الدرس في شرح بعض منارل السائرين إلى الله 4، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يبيّن المقطع مكانة الاستقامة كالتزام بطاعة الله بأداء الواجبات وترك المحرمات، ويذكر ثمارها العظيمة كتنزل الملائكة وبشرى الجنة والأمن من الخوف والحزن. كما ينقل أقوال الصحابة والعلماء في تفسيرها بالتوحيد والإخلاص والعمل بالأمر والنهي، مع الإشارة إلى حديث «قل آمنت بالله ثم استقم» ودرجاتها الثلاث.
يشرح المقطع مفهوم الاستقامة بأنها إصابة مراد الله في النيات والأقوال والأعمال مستنداً إلى حديث «سددوا وقاربوا»، ويؤكد أن النجاة برحمة الله لا بالعمل وحده. ثم يفصل الدرجة الأولى وهي الاستقامة على الاجتهاد في الاقتصاد متضمنة مجاهدة النفس، الاقتصاد، الوقوف عند حدود العلم، الإخلاص، متابعة السنة، وعدم مخالفتها.
يوضح المقطع كيف يدخل الشيطان على العبد إما عبر البدعة والتفريط في السنة، أو عبر الغلو والمجاوزة في العبادة، مستشهداً بأقوال السلف وحال الخوارج والفرق المعاصرة. ويبين أن السلامة تكمن في الاعتدال والتمسك بالاستقامة، مع ذكر أسباب الثبات كالدعاء، مجالسة أهل الاستقامة والعلماء، وطلب العلم النافع.
يتحدث المقطع عن قلق السلف الصالح من تأثير الفتن على من كانوا على استقامة، حيث انقلب بعضهم وعادوا أهل الحق. ويختتم بالدعاء بثبات القلوب على الدين.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد: فمن المنازل التي يتصف بها السائرون إلى الله عز وجل والدار الآخرة منزلة الاستقامة. يقول ابن القيم عليه رحمة الله في كتابه "مدارج السالكين": قال الله تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ ﴾ [فصلت: 30]. هذه الآية احتبينوا ثمار الاستقامة، فمن ثمار الاستقامة أن الملائكة تتنزل على أهلها في هذا الموقف العصيب الحرج عند الموت، كما جاء في تفسير هذه الآية. فالملائكة تتنزل على أهل الاستقامة وتبشرهم وتطمئنهم بهذه البشارات العظيمة، فتقول لهم: ﴿ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا ﴾، لا تخافوا على ما أنتم قادمون عليه، ولا تحزنوا على ما خلفتم وراءكم من ولد وأهل. انظروا إلى ثمار الاستقامة في هذا الموقف العظيم حال الاحتضار: تنزل الملائكة فتطمئن أهل الاستقامة، بل وتبشرهم بما كانوا يدندنون حوله، فتبشرهم بالجنة، فتقول لهم: ﴿ وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ ﴾. وقال: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ * أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ [الأحقاف: 13-14]، وهذه الآية بمعنى الآية المتقدمة. وقال لرسوله صلى الله عليه وسلم: ﴿ فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ﴾ [هود: 112]. واستدل العلماء بهذه الآية على أن الاستقامة مردها إلى الشرع، لا تكون الاستقامة بالاستحسانات ولا بالبدع والمحدثات، وإنما تكون الاستقامة بما أمر الله. فهذا ربنا عز وجل يقول لنبيه عليه الصلاة والسلام: ﴿ فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ ﴾، فأنت لست مفوضا في دين الله سبحانه وتعالى تحلل وتحرم وتزيد وتنقص، وإنما أنت مأمور باتباع شرع الله سبحانه وتعالى. وفي هذه الآية أيضا أن المستقيم يلتزم بحدود