شرح عقيدة السلف للإمام الصابوني 13

الدرس في شرح عقيدة السلف للإمام الصابوني 13، ألقاها

الفرق بين أهل السنة وأهل البدعة في التعامل مع نصوص الصفات

يشرح الفرق بين أهل السنة وأهل البدعة في التعامل مع نصوص الصفات الإلهية، حيث يأخذ أهل السنة بظاهر النصوص بينما يحرف أهل البدعة النصوص بتأويلاتهم. يُبين أن أهل السنة يعتقدون أن الله أعلم بنفسه وأن كلامه واضح ولا يحتاج إلى تحريف.

تحريف المعنى وتأويل الصفات الإلهية عند الفرق المختلفة

يتناول تحريف المعنى عند الجهمية والمعتزلة والأشاعرة وتفسيرهم الخاطئ للصفات الإلهية، بينما يثبت أهل السنة والسلف الصفات كما جاءت في الكتاب والسنة. يُبرز الاختلاف بين السلف والخلف في التعامل مع هذه الصفات.

قاعدة التسليم لأوامر الله ورسوله وتطبيقها على نصوص الصفات

يشرح قاعدة 'على الله البيان، وعلى الرسول البلاغ، وعلينا التسليم' التي تدعو إلى التسليم لأوامر الله ورسوله، ويبين أهمية تطبيق هذه القاعدة على نصوص الصفات الإلهية.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه، بعد. قال الإمام أبو عثمان الصابوني رحمه الله: قال: والفرق بين أهل السنة وبين أهل البدعة أنهم إذا سمعوا خبرا في صفات الله أو في صفات الرب جل وعز ردوه أصلا ولم يقبلوه، أو يسلموا للظاهر ثم يؤولوه بتأويل يقصدون به رفع الخبر من أصله، وإعمال حيال عقولهم وآرائهم فيه. ويعلمون حقا يقينا أن ما قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم فعلى ما قاله، إذ هو كان أعرف بالرب جل وعز من غيره، ولم يقل فيه إلا حقا وصدقا ووحيا. قال الله عز وجل: ﴿وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى﴾. فهذا قال الآن ذكر المؤلف الفرق بين أهل السنة وبين أهل البدع في تلقيهم نصوص الكتاب والسنة، وخاصة في الصفات. فأهل السنة طريقتهم كما ذكر رحمه الله أنهم يأخذون بظاهر النصوص، نصوص الكتاب والسنة. مثل ما ذكر ربنا سبحانه وتعالى، وربنا قد قال: ﴿قل أأنتم أعلم أم الله﴾، فهو أعلم بنفسه سبحانه جل وعلا. فإذا ذكر أسماءه وصفاته فنذكرها كما قال. ولأن الله عز وجل قد خاطب الناس بلغة العرب، قرآن عربيا، فهو يحمل على لغة العرب المعروفة. فربنا جل وعلا لم يرد أن يشكل على الناس، يذكر لهم كلاما لا يفهمونه، كما يقول المفوضة، أو كلاما يريد غيره، كما تقول الأشاعرة. الأشاعرة يقولون أن كلام الله ظاهره غير مراد، ظاهره غير مراد. وتجد العجب أن كثيرا من الشافعية يقولون مثل هذا الكلام، مع أن الإمام الشافعي رحمه الله قد ثبت عنه ذكره البيهقي في الاعتقاد، وكذلك في المناقب، وأصح عنه أنه قال: «آمنا بالله وبما جاء عن الله على مراد الله، وأمنا برسول الله وبما جاء عن رسول الله على مراد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم». فدل الإمام الشافعي على أن المراد ظاهر، والمراد مقصود. فأما قول الأشاعرة أن الظاهر غير مراد، فهذا افتراء على الشرع، لأنهم يقولون: الله عز وجل يقول بما لم يقل. فهم يقولون أن الله عز وجل يذكر أشياء وهو لا يريد هذا المراد الظاهر، وإنما يريد شيئا آخر، وهو الذي يقولون أنه تأويل. مع أن هذا خطأ في لغة العرب، ليس هناك تأويل هو صرف اللفظ عن ظاهره، وإنما هذا تحريف. هذا يسمى تحريفا. قد ذكرنا ذلك في أول كتاب أن المؤلف رحمه الله يرى أن أهل السنة لا يحرفون لا لفظا ولا المعنى، لا يحرفون اللفظ ولا المعنى. فتحريف اللفظ كتحريف اليهود، حرفوا اللفظ. وتحريف المعنى كتحريف الجهمية والمعتزلة والأشاعرة، يحرفون ألفاظ الكتاب والسنة. الله عز وجل يقول: ﴿استوى﴾، هم يقولون: استولى. معنى استولى، معنى الاستيلاء، إنما يكون لمن كان له مضاد، كما قال أبو سعيد العرابي رحمه الله. لكن أهل السنة فسروا هذه الألفاظ بما جاء في لغة العرب. استوى الرحمن على العرش، استوى: علا وارتفع، كما قال أبو العالية الرياحي التابعي الجليل. وكذلك أيضا قال بعض السلف: ارتفع، استوى: ارتفع. فأهل السنة والسلف جميعا كانوا يعرفون هذه الأشياء، حتى جاء هؤلاء الأشاعرة وغيروا هذه الألفاظ. بل إن أبا الحسن الأشعري رحمه الله قد أثبت هذه الصفات في بعض كتبه، كانت رسالة لأهل الثغر، وكذلك في كتابه في الفرق الإسلامية. وأيضا كتابه الذي ألفه في آخره، كتاب الإبانة، أثبت صفات الله جل وعلا، سواء كانت صفات خبرية أو الصفات