الدرس في شرح مسائل الجاهلية 106، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يشرح المقطع الأول معنى التحكم على الله بمعنى الاعتراض على حكمه، ويبين أن الإسلام ينهى عن مثل هذا الاعتراض ويعتبره من خصال أهل الجاهلية.
يناقش المقطع الثاني والثالث أهمية الرضا بقضاء الله ولا يعترض عليه، سواء كان قضاء شرعيا أو كونيا، ويبين أهمية التسليم بقضاء الله في توزيع الأرزاق.
يختم المقطع الرابع بالدعاء بأن ينفع الله تعالى المستمعين ويجعلهم من أهل الهداية والاستقامة، ويختم بالصلاة على النبي محمد صلى الله عليه وسلم.
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: المئة التحكم على الله، كما في الآية السابقة، أي أن من خصال أهل الجاهلية تحكمهم على الله سبحانه وتعالى. استدل المؤلف رحمه الله تعالى على هذه الخصلة الذميمة من الآية السابقة، وهي قوله جل في علاه: ﴿لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم﴾. وأدمر معنا ما يتعلق بتفسير هذه الآية. فما معنى قوله رحمه الله تعالى: التحكم على الله؟ ذهب الشراح، ومنهم سماحة شيخ الفوزان -رحمه الله تعالى وحفظه- في شرحه إلى أن معنى التحكم على الله بمعنى الاعتراض على الله سبحانه وتعالى. فإن كان هذا المعنى، إذن فالدلالة واضحة، فمن خصال أهل الجاهلية أنهم يعترضون على الله سبحانه وتعالى في حكمه، في قضائه، في شرعه سبحانه وتعالى. وهذا الاعتراض أو التحكم الذي عبر عنه الإمام، والذي عليه شراح الحديث، بمعنى الاعتراض على الله سبحانه وتعالى، فيه نوع استدراك على الرب سبحانه وتعالى، ويكأن الله سبحانه وتعالى في أفعاله ليس بسديد، تعالى الله عن هذا القول. ولهذا، هذه عقيدة الكفار. وتأمل في هذه الآية حتى نعلم ونستشعر الاعتراض الذي قام به الكفار على ربنا سبحانه وتعالى، فقال ربنا جل وعلا في قولهم: ﴿لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم﴾. استدركوا على الله سبحانه وتعالى عندما أنزل القرآن وأنزل الوحي على نبينا عليه الصلاة والسلام، وأن هذا الإنزال من ربنا سبحانه وتعالى على محمد ليس بسديد، وأن الأفضل والأكمل والأليق أن الرسالة تذهب إلى هنا أو تذهب إلى هنا، إلى مكة أو إلى أهل الطائف من العظماء والوجهاء والأشراف، فهو الأليق وأولى بالرسالة. فتستشعر -يا عبد الله- من هذا الخطاب الذي قام به الكفار، بقوله: «أنه فيه اعتراض، وفيه كذلك تحكم على الله سبحانه وتعالى، وفيه كذلك استدراك من ربنا سبحانه وتعالى». وهذه الخصلة ليست في هذه الآية فقط، بل ربنا جل وعلا ذكر في آيات كثيرة كيف أن الكفار يستدركون ويعترضون على حكم الله سبحانه وتعالى، كما قال تعالى: ﴿لولا أنزل عليه ملك﴾، وقال بقوله سبحانه وتعالى: ﴿لولا نزل عليه القرآن جملة واحدة﴾. يعني في أي شيء يصدر من ربنا جل وعلا يستشكلونه: لما فعل الله كذا؟ لو أنه فعل كذا، ولو أنه فعل كذا، ولو أنه فعل كذا. تجد أن فيه اعتراض، وبعد الاعتراض يستدركون، يجدون أن ما في بالهم وما في خاطرهم هو الأليق وهو الأصوب وهو الذي ينبغي أن يكون. وهذه -أخواني في الله- عقيدة جاهلية. ولهذا لما جاء الإسلام ببعثة نبينا عليه الصلاة والسلام، أمحى نبينا -صلوات ربي والسلام عليه- هذا التصور، فلا يجوز لأحد كائنا من كان أن يتحكم على الله، أن يستدرك على حكم الله، أو أن يعترض على شرع الله سبحانه وتعالى. والآيات في هذا الباب كثيرة وكثيرة جدا، كما في قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله﴾. لا أحد يتقدم برأي، لا أحد يتقدم باعتراض، لا أحد يتقدم بتعقيب. إنما السمع والطاعة، السمع والطاعة لأمر الله ولرسوله عليه الصلاة والسلام. إنما التقدم بالآراء هذا من فعل أهل الجاهلية، الاستدراكات والاقتراحات والتحكم هذا من فعل أهل الجاهلية. والمسلم يربي نفسه على أن لا يستدرك شيئا، ولا يعترض على شيء من حكم الله سبحانه وتعالى. ولهذا يقول ربنا جل وعلا: ﴿وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم﴾. أنك تختار أن تفعل أو لا تفعل، أو أنك تقدم أو تؤخر، هذا ليس لك. وفي قوله تعالى: ﴿إذا قضى الله ورسوله أمرا﴾ قد يكون هذا القضاء من ربنا سبحانه وتعالى قضاء شرعيا. فالقضاء الشرعي لا يستدرك، يعني مثل قضاء الشرع الذي قضاه ربنا على عباده من عبادات، من طاعات، من واجبات، من محرمات، من حرمات. لا تكون هذه الأشياء التي شرعها رب لعباده محل لأن تستدرك -عبد الله- كما يفعل كثير من اللادينيين الذين خرجوا عن ربقة الدين، تجد أنهم يتفوهون بإنثل هذه الكلمات: لما هذه الصلاة التي أمرنا بها على هذه الصورة؟ لأن صلاتنا كصلاة النصارى سريعة، كانت أطيب وأليق. لما جعل الصيام بهذه الصورة من الصباح من الفجر إلى المساء؟ هذا تعب، هذا شظف. لما الزكاة؟ ولماذا فُرضت الزكاة؟ وبأي حق نخرج أموالا نحن قد تعبنا فيها، ومن كدنا، ومن عرق جبيننا، ثم نعطيها لقمة سائغة إلى هؤلاء بحجة الفقر والمسكنة؟ لما؟ فتجد أن بعض الناس قد يستدرك على شرع الله، وعلى الحرام الذي حرم، لما حرم الخمر؟ لما حرم الزنا؟ لما ضيق علينا في باب النزوات والشهوات؟ لما؟ ولو أن كان الدين فيه فسحة، لو أن ديننا فيه نوع من الحرية، أو تلك المرأة التي دب في قلبها الفساد لما لزمنا الحجاب؟ لما هذا الجلباب؟ لما التغطية؟ لما الستر؟ لما هذا الضيق الذي علينا؟ هذا كل استدراك على شرع الله، هذا من خصال أهل الجاهلية الذين يتعقبون على شرع الله، فهذا من التعقب والتحكم على الله في قضائه شرعيا. أو يكون التحكم -إخواني- فيها والاعتراض على قضاء الله الكوني المتعلق بالكون من الخلق والرزق والإحياء والإماتة وغير ذلك من الأشياء التي قضاها ربنا كونا، فهذا كذلك ليس محل الاستدراك، ليس محل التعقب، ليس محل أن تقدم أو تؤخر فيها. فبعض الناس -إخواني- قد يصرح، وهذا إن كان جريئا، لكن بعض الناس لربما يحدث نفسه بشيء من ذلك، وهذا لا يجوز. لا يجوز -عبد الله- أنك تسترسل في مثل هذه الوساوس، مثل ما يتعلق بقضاء الله الكوني، ما يتعلق بالأرزاق. ربنا جل وعلا يعطي الأرزاق لمن يشاء من عباده، لذا ولذا ولذا. فبعض الناس لربما يقول: لما لهذا المال؟ فبعض الناس لربما يرى من نفسه الخيرة وأنه مصلح لله وأنه مستقيم على شرع الله، وأن ذاك الأخرق الفاسق سفيه، وإذ بذلك أعطاه الله من الدنيا ما أعطاه، فتح الله عليه صفقة بمليارات المليارات، وجد ذهب بكذا ملايين، وفق بعنبر، وفق بشيء، أعطيت أموالا ما لا تخطر على بال. يقول: أيش هذا؟ فلان لماذا لما يعطاها هذا؟ استدراك -يا عبد الله- قد يقع في النفس البشرية هذا الأمر، ما يجوز هذا. بعض الناس قد يصرح، اللئيم قد يصرح بهذا: أيش هذا؟ عجيب، فلان هذا يحصر، وأنا -سبحان الله- في القبلة الجبهة قد سودت من الركوع والسجود، وين -يا رب- وين الأرزاق التي أعطيت بها عبادك الصالحين؟ فيظهر ماذا؟ الشكوى على صيغة ماذا؟ صيغة الطلب إلى الله، لكن هذا فيه نوع تشكي، وفيه نوع استدراك على الله سبحانه وتعالى في قضائه وقدره. وما ينبغي هذا يعطى ذاك، في بحره أرزاق، وهذا لا يعطى، يعطى لبعض الناس الذين تراهم من غير أهل، ليس لهم ليس لهم شيء في الصلاح، ويعطى يعطيهم ربنا من الأرزاق من الأموال. قد يكون ليس في المال، بل كذلك في الأولاد، ذاك صالح على خير، لكنك ابتلاه الله بالعقم، وذاك الذي على خير الدين ابتلاه الله بكثرة الأولاد والتعداد والتكاثر والتناسل، وأنت محلك بين العقاقير وبين المستشفيات وبين التحاليل، تريد رزقا بولد، لكن أغلق هذا الباب عليك، ويعطى لغيرك. فيأتي من يأتي، قد يكون اللئيم يصرح، لكن بعض الناس قد يجعل هذا في نفسه: لما؟ لما هذا التقدير؟ لما هذا التشريع؟ فإياك -يا عبد الله- عليك -يا عبد الله- في باب الرزق عليك بهذه الآية: ﴿إن ربك يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر﴾. هذا بقدرة الله، بسط الرزق إعطاء الرزق، وكذلك التقدير والتقليص في الأرزاق بيد الله. ثم ختم ربنا جل وعلا هذه الآية: ﴿إن ربك يبسط الرزق لمن يشاء من عباده ويقدر إنه كان بعباده خبيرا بصيرا﴾. ختم ربنا جل وعلا مسألة الرزق بماذا؟ بأنه خبير، بأنه بصير بعباده. ما هذا التقسيم -يا عبد الله؟- خرط عشواء، حاشا وكلا، وإنما لحكمة أرادها الله سبحانه وتعالى: ابتلاء لعباده الصالحين، تمحيص لما في قلوبهم، تصفية للصادق من الكاذب، بلاء لذاك المكذب، كم يقال: تمديد لعذاب ذاك السفيه، أن الله يسترسله في الدنيا حتى تأتيه المنية وهو على ضلال، حتى يزداد عذاب فوق عذاب، أو ربه يذكره بنعم الله، حكم أرادها الله. أنت لا تستشعر بها، وإنما ترضى -يا عبد الله- هذا الباب، بابه كمال التسليم. لما كان الكافر ما يؤمن بهذا الباب، ظهر ذلك على فلتات لسانه، فضلا عما في قلبه: ﴿لولا أنزل كذا﴾، ﴿لولا فعل ربنا كذا﴾، ﴿لو أن الله فعل كذا﴾، هذا حال الكافر. فإن يأتي أهل الجاهلية، وإنما تؤمي بأن الله جل وعلا: ﴿قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء وتعز من تشاء وتذل من تشاء بيدك الخير إنك على كل شيء قدير﴾. كل ذلك بكمال قدرته، وذلك متعلق بمشيئته، وكل ذلك بحكمته سبحانه وتعالى. فاحذر -يا عبد الله- واعلم أن الأمور بيد الله سبحانه وتعالى، والخيرة فيما اختاره الله، لا ما تختاره وأنت أو تراه. الخيرة فيما اختاره الله، لا ما تختاره وأنت أو تراه. بعض يقول: لو أن لهذا المال بيدي، إيش كانت الدعوة؟ إيش الدين؟ والله لأنفق ذات اليمين وذات الشمال في سبيل الله. وهل الله يخفى عليه ذلك؟ ربنا ليس بخاف ذلك، لكن لحكمة أبعده عنك وأعطاه لغيرك. فعلينا -عباد الله- أن نؤمن بقضاء الله وقدره، والتسليم والإذعان الكامل لحكم الله وقضائه وشرعه. فأسأل مولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، وأسأله سبحانه وتعالى أن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.