الشرع في استقامته فلا يزيد، وهذا في قوله: ﴿ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا ﴾، يعني لا تزيد عن الحد، وإنما تكون الاستقامة بما أمر الله سبحانه وتعالى. يقول ابن القيم عليه رحمة الله: فبين ربنا عز وجل أن الاستقامة ضد الطغيان، وهو مجاوزة الحدود في كل شيء: العقيدة، العبادة، السلوك، المعاملات، وإلى غير ذلك. وقال: ﴿ قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ ﴾ [فصلت: 6]. قال العلماء: من فوائد هذه الآية أن المستقيم قد يصدر منه شيء من التقصير، فلذلك أمرهم الله عز وجل بالاستغفار بعد أمرهم بالاستقامة: ﴿ فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ ﴾ على ما بدر منكم من تقصير. وقال تعالى: ﴿ وَأَنْ لَوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا * لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ ﴾ [الجن: 16-17]، وهذا أيضا من ثمار الاستقامة، فإن المستقيمين موعودون بالرغد في العيش كما في هذه الآية: ﴿ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا ﴾. قال ابن القيم عليه رحمة الله: سئل صديق الأمة وأعظمها استقامة أبو بكر الصديق رضي الله عنه عن الاستقامة، فقال: "ألا تشرك بالله شيئا"، يريد الاستقامة على محض التوحيد، وهذا من التفسير ببعض المعنى. فمن أعظم الاستقامة الاستقامة على التوحيد، أن تفرد الله سبحانه وتعالى بالعبودية، وأن لا تشرك به شيئا، فهذا من التفسير ببعض المعنى. وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: "الاستقامة أن تستقيم على الأمر والنهي، ولا تروغ روغان الثعالب"، يعني لا تغالط، فتؤدي بك هذه المغالطة إلى ترك الأمر والنهي، وإلى اتخاذ الحيل، وإلى غير ذلك، وإنما تستقيم على الأمر والنهي وتستمر على ذلك وتستمر على ذلك. هذه خلاصة الاستقامة: لزوم طاعة الله سبحانه وتعالى بامتثال أمره واجتناب نهيه. وقال عثمان بن عفان رضي الله عنه: "استقاموا: أخلصوا العمل لله". فمن أعظم الاستقامة كذلك الإخلاص لله، سواء أكان في تجريد التوحيد لله عز وجل وحده، أو في البعد عن كل ما يخدش الإخلاص من الرياء والسمعة وإرادة العمل لغير الله سبحانه وتعالى. وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه وابن عباس رضي الله عنهما: "استقاموا: أدوا الفرائض". وهذا من التفسير ببعض المعنى، فمن الاستقامة أداء الفرائض، وهي أحب شيء إلى الله عز وجل. وقال الحسن البصري: "استقاموا على أمر الله، فعملوا بطاعته واجتنبوا معصيته، واجتنبوا معصيته". وكل هذه المعاني متقاربة، وبعضها تفسير للاستقامة ببعض المعنى. وقال مجاهد: "استقاموا على شهادة أن لا إله إلا الله حتى لحقوا بالله"، يعني استمروا على ذلك، وهذا هو معنى الاستقامة: أن يعمل المرء بطاعة الله من أداء الواجبات وترك المحرمات إلى أن يلقى الله، إلى أن يلقى الله. ولذلك يقول الإمام النووي في كتابه "رياض الصالحين": "الاستقامة هي لزوم طاعة الله، لزوم طاعة الله"، يعني الاستمرار على ذلك. وقال: وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه يقول: "استقاموا على محبته وعبوديته فلم يلتفتوا عنه يمنة ولا يسرة"، وهذا أيضا فيه المعاني المتقدمة. وقال: وفي صحيح مسلم عن