يستعرض المقطع حديث عمار بن ياسر الناهي عن صيام يوم الشك، مبيناً قول الجمهور بتحريمه مطلقاً وإكمال العدة ثلاثين، مقابل جواز الإمام أحمد صيامه في حال الغيم استناداً لحديث «فاقدروا له». ويوضح الاستثناءات كمن اعتاد صيام النفل أو عليه قضاء ضاق وقته، مع ترجيح عدم الصيام احتياطاً للفرض.
يناقش المقطع بطلان عادة الإكثار من الأكل قبل رمضان المسماة (قتل الحنش) ونسبتها لتقليد النصارى، ويذم من يسبون رمضان أو يتثاقلون عنه. ويسرد قصص السلف الذين كانوا يجعلون حياتهم كلها صياماً وقياماً محذراً من المعاصي ومقصراً في الطاعات.
يحث المقطع على الاجتهاد في الصيام خلال شهر شعبان كتدريب واستعداد لقدوم رمضان حتى يسهل الصيام فيه ويحبب إلى النفس. ويختتم بالدعاء بالتوفيق للخير مع الإشارة إلى آية التفقه في الدين ونسبتها للشيخ عبد الله باسعد.
فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذروا. المسائل الفقهية من قول خير البرية صلى الله عليه وسلم. الشيخ الفاضل أبي همام عبد الله باسعد المدرس بدار الحديث بالشيخ. الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، عباد الله، أيها الإخوة الكرام المستمعون، فهذا مجلس سادس من مجالسنا المسائل الفقهية من قول خير البرية عليه الصلاة والسلام. فنذكر في هذا المجلس، في هذا المجلس، حديثاً من حديث رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم المتعلقة بشهر شعبان أو بصيامه. قد ذكرنا في الدرس الذي مضى حديث بهريرة في قول النبي صلى الله عليه وسلم: «لا تقدم رمضان بيوم أو يومين». وهنا نذكر إن شاء الله تعالى في هذا الدرس حديث عمار بن ياسر رضي الله عنه الذي أخرجه الإمام أحمد وأصحاب السنن، ونذكره هنا إن شاء الله تعالى من سنن أبي داود. فقال الإمام أبي داود رحمه الله: حدثنا محمد بن عبد الله بن نمير، قال: حدثنا أبو خالد الأحمر، وفو سليمان بن حيان، قال: على العمر بن قيس وهو الملاء الكوفي، عن أبي إسحاق وهو عمر بن عبد الله السبيعي الهمداني، عن صلة وهو ابن زفر العبس، أولا كلهم ثقات. قال: كنا عند عمار في اليوم الذي يشك فيه، فأتى بشاة، فتنحى بعض القوم، فقال عمار: «من صام هذا اليوم فقد عصى أبا القاسم صلى الله عليه وعلى آله وسلم». فهذا الحديث هو حديث صحيح كما قلنا، وإن كان حصل في إسناده شيء من الاختلاف، لكنه صحيح، قد جاءت شواهد تدل على صحته. فقال عمار رضي الله عنه في اليوم الذي يشك فيه: أنا يشك فيه هل هو من شعبان أو من رمضان. ويوم الشك هو اليوم الذي يتحدث الناس فيه برؤية الهلال ولم يثبت رؤيته، أو شهد شاهد لم تقبل شهادته، أو شاهدان فاسقان فردت شهادتهما، فهذا هو يوم الشك، وهو يوم الثلاثين من شعبان. فقال في هذا الحديث: «فأتي بشاة، فتنحى بعض القوم»، أي اعتزل واحترز عن أكله، فثم تبين أنه صائم، فقال عمار رضي الله عنه: «من صام هذا اليوم فقد عصى أبا القاسم صلى الله عليه وعلى وسلم». فاستدل بهذا الحديث على تحريم صوم يوم الشك، لأن الصحابي لا يقول ذلك من قبل رأيه، فيكون هذا من قبيل المرفوع، كما قال الإمام ابن عبد البر: هو مسند عندهم لا يختلفون في ذلك. وقال الإمام الخطابي رحمه الله: اختلف الناس في معنى النهي عن صيام يوم الشك، فقال قوم: إنما نهى عن صيامه إذا نوى به أن يكون من رمضان، فأما من نوى به صوم يوم شعبان فهو جائز. وقد ذكرنا في الدرس الذي مضى بعض هذه المعاني التي ذكرها العلماء في يوم الشك، أو في استقبال رمضان بصيام يوم أو يومين، وخلاصتها: أن من صام ذلك اليوم، أو أن من صام ذلك اليوم، أو تقدم رمضان بيوم أو يومين، فإن كان احتياطاً فهو داخل في هذا النهي. إن كان احتياطاً للصوم فهو داخل في هذا النهي. وإن كان كما ذكرنا قبل أنه قد ثبت عن بعض الصحابة، لكنه، لكن لعلهم لم يبلغهم ما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا عمار يخالفهم في ذلك أيضاً. كذلك أيضاً من المعاني التي ذكرناها: أنه من كان معتاداً يصوم صيام نفل مطلقاً، فهذا أيضاً داخل في النهي. وأما من صام يوماً على عادته صيام سنة، مثل صيام الاثنين والخميس، فهذا له أن يصوم. وكذلك أيضاً من كانت عليه كفارة فصادفت ذلك اليوم، وكذلك من كان عليه قضاء وضاق عليه الوقت، فهذا يدخل في العذر وأنه جائز أن يصوم ذلك اليوم. وهنا مسألة أخرى، وهي أن يوم الشك له حالتان: إما أن تكون ليلته ليلة غيم، يكون هناك سحب أو غبار أو غيره يحول بينه وبين الناس وبين رؤية الهلال، أو الحالة الثانية يكون الجو صحواً، ليس هناك ما يحول بين رؤية الناس للهلال. فالحالة الأولى هي التي حصل فيها الخلاف أكثر. وأما الحالة الثانية، إذا كان الجو صحواً، فليس هناك إشكال بأن لا يصام ذلك اليوم، وإن كان ظاهر بعض ما جاء عن الصحابة أنه يصام كذلك، لكن أكثر العلم على أنه إذا كان الجو صحواً لا يصام، وهذا الذي صرح به جعفر بن عمر، وكذلك صرح به الإمام محمد رحمه الله متابعة لابن عمر. كذلك أيضاً: أما إذا كان الجو فيه غيم، فهنا حصل الخلاف في صيام اليوم الذي بعده، معنا يومه، يوم الثلاثين من شعبان، هل يصام أو لا يصام؟ فاستدل جماعة من العلم بهذا الحديث، وهو قول مالك والشافعي وغيرهم، على أن هذا لا يجوز صيامه، لما جاء في هذا الحديث من النهي، وكذلك في حديث بهريرة الذي تقدم: «لا تصوموا رمضان، لا تستقبلوا رمضان بصيام يوم أو يومين». وكذلك أيضاً استدل بحديث أبي هريرة الذي في الصحيحين، وابن عمر، أن النبي صلى الله عليه وعