الدليل الموصل إلى الهدف وذلك بالتمسك بالكتاب والسنة، هذا هو الخلاصة، خلاصة معنى حبل الله كما سيأتي من كلام السلف. قال: فقال ابن عباس: تمسكوا بدين الله في قوله: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا﴾، أي تمسكوا بدين الله، ودين الله إنما هو كتاب وسنة. وقال ابن مسعود: هو الجماعة، والجماعة هي من كانت على الحق، ولا تكون على الحق إلا بتمسكها بالكتاب والسنة. وقال، أي ابن مسعود: عليكم بالجماعة فإنها حبل الله الذي أمر به، وإنما تكرهون في الجماعة والطاعة خير مما تحبون في الفرقة، يعني ما تكرهون في الجماعة من إيثار مثلًا الأمراء على الرعية في بعض أمور الدنيا، فلا تكرهون ذلك فيؤدي بكم هذا الكره إلى الخروج عن الجماعة وإلى الخروج عن حبل الله، فما تكرهون في الجماعة والطاعة خير مما تحبون في الفرقة من الفتن وكذلك الخروج. وقال مجاهد وعطاء: بعهد الله، يعني ﴿اعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ﴾ بعهد الله، وهو ما عهده الله عز وجل في كتابه وفي سنة نبيه عليه الصلاة والسلام. وقال قتادة والسدي وكثير من أهل التفسير: هو القرآن، حبل الله هو القرآن، وقولهم القرآن فإنه كذلك يتضمن السنة لأن السنة داخل في القرآن. قال الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾، فإذن حبل الله هو القرآن والسنة، فالاعتصام بهما التمسك بهما والعمل بهما. قال ابن مسعود رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «إن هذا القرآن هو حبل الله، وهو النور المبين، والشفاء النافع، وعصمة من تمسك به، ونجاة من تبعه». وهذا لا يصح مرفوعًا إلى النبي عليه الصلاة والسلام، وإنما جاء عن بعض السلف كعلي بن أبي طالب وغيره، وإن كان كذلك في سند هذه الآثار كلام، ولكن معنى هذه الآثار صحيح دل عليه القرآن والسنة. وقال، وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم: «إن القرآن هو حبل الله المتين، وهو الذكر الحكيم، وهو الصراط المستقيم، وهو الذي لا تزيغ به الأهواء، ولا تختلف به الألسن، ولا يخلق على كثرة الرد، ولا يشبع منه العلماء». وهذا كذلك ضعيف، ضعفه الترمذي، فإن في سنده الحارث الأعور وهو ضعيف. وقال مقاتل: بأمر الله وطاعته، يعني ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ﴾ بأمر الله وطاعته. قال: ﴿وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ كما تفرقت اليهود والنصارى. قال: وفي الموطأ من حديث مالك عن سهيل بن أبي صالح عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله يرضى لكم ثلاثًا ويسخط لكم ثلاثًا، يرضى لكم أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئًا، وأن تعتصموا بحبل الله جميعًا، وأن تناصحوا من ولاه الله أمركم، ويسخط لكم قيل وقال، وإضاعة المال، وكثرة السؤال». رواه مسلم في الصحيح، يعني هذا الحديث في صحيح مسلم. والعلامة الفوزان رحمه الله تعالى علق على هذا الحديث في شرحه لمسائل الجاهلية، وذكر أن المسلمين لا يمكن أن يجتمعوا وأن يتوحدوا إلا إذا توحدوا في ثلاثة أمور: الأمر الأول توحيد العقيدة، والأمر الثاني توحيد المرجع، والأمر الثالث توحيد القيادة. هكذا ذكر رحمه الله تعالى مستدلًا بهذا الحديث. أما توحيد العقيدة فهو في قوله عليه الصلاة والسلام: «أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئًا، أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئًا»، فلا يمكن أن يجتمع المسلمون وأن يتوحدوا وبينهم من يدعو غير الله، ومن يستغيث بغير الله، ومن يعتقد في غير الله أنه ينفع أو يضر أو إلى غير ذلك أبدًا، فلا يكون التوحيد توحيد الأمة واجتماع الأمة إلا بتحقيق التوحيد الخالص لله سبحانه وتعالى. فمن دعا إلى وحدة المسلمين ولم يدعو إلى نبذ الشرك والخرافة فهذا كأنما ينفق في بالون مثقوبة لا يمكن أن تتعبأ بالهواء. وهكذا من يدعو إلى توحيد المسلمين ولا يدعو إلى تصحيح العقيدة لا يمكن أن يتحقق هذا الاجتماع أبدًا إلا بتوحيد الله سبحانه وتعالى: ﴿أَنْ تَعْبُدُوهُ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾. وهكذا الأمر الآخر: توحيد المرجع، أن المسلمين تكون عندهم أصول في المرجعية عند الاختلاف وعند التنازع، أين يرجعون؟ إلى من يرجعون؟ هل إلى الأعراف والأسلاف؟ هل إلى كذلك القوانين الوضعية والمناهج الحزبية؟ إن الرجوع عند الاختلاف يجب أن يكون إلى الكتاب والسنة. قال الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾، هذا هو الخير وهذا هو العاقبة الحسنة، أن يرجع المسلمون عند الاختلاف إلى الكتاب والسنة، بهذا تجتمع الأمة. أما ذاك له منبر وله حزب وله جماعة يسمع ويطيع لها وإن خالفت الكتاب والسنة، وذاك كذلك له جماعة وله مرجعية يرجع إليها ويتعصب لها، فهذا هو عين التفرق، هذا هو عين التفرق، فإذا لا بد من الاعتصام بالكتاب والسنة، بهذا تجتمع الأمة، بهذا تجتمع الأمة. والأمر الثالث: توحيد القيادة، ﴿وَأَنْ تَنَاصَحُوا مَنْ وَلَّاهُ اللَّهُ أَمْرَكُمْ﴾، أي أن يكون المسلمون تحت قيادة واحدة من إمام المسلمين. وانظر لما ضعف أمير المؤمنين أو ولي أمر المسلمين في بعض البلاد دبت الفوضى وزعزع الأمن وتسلط السفهاء في البلاد، كتسلط الحوثي على هذه البلاد، ما تم تسلطه إلا بعد أن ضعف أمر ولي الأمر، فهذا يدلك على أن الأمور لا تجتمع ولا تحسم ولا تتوحد إلا بوليّ أمر المسلمين وأن يطاع في طاعة الله عز وجل. فقول النبي عليه الصلاة والسلام: ﴿وَأَنْ تَنَاصَحُوا مَنْ وَلَّاهُ اللَّهُ أَمْرَكُمْ﴾، نصيحة ولي الأمر دليل على سلامة الصدر، على سلامة الصدر، وأنه لا يوجد غل عند هذا الناصح لولي أمره، فلذلك نصحه وأخلص له في النصيحة، فهذا يدلك على هذا المعنى، ألا وهو توحيد القيادة، أن المسلمين في أي بلد من بلادهم تكون القيادة واحدة ويكون ولي أمرهم واحد ليس متعدد. ولذلك أمر النبي عليه الصلاة والسلام بقتل من جاء ينازع ولي الأمر، بقتل من جاء ينازع ولي الأمر، لماذا؟ لأنه تحصل الفرقة والفتن وإلى غير ذلك، فلا اجتماع للمسلمين إلا تحت ولي أمرهم، إلا تحت ولي أمرهم. هذا ما ذكره العلامة الفوزان رحمه الله تعالى عند تعليقه على هذا الحديث. قال رحمه الله تعالى: قال: وأما الاعتصام به، الآن تكلم على الاعتصام بحبل الله، لأن الاعتصام اعتصامان: اعتصام بحبل الله، واعتصام بالله، كما تقدم في الآيات، فبعدما بين معنى الاعتصام بحبله سيبين رحمه الله معنى الاعتصام بالله. فقال: وأما الاعتصام به فهو التوكل عليه والامتناع به والاحتماء به وسؤاله أن يحمي العبد ويمنعه ويعصمه ويدفع عنه، فإن ثمرة الاعتصام به هو الدفع عن العبد، ﴿وَاللَّهُ يَدْفَعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾، هذا معنى الاعتصام بالله، أن تلجأ إلى الله وأن تفوض أمورك كلها لله سبحانه وتعالى عند مواجهتك للعدو، سواء كان العدو الأكبر وهو الشيطان أو أعداء الإنس والجن، فإنك تستعين بالله سبحانه وتعالى وتتوكل عليه وتعتصم به، فيهديك ربك سبحانه وتعالى، ﴿وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾، لا تلجأ إلى غير الله، ولا تلجأ إلى المخلوق، وإنما تلجأ إلى ركن شديد إلى الله سبحانه وتعالى، هذا هو الاعتصام بالله. قال: فيدفع عن عبده المؤمن إذا اعتصم به كل سبب يفضي به إلى العطب ويحميه منه، فيدفع عنه موجب أسباب الشر بعد انعقادها بحسب قوة الاعتصام به وتمكنه، كلما كان العبد أشد اعتصامًا بالله عز وجل كلما كان دفاع الله عز وجل عنه أعظم. قال: قال: فيدفع عنه موجب أسباب الشر بعد انعقادها بحسب قوة الاعتصام به وتمكنه، فتفقد في حقه أسباب العطب، فيدفع عنه موجباتها ومسبباتها، ويدفع عنه قدرًا بقدره وإرادة بإرادته، ويعيذه به منه. والخلاصة والخلاصة: أن من اعتصم بالله كفاه الله ودافع عنه كما قال الله عز وجل: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾، فهي منزلة عظيمة سار عليها السالكون طريق الجنة، السائرون إلى الله والدار الآخرة. نكتفي بهذا وإلى هنا والله تعالى أعلم.