سفيان بن عبد الله رضي الله عنه قال: قلت: يا رسول الله، قل لي في الإسلام قولا لا أسأل عنه أحدا غيرك، يعني قل لي قولا جامعا فصلا لا أحتاج لأن أسأل غيرك. قال: «قل آمنت بالله ثم استقم»، يعني استمر على ذلك وعمل بمقتضيات هذا الإيمان. وفيه عن ثوبان رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «استقيموا ولن تحصوا، واعلموا أن خير أعمالكم الصلاة، ولا يحافظ على الوضوء إلا مؤمن». الشاهد: «استقيموا»، فأمر النبي عليه الصلاة والسلام بالاستقامة. وقال: والمطلوب من العبد، يقول ابن القيم رحمه الله: والمطلوب من العبد الاستقامة وهي السداد، يعني أن يصيب مراد الله سبحانه وتعالى من امتثال الأمر واجتناب النهي، ويستمر على ذلك، هذه الاستقامة. قال: فإن لم يقدر عليها فالمقاربة، فإن نزل عنها فالتفريط والإضاعة. أنت إذا حدد لك هدف قيل لك: ذاك هدف، المطلوب أن تصيبه، فإن وقعت رصاصتك أو سهمك في عين هذا الهدف فهذه إصابة، أصبت الهدف. وقد لا تصيب الهدف ولكن تقرب منه، يعني قريب جدا من هذا الهدف، فهذه المقاربة. أما إذا شرقت أو غربت وبعدت من هذا الهدف فهذا يسمى تفريطا وإضاعة. وهكذا الاستقامة. ومما يدل على هذا المعنى قال ابن القيم: كما في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «سددوا وقاربوا، سددوا وقاربوا، واعلموا أنه لن ينجو أحد منكم بعمله»، أي مقابل نعم الله عز وجل عليه. فالباء هنا ليست سببية إنما هي جنسية، وإلا فالله عز وجل قد قال في كتابه الكريم: ﴿ تِلْكَ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ [الزخرف: 72]، فالباء في الآية سببية، يعني بسبب أعمالكم، فالله عز وجل يجازي المحسن على إحسانه والمسيء على إساءته. قال: والمراد: «واعلموا أنه لن ينجو أحد منكم بعمله»، أي مقابل نعم الله عز وجل عليه، فالباء هنا جنسية. قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: «ولا أنا، إلا أن يتغمدني الله برحمة منه وفضل». والشاهد: «سددوا وقاربوا»، فإما أن تكون من أهل التسديد، وإما أن تكون من أهل المقاربة، فإن لم تكن من هذين الصنفين فإنك من أهل التفريط والإضاعة، فإنك من أهل التفريط والإضاعة، فلا ثمة إلا مسدد ومقارب. قال: فجمع في الحديث مقامات الدين كلها، فجمع في هذا الحديث مقامات الدين كلها، فأمر بالاستقامة وهي السداد والإصابة في النيات والأقوال والأعمال. هذه الاستقامة أن تصيب مراد الله عز وجل في النيات والأقوال والأعمال. وقال: وأخبر في حديث ثوبان أنهم لا يطيقونها، فنقلهم إلى المقاربة، وهي أن يقربوا من الاستقامة بحسب طاقتهم، كالذي يرمي إلى الغرض فإن لم يصبه يقاربه. ومع هذا فأخبرهم أن الاستقامة والمقاربة لا تنجي يوم القيامة، فلا يركن أحد إلى عمله، ولا يعجب به، ولا يرى أن نجاته به، بل إنما نجاته برحمة الله وعفوه وفضله. قال: فالاستقامة كلمة جامعة آخذة بمجامع الدين، وهي القيام بين يدي الله على حقيقة الصدق والوفاء بالعهد. وقال: والاستقامة تتعلق بالأقوال والأفعال والأحوال والنيات، فالاستقامة فيها وقوعها لله وبالله وعلى أمر الله، هذه هي حقيقة الاستقامة. لا تكون في الظاهر فقط، الاستقامة لا تكون في الظاهر فقط، وإنما كذلك تكون في الباطن من النية الحسنة الصادقة