شرح كتاب الصلاة من عمدة الأحكام 17

الدرس في شرح كتاب الصلاة من عمدة الأحكام 17، ألقاها الشيخ أبو عبدالله محمد باجعالة

شرح حديث أنس بن مالك في صلاة النبي ﷺ ببيت جدته مليكة

يواصل الشيخ شرح باب الصفوف من عمدة الأحكام بحديث أنس بن مالك عن دعوة جدته مليكة للنبي ﷺ للطعام وصلاته ركعتين في بيتهم، ويناقش خلاف العلماء في نسبة مليكة. يستفيد من الحديث تواضع النبي ﷺ وإجابته الدعوة وجبر الخواطر.

حكم صلاة النافلة جماعة وقصة الحصير عند أنس

يناقش المقطع جواز صلاة النافلة جماعة بشرط عدم اتخاذها عادة مستمرة، مستدلاً بفعل النبي ﷺ في بيت عتبان بن مالك. يشرح قصة أنس ونضحه الحصير بالماء، والفرق بين النضح والغسل، ومسألة إطلاق اللباس على الافتراش وتحريم الجلوس على الحرير.

أحكام اصطفاف المأمومين خلف الإمام وموقف المرأة في الصلاة

يبيّن المقطع خلاف العلماء في موضع المأموم الواحد (عن يمين الإمام عند الجمهور، وبطلان الصلاة عن يساره عند أحمد) وحكم اصطفاف اثنين فأكثر خلف الإمام. يفصل حكم قيام المرأة وحدها أو مع نساء خلف صفوف الرجال بالإجماع مستدلاً بحديث «خير صفوف النساء آخرها».

إشارة إلى مسائل باب الصفوف القادمة

يُعلن المحاضر أن الدرس القادم سيتناول مسائل متعلقة بباب الصفوف في الصلاة، مثل حكم صلاة المنفرد خلف الصف وما يفعله المصلي إذا لم يجد من يصف معه. يشير إلى أحكام أخرى ذات صلة ستُبحث لاحقاً.