الفعلية. وإنما حصل هذا بعد ذلك في زمن الرازي والغزالي، وأيضا ابن فورك شيخ البيهقي، وغيرهم من هؤلاء، هم الذين أولوا هذه الصفات وصرفوها عن ظاهرها، وقالوا بأن مذهب الخلف أسلم وأحكم وأعلم. هم يقولون: مذهب السلف التفويض، ومذهب الخلف التأويل. وهذا كذب على سلف الأمة، بل ما جاء عن السلف في تفسير ألفاظ القرآن والأخذ بالظاهر، وجريها على ظاهرها، كما جاء عن مالك، وعن الأوزاعي، وعن الليث، وعن غيرهم. كما جاء وصح عن الوليد بن مسلم الدمشقي، أبو العباس، قال: سألت مالك والأوزاعي والليث بن سعد وسفيان الثوري عن أحاديث الصفات، فقالوا: «أمروها كما جاءت»، أي على ظاهرها. وجاء كذلك عن الأوزاعي بالإسناد الصحيح، أخرجه البيهقي في الأسماء والصفات وغيره، أنه قال رحمه الله: «كنا والتابعون متوافرون، نقول بأن الله استوى على عرشه، ونؤمن بما وردت به السنة من الصفات». فهذه كلها النصوص دلت على أن السلف رحمه الله كانوا يثبتون الصفات، لا كما عند الخلف عند الجهمية الذين بدأوا بتغيير بالتحريف ونفوا الصفات. فقال المؤلف هنا: والفرق بين أهل السنة وبين أهل البدع أنهم إذا سمعوا خبرا في الصفات الرب جل وعز ردوه أصلا ولم يقبلوه. وهؤلاء الجهمية، الجهمية كما جاء عنهم أنهم كانوا يقولون: أن الله لم يكلم موسى، ولم يتخذ إبراهيم خليلا، كما في قصة خالد بن عبد الله القسري الذي قتل الجعد بن درهم. كذلك في قصة سلم بن قتيبة لما جاء عنده الجهم بن صفوان، فقال سلم بن قتيبة للجهم بعدما أمسكه: «والله أنت أحقر من ذلك أني أقتلك، ولكني سمعت مقالة عنك أنك تزعم أن الله لم يكلم موسى، فعهدت إلى الله عز وجل أن إن لقيتك أقتلك». فقال: فعهدت إلى الله عز وجل إن لقيتك أن أقتلك. وهذا لأجل أن هذه ما كانت تعرف هذه المقالات في ذلك الزمن، في زمن السلف، حتى جاء جهم أو جاء الجعد بن درهم، ثم أخذها الجهم بن صفوان، ثم أخذها بشر المريسي وابن أبي دواد وغيرهم، فتناقلوا هذه البدعة، وهي رد نصوص الكتاب والسنة، خاصة التي جاءت فيها الصفات. وكل ذلك أخذا لما كان عليه الكلام وأهل المنطق، كما يقولون المنطق اليوناني، فأخذوا من هذا وقدموه على الكتاب والسنة. قالوا: لم يقبلوا هذه النصوص، بل فسروها على غير تفسيرها. فيقولون مثلا: الوجه والثواب واليد هو العقاب. وأيضا يفسرون الصفات الفعلية كالرضى والمحبة بمعنى الثواب. وأيضا الغضب والكراهة والمقت بمعنى عدم الثواب أو العقاب، وغيرها من هذه التفاسير التي ليست أصلا في لغة العرب. ليس هناك في لغة العرب أن المحبة بمعنى الثواب، وإنما الثواب هو ثمر من ثمرات المحبة. الثواب يعتبر ثمرا، ليس تفسيرا للمحبة. الرضا كذلك ليس من تفسير أو ليس في لغة العرب أن الرضا بمعنى الثواب، ليس هذا من التفسير، وإنما هو أثر من آثاره أو ثمر من ثمراته. معنى إذا رضي الرب سبحانه وتعالى أثاب من رضي عنه، لكن ليس معنى الرضا أنه الثواب، هذا لا يعرف في لغة العرب. فلهذا لأن أولئك ما كانوا على أهل لغة العرب، جهم وغيره، إنما كانوا لا يعرفون لغة العرب أصلا، فجاءوا مثل هذه المعاني الخاطئة، وتبعهم ناس من أهل الهوى. ثم قال: ثم يؤولوه بتأويل يقصدون به رفع الخبر. وهؤلاء أيضا الذين يؤولونه المعتزلة والأشاعرة. قالوا: إعمال حيال عقولهم ورأيهم فيه. ويعلمون حقا أن يستخدموا الحيَل لصرف اللفظ عن ظاهره ومعناه. قال: ويعلمون حقا يقينا أن ما قاله رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فعلى ما قاله، إذ هو كان أعرف بربه جل وعلا من غيره. النبي صلى الله عليه وسلم أعرف بربه جل وعلا، فإذا قال كلاما فهو كما قال عليه الصلاة والسلام، فيثبت لله ما أثبته له رسوله صلى الله عليه وآله وسلم من أسماء وصفات. قال: ولم يقل فيه إلا حقا وصدقا ووحيا. قال الله عز وجل: ﴿وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى﴾. وقال الزهري، إمام الأئمة، زهرة الحفاظ الكبير، وغيره من علماء الأمة رضي الله عنهم: «على الله البيان، وعلى الرسول البلاغ، وعلينا التسليم». أن هذه قاعدة عظيمة ذكرها الإمام الزهري رحمه الله، كما ذكر هذا عنه الإمام البخاري في كتابه خلق أفعال العباد، ذكر عنه عن الزهري أنه قال: «على الله البيان، وعلى الرسول البلاغ، وعلينا التسليم»، أي أننا نسلم لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم. فهذا ما يذكره الله تعالى أعلم.

شاركنا على