التي تكون لله عز وجل وحده. وقال: وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله تعالى روحه يقول: "أعظم الكرامة لزوم الاستقامة". هذا من أعظم الكرامة: أن يتوفاك الله وأنت على الاستقامة، وأن تعيش في هذه الدنيا وأنت من أهل الاستقامة حتى يتوفاك الله، هذه أعظم كرامة، لا سيما والمجتمع يعج بالفتن: فتن الشبهات وفتن الشهوات، وشياطين الإنس والجن يتلقفون بني آدم ليل نهار. فأعظم كرامة أن ينجو العبد من هذه الفتن، من هذه الفتن، فيثبت على الاستقامة، يثبت على الاستقامة، ويلزم الاستقامة حتى يتوفاه الله، هذه أعظم كرامة. قال رحمه الله تعالى وهو يذكر درجات الاستقامة: فذكر درجة الأولى: الاستقامة على الاجتهاد في الاقتصاد، لا عاديا رسم العلم، يعني متجاوزا، ولا متجاوزا حد الإخلاص، ولا مخالفا نهج السنة. هذه الدرجة الأولى، فأهل الاستقامة اتصفوا بذلك: الاستقامة على الاجتهاد في الاقتصاد، وسيشرح ذلك، هذا كالمتن لبيان هذه الدرجة: الاستقامة على الاجتهاد في الاقتصاد، لا عاديا رسم العلم، ولا متجاوزا حد الإخلاص، ولا مخالفا نهج السنة. ثم قال: وهذه درجة تتضمن ستة أمور. فقوله: "الاستقامة على الاجتهاد في الاقتصاد"، قال: "عملا واجتهادا فيه"، وهو بذل المجهود، فالله عز وجل قد أمر عباده بالمجاهدة، وأن لا يركن إلى هذه النفس الأمارة بالسوء الداعية إلى الدعة والراحة والخمول. قال الله عز وجل: ﴿ وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا ﴾ [العنكبوت: 69]، نعم، فأمر الله عز وجل عباده بالمجاهدة، وهذا معنى الاستقامة على الاجتهاد. وقوله: "في الاقتصاد"، قال: "واقتصادا"، وهو السلوك بين طرفي الإفراط وهو الجور على النفوس، والتفريط بالإضاعة. فالاستقامة كما تقدم في الآيات تكون في حدود الشرع، لا يتجاوز صاحبها حدود الشرع، فلا إفراط ولا تفريط. وسيذكر زيادة بيان لهذه العبارة في قوله: "واقتصادا". وقال: "ووقوفا مع ما يرسمه العلم"، وهذا في قوله: "لا عاديا رسم العلم". ولذلك قال: "ووقوفا مع ما يرسمه العلم، لا وقوفا مع داعي الحال". وقد تقدم معنا أن المراد بالحال هي عبارة عن شيء يرد في القلب وينزل حينا على بعض العباد، هكذا يزعم بعض المتصوفة، فينزل على بعض العباد من العالم العلوي إلى قلبي ذلك مسالك. فعندما يتم ذلك فيقع السالك في الجذبة الإلهية، فيأخذ من المقام الأدنى إلى المقام الأعلى، وزعموا أن هذا لا يحتاج إلى علم، وإنما هو أمر من الله ينزل على من يشاء من عباده، فينبغي أن يضبط هذا الحال بضابط العلم، بضابط العلم. وقال: "وإفراد المعبود بالإرادة"، وهو الإخلاص، وهذا في قوله: "ولا متجاوزا حد الإخلاص". وقال: "ووقوع الأعمال على الأمر"، وهو متابعة السنة، وهذا في قوله: "ولا مخالفا نهج السنة". فإذا هذه أمور لا بد أن يسلكها المستقيم على دين الله سبحانه وتعالى: أن يجاهد نفسه، وأن يقتصد في الاستقامة من غير إفراط ولا تفريط، ولا تفريق، وأن تكون استقامته بعلم وبصيرة لا بداعي الهوى والاستحسان، وأن يكون مخلصا في عمله ذلك، وأن ينهج نهج السنة ومتابعة السنة في استقامته. قال رحمه الله: فبهذه الأمور الستة تتم لأهل هذه الدرجة استقامتهم، وبالخروج عن واحد منها يخرجون عن الاستقامة، إما خروجا كليا وإما