  • 30 جمادى الأولى 1445هـ - 12/12/2023مـ
التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء وإمام المرسلين نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه وأزواجه وأتباعه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد، مواصلة أيها الأحبة في الله مع أحاديث باب الصفوف من كتاب الصلاة من عمدة الأحكام للإمام أبي محمد عبد الغني المقدسي رحمه الله تعالى. وقد مر معنا في الدرس الماضي أخذنا لمحة ونبذة حول ما يتعلق بهذين الحديثين: حديث أنس، وحديث النعمان بن بشير رضي الله تعالى عنهم. قال رحمه الله تعالى: «عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن جدته مليكة دعت رسول الله صلى الله عليه وسلم لطعام صنعته له، فأكل منه، ثم قال: قوموا فلأصلي لكم». وفي بعضها: «فلأصلي بكم». قال أنس: فقمت إلى حصير لنا قد سود من طول ما لبس. وفي بعضها: «من طول ما لبث». ورواية الصحيحين يا إخوان: «من طول ما لبس». أما رواية «من طول ما لبث» فهي خارج الصحيحين، وفي مسند أحمد بسند صححه أهل العلم. قال: فنضحته بماء، فقام عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وصففت أنا واليتيم وراءه، والعجوز من ورائنا، فصلى لنا ركعتين ثم انصرف. قال: ولي مسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى به وبأمه. في بعض النسخ: «أو خالته وبأمه أو خالته». وفي بعضها لا يوجد. قال: فأقامني عن يمينه، وأقام المرأة خلفنا. قال: اليتيم هو ضميره جد حسين بن عبد الله بن ضميره. وهذا الحديث كما هو واضح فيه بيان موقف المأموم من الإمام. هذا الحديث موضوعه بيان موقف المأموم من الإمام، وفيه يذكر أنس رضي الله تعالى عنه أن جدته مليكة... أن جدته مليكة. وفي رواية مسلم الثانية: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى به وبأمه، صلى به وبأمه. ولهذا نبه جماعة من أهل العلم في قوله: «أن جدته مليكة دعت رسول الله صلى الله عليه وسلم»، كونها جدة أنس بن مالك، إلى خلاف المشهور عند أهل العلم. لأن الحديث يا إخوان يرويه إسحاق بن عبد الله... ماذا... بن أبي طلحة عن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه. وإسحاق هذا ابن أخي أنس بن مالك من الأم، من الأم. وأنس بن مالك يعتبر عمه، يعتبر عمه. والذي جزم به غير واحد من أهل العلم كالإمام ابن عبد البر، وهكذا القاضي عياض، وهكذا الإمام عبد الحق الإشبيلي، والنووي وغيرهم: أن هذه مليكة ليست جدة أنس، وإنما هي جدة إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، وهي والدة أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه. فقالوا: كان ينبغي للمؤلف المقدس رحمه الله أن يذكر قبل أنس إسحاق، يقول: عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن جدته مليكة، أي جدة إسحاق، وليست جدة أنس بن مالك. وذهب بعض العلماء إلى أن هذه مليكة هي جدة أنس فعلا، جدة أنس فعلا، وأن الضمير في «جدته» يعود إلى أنس، إلى أنس. وممن رجح هذا: الإمام ابن سعد، وهكذا ابن منده، وهكذا أيضا ابن الحصار، وغيرهم. ولا يمنع يا إخوان كونها والدة أنس بن مالك أن تكون جدة إسحاق بن عبد الله، رضي الله عنه ورحمه. فالمشهور أن مليكة جدة إسحاق، وليست جدة أنس. فهذا مما يتنبه له. وقوله: «دعت رسول الله صلى الله عليه وسلم لطعام صنعته له فأكل منه» أذي يا إخوان دليل لما جبل الله عز وجل عليه نبينا صلى الله عليه وسلم من أعلى المكارم وأسمى الأخلاق، ومنها التواضع الجم، تواضع جم. فكان عليه الصلاة والسلام يجيب الدعوة، وكان يجبر الخواطر ويراعي المشاعر. فهذه المرأة دعت النبي صلى الله عليه وسلم إلى طعام، ومع كونه كثير المشاغل، انظروا إلى تواضعه عليه الصلاة والسلام وإجابته، وأكل من هذا الطعام، ثم قال: قوموا فلأصلي لكم. قلنا: في بعض النسخ «فلأصلي بكم»، فلأصلي بكم. وقوله: «قوموا فلأصلي لكم»، الأمر هنا قالوا بمعنى الخبر. قال النووي رحمه الله تعالى في شرحه لهذا الحديث في صحيح مسلم: قال فيه جواز النافلة في جماعة، يعني أن يصلي مجموعة صلاة النافلة جماعة. انتهى كلامه رحمه الله. لكن يا إخوان، كما ذكر العلامة البسام رحمه الله تعالى قال: إذا لم يتخذ ذلك عادة مستمرة، إذا لم يتخذ ذلك عادة مستمرة. كل يوم صلي الظهر بعد صلاة الظهر عملوا جماعة، ما لكم؟ قالوا: صلاة النافلة لا، ما يجوز، لا بأس أحيانا. لكن الإكثار أو على الدوام والاستمرار لا يجوز. وفعل النبي صلى الله عليه وسلم: لماذا قال «قوموا فلأصلي لكم»؟ قال العلماء: لتعليم، لكي يعلمهم الصلاة. فهذه العجوز وأنس واليتيم لربما لا يتيسر لهم أن يصلوا قريبا من النبي صلى الله عليه وسلم فيروا صلاته، فقام يصلي لهم لكي يعلمهم، لكي يعلمهم، وليس للتعبد إلا ما دل عليه الدليل، يعني على جواز إقامة الجماعة فيه كقيام أو صلاة الليل، ولا سيما في رمضان سنة، وفي غير رمضان لا بأس إذا قام أحيانا قيام الليل جماعة، كما صلى حذيفة وابن مسعود وابن عباس وغيرهم مع النبي صلى الله عليه وسلم، مع النبي صلى الله عليه وسلم. فإذا صلى بهم من أجل تعليمهم، وأيضا من أجل أن تحل البركة في منزلهم، أن تحل البركة في منزلهم، كما فعل عليه الصلاة والسلام في بيت عتبان بن مالك. قال أنس: فقمت إلى حصير، فقمت إلى حصير لنا قد اسود من طول ما لبس، أي من كثرة ما يجلس عليه. الحصير هذا يعني غالبا يصنع من سعف النخل وغيرها. قال: له حصير، ويستخدم لي الجلوس عليه. يقول: من كثرة ما يستخدم ويستعمل ويجلس عليه اسود. فماذا فعل أنس؟ قال: فنضحته بماء. ما هو النضح يا إخوان؟ نعم، يعني جاب ماء وغسل وصبا أو كيف؟ أظن أن هناك فرقا بين النضح والغسل. مع أن في اللغة يا إخوان يأتي النضح ويراد به الغسل. نعم يا أبا الرش، الرش يدخل يدخل يده في الماء ثم ينفضها، هذا نضح. والرش ممكن يدخل يده ويغرف أو يخرج من الماء إلى خارج الإناء، إلى خارج الإناء. ويأتي أحيانا ماذا؟ النضح بمعنى الرش أو بمعنى الغسل في لغة العرب، أو بمعنى الغسل في لغة العرب. قال: «من طول ما لبس»، أي من كثرة ما يجلس عليه. قال: فنضحته بماء، فقام عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقوله: «من طول ما لبس»، ذكر الإمام ابن دقيق العيد رحمه الله قال: أخذ منه بأن الافتراش يطلق عليه اللباس، يعني إذا افترش الشيء وجلس عليه يطلق عليه أنه ماذا؟ لبس. قال: ومن ذلك افتراش الحرير يعتبر لباسا فيحرم. لو جاء بقطعة حرير ووضعها على الأرض وجلس عليها، قال: يحرم على الرجال لأنه يطلق عليه لبسا. لكن لم يرتض ذلك الحافظ ابن رجب رحمه الله، فقال كما في شرحه على صحيح البخاري: قال وفي ذلك نظر، وفي ذلك نظر. فإن اللبس المضاف إلى الثوب إنما يراد منه اجتبال البدن أو بعضه دون الجلوس عليه. والأحوط يا إخوان أن الشخص لا يجلس على الحرير، الرجل، وهكذا الجلوس على مقاعد الذهب، فالأولى ترك ذلك، الأولى ترك ذلك. قال: فقام عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم. بوب الإمام البخاري رحمه الله تعالى في صحيحه على هذا الحديث قال: باب الصلاة على الحصير. قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى: قال ابن بطال: إن كان ما يصلي عليه كبيرا قدر طول الرجل فأكثر، قال: فإنه يسمى حصيرا، أو فإنه يقال له حصير. إذا كان طويلا يبلغ مثل طول الرجل أو أكثر فيقال له حصير. قال: وإن كان أقل من ذلك فإنه يقال له خمره. يعني مثل السجادة هذا ممكن يصلح أن يقال لها حصير أو يقال لها خمره بناء على كلام ابن بطال الذي نقله الحافظ. نعم، السجادة التي يصلى عليها على هذا الكلام ممكن نطلق عليها حصير أو نطلق عليها خمره. حصير... أنا لو أعدت الكلام ستجيب إجابة أحسن منها. صح، أعيد الكلام. قال الحافظ في الفتح: قال ابن بطال: إن كان ما يصلى عليه كبيرا، كبيرا قدر طول الرجل فأكثر، قال: فإنه يقال له حصير. فإن كان أقل من ذلك، أي أقل من طول الرجل، فإنه يقال له خمره. إذن هذا السجاد الذي قد يصلى عليه، على هذا، هل يقال له حصير أو يقال له خمره؟ عدنا إليك مرة أخرى. نعم، حصير. أحسنت. طيب، نبحث يا أبا خالد: يقال له حصير أو خمره؟ ارفع السجادة يا جماعة، ارفع السجادة لكي تروا طولها. خمره. أحسنت. إلا إذا كان طفل صغير، ممكن يطلق عليها أنها حصير، أو شخص قصير جدا ممكن. لكن الأصل في طول المعتدل أنه ماذا؟ تكون من قبيل الخمره، وليس من قبيل ماذا؟ الحصير. قال أنس: قال: وصففت أنا واليتيم وراءه. وفي رواية مسلم: قال فأقامني عن يمينه، فأقامني عن يمينه. وهنا يا إخوان فيه بيان لموضع المأموم مع الإمام. قلنا: إذا كان خلف الإمام رجل واحد، أين يقوم؟ أين يقوم؟ نعم يا أبا محمد، عندك عن يمينه، يقوم عن يمينه. وذهب الإمام أحمد إلى بطلان صلاته إذا وقف عن يساره، إلى بطلان الصلاة. بينما ذهب الجمهور من أهل العلم إلى أن صلاته صحيحة إذا صلى عن اليسار، لكنه يأثم، لكنه يأثم. واستدل على ذلك بحديث ابن عباس الذي سيأتي في خاتمة هذا الباب: قام يصلي مع النبي صلى الله عليه وسلم، فقام عن يساره، قال: فأذارني، فقامني عن يمينه، فقامني عن يمينه. وجاء عن سعيد بن المسيب أنه يقف عن يسار الإمام، وهذا بعيد يا إخوان. وجاء عن إبراهيم النخعي أنه يقف خلف الإمام، خلف الإمام. فإذا أراد الإمام أن يركع ولم يأتي أحد معه، قال ماذا؟ قال: تقدم عن يمين الإمام. وهذا كذلك أيضا ليس عليه دليل، ويخالف ما سبق. الشافعي رحمه الله تعالى قال: يقوم عن يمينه، لكن ماذا؟ يتأخر قليلا عن الإمام، يتأخر عن الإمام قليلا. وهذا يا إخوان أيضا ليس عليه دليل، بل الأحاديث ظاهرها على أن المأموم يصف مع الإمام، فيكون صفا واحدا. إذا كان المأموم اثنان فصاعدا، إذا كان المأموم اثنان، فكيف يصفان مع الإمام؟ يا أبا أيمن، اثنان مع الإمام يكون صفا خلف الإمام. هذا الذي عليه الجمهور من أهل العلم، ويدل عليه حديث الباب: أنس واليتيم صفا خلف النبي صلى الله عليه وسلم، خلف النبي صلى الله عليه وسلم. وذهب بعضهم إلى وجوب ذلك، بينما ذهب بعض العلماء إلى أن ذلك يستحب، إلى أن ذلك يستحب ولا يجب. وعزي إلى الجمهور من أهل العلم: ابن مسعود، وأجاء عن إبراهيم النخعي قال: يكون صفا واحدا مع الإمام، أحدهما عن يمينه والآخر عن يساره، والآخر عن يساره. وهذا لا يصح، وإنما الصواب هو الأول الذي سبق عن الجمهور من أهل العلم. أما قوله: «والعجوز من ورائنا»، هذا يدل على أن المرأة تقف خلف الرجل، ولا تقوم عن يمينه ولا عن يساره، بإجماع أهل العلم. وحديث أنس هذا يدل على هذا المعنى. قال: والعجوز من ورائنا، والعجوز من ورائنا. جاء في بعض الروايات أنها كانت بعيدة عنهم، من باشرة تقوم المرأة خلف صف الرجال، وإنما تبعد عنهم، وإنما تبعد عنهم. وقد مر معنا أن خير صفوف النساء آخرها، وشرها أولها، وشرها أولها. واستدل العلماء على جواز قيام المرأة منفردة في الصف، منفردة في الصف، وأن هذا من الأحكام التي اختصت بها النساء عن الرجال، النساء عن الرجال. وخالف بعض العلماء فقالوا: حديث عائشة «إنما النساء شقائق الرجال» يدل على الاشتراك إلا فيما خصه الدليل. طيب، إذن ماذا قالوا؟ إذن إذا كان هناك أكثر من امرأة لا يجوز أن تكون كل واحدة منهما صفا، وإنما تكون صفا واحدا. أما إذا كان كحالة العجوز ليس إلا هي، فيجوز ماذا؟ يجوز أن تصف المرأة لوحدها. سيأتي معنا في الدرس القادم إن شاء الله عز وجل بعض المسائل المتعلقة بباب الصفوف، ومن ذلك: هل يجوز أن يصلي المنفرد خلف الصف، وهكذا ماذا يفعل إذا لم يجد من يصف معه، إلى غيرها من المسائل المتعلقة بهذا الباب. يأتي معنا الكلام عن ذلك إن شاء الله عز وجل في الدرس القادم. وفق الله الجميع لما يحب ويرضى، والحمد لله رب العالمين، والله تعالى أعلم.