خروجا جزئيا. خروجا كليا يعني ليس عندهم من الاستقامة شيء، كمن أشرك بالله أو أحدث البدع والمخالفات أو إلى غير ذلك، وقد يكون الخروج جزئيا بحسب هذه المخالفة. قال رحمه الله: والسلف يذكرون هذين الأصلين كثيرا، وهما: الاقتصاد في الأعمال، والاعتصام بالسنة. فإن الشيطان... نعم، مع أخي المسلم هذه العبارات التي نقلها ابن القيم عن سلفه الصالح رحمهم الله. قال: فإن الشيطان يشم قلب العبد ويختبره، يأتي الشيطان وينظر من أين يدخل لهذا العبد، من أي باب، من أي طريقة. قال: فإن الشيطان يشم قلب العبد ويختبره، فإن رأى فيه داعية للبدعة وإعراض عن كمال الانقياد للسنة أخرجه عن الاعتصام بها. إذا رأاه ما عنده أصل التمسك بالسنة والاقتداء بالنبي عليه الصلاة والسلام، دخل له من باب البدعة، وهذا هو حال أهل البدعة والأهواء والأهواء، فإنهم ما أن ينتهوا من بدعة إلا ويحدثون بدعة أخرى، حتى في هذا الشهر الفضيل فبدعهم كثيرة، بل وفي العشر الأواخر مما يسمى بالختاميات والطبول في المساجد وإلى غير ذلك. فإذا رأى داعية للبدعة من هذا العبد دخل له من هذا الباب. قال: أخرجه عن الاعتصام بها. وإن رأى فيه حرصا على السنة، انظر لا تظن أن الشيطان ييأس من صاحب السنة، لا، يحاول أن يدخل له من الباب الذي يراه مناسبا للدخول عليه منه. فقال: وإن رأى فيه حرصا على السنة وشدة طلب لها لم يظفر به من باب اقتطاعه عنها، فأمره بالاجتهاد والجور على النفس ومجاوزة حد الاقتصاد فيها. قال: أنت تحب السنة، تحب الاجتهاد، فيأتي له بعبادات يزيدها لم تكن على عهد النبي عليه الصلاة والسلام ومجاوزة، فأمره بالاجتهاد والجور على النفس من كثرة العبادة التي لم يشرعها رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. قال: قال قائل له: إن هذا خير وطاعة، والزيادة والاجتهاد فيها أكمل، فلا تفتر مع أهل الفتور ولا تنم مع أهل النوم، فلا يزال يحثه ويحرضه حتى يخرجه عن الاقتصاد فيها، فيخرج عن حدها، كما أن الأول خارج عن هذا الحد، فكذا هذا الآخر خارج عن الحد الآخر. فإذن الاستقامة تحتاج إلى اعتدال، لا إفراط ولا تفريط، لا إضاعة ولا مجاوزة، لا مجاوزة. وقال: وهذا حال الخوارج الذين يحقرون أهل الاستقامة، صلاتهم مع صلاتهم، وصيامهم مع صيامهم، وقراءتهم مع قراءتهم، وكل الأمرين خروج عن السنة إلى البدعة، لكن هذا إلى بدعة التفريط والإضاعة، والآخر إلى بدعة المجاوزة والإسراف. انظر إلى الخوارج، عندهم عبادات عظيمة، حتى النبي صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه: «تحقرون صلاتكم مع صلاتهم»، لكثرة صلاتهم وتعبدهم في هذا الباب، ولكن النبي عليه الصلاة والسلام أمر بقتالهم، لماذا؟ لأنهم تجاوزوا في الاستقامة وغلوا في باب العبادة، وفرطوا في باب الدماء، في باب الدماء، فقتلوا المسلمين وتركوا المشركين. وقال بعض السلف: "ما أمر الله بأمر إلا للشيطان فيه نزغتان: إما إلى تفريط، وإما إلى مجاوزة وهي الإفراط، ولا يبالي بأيهما ظفر، زيادة أو نقصان". وهذا كلام نقله ابن القيم عن بعض السلف، وهم القوم في معرفة الأدواء، فالشيطان له نزغتان: إما إلى تفريط، وإما إلى مجاوزة. وهكذا حال المنحرفين الضلال الخارجون عن الاستقامة، إما أن يكون انحرافهم بسبب تفريط، أو بسبب إفراط، أو بسبب إفراط، سواء كان في باب العبادة، أو في باب المنهج والسير، أو في باب الدعوة إلى الله عز وجل، أو إلى غير ذلك. انظر إلى الفرق المعاصرة في هذا الزمان، تجد انحرافهم إما بنزغة إلى تفريط، أو بنزغة إلى إفراط. نعم، إما من أهل التميع والتضيع، وإما من أهل الغلو والتشدد والغلو والتشدد. فإما أنهم ميعوا الدعوة وميعوا المنهج الصحيح، فدعوا إلى عدم الإنكار على أهل البدع، وعدم كذلك مجانبتهم، وعدم كذلك الإنكار عليهم، وإلى غير ذلك. وفي المقابل فإن جماعات أخرى غلت في باب الدعوة، فلم يتركوا عالما من علماء السنة إلا وجرحوه وأسقطوه، فلم يبق إلا أنفسهم فقط، وأما غيرهم من العلماء فقد أسقطوهم، ولا حول ولا قوة إلا بالله. فهذه من نزغات الشيطان. والحق والصواب أن يكون المسلم بين الإفراط والتفريط، ويعين على ذلك أمور كثيرة تعين على إصابة الاستقامة والاستمرار عليها. فمن أعظم هذه الأسباب: الإلحاح بالدعاء والالتجاء إلى الله عز وجل بالدعاء، فهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يكثر من قول: «اللهم مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك»، كما جاء في حديث عائشة، وكذلك في حديث أم سلمة. وهكذا من أسباب الاستمرار على الاستقامة: مجالسة أهل الاستقامة ومصاحبتهم، والابتعاد عن أهل السوء والشر والبدع والأهواء. فهذه من أسباب الاستمرار على الاستقامة، لأن النبي عليه الصلاة والسلام يقول: «المرء على دين خليله، فلينظر أحدكم من يخالل». فيعرف الشخص بمدخله ومخرجه ومجالسته ومجالسته، فإذا احرص على مجالسة أهل الاستقامة واستمر على ذلك تنجو بإذن الله. وأعظم الناس استقامة هم العلماء، فالزم غرزهم وتتبع نصائحهم وتوجيهاتهم، ولا تخرج عنها، العلماء الراسخون من عرفوا بالثبات عند الفتن وبالتمييز بين ما يحصل في المجتمع من حوادث ومن نوازل، فالزم غرزهم وتتبع نصائحهم وخذ بأقوالهم تنجو بإذن الله. ورأينا أن من ينجو من هذه الفتن هو من يتتبع كلام العلماء ويأخذ بكلام العلماء، ومن ترك كلام العلماء وزهد في نصائحهم فإنه ينحرف، وما تشعر إلا وقد ترك الاستقامة، نسأل الله الثبات. وهكذا من الأسباب التي تعين على الاستقامة: العلم النافع، كما تقدم في درجة ومنزلة العلم، فإن العلم يقودك إلى كل خير، يقودك إلى كل خير، وينور لك الطريق، ويبين لك الحق من الباطل، والسنة من البدعة، وإلى غير ذلك. فادع الله عز وجل أن يثبتك، والزم غرز أهل الاستقامة، وهكذا احرص على مجالس العلم ولا تبعد عنها، وعن إخوانك أهل الاستقامة لا تبعد عنهم، فإن البعد عنهم إشارة إلى بداية الانحراف، إشارة إلى بداية الانحراف. فهذا الأمر كان يقض مضاجع سلفنا الصالح، كيف لا وإننا نعرف أناسا كانوا على خير، كانوا على استقامة، كانوا على محبة للعلم والدعوة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فأتتهم هذه الفتن فإذا بهم يرجعون القهقرى، ولا حول ولا قوة إلا بالله، وإذا بهم ربما يعادون أهل الاستقامة، ليس فقط انحرفوا عن الاستقامة بل عادوا أهل الاستقامة، ولا حول ولا قوة إلا بالله. فنقول: اللهم مقلب القلوب ثبت قلوبنا على دينك. نكتفي بهذا، وإلى هنا، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، والله تعالى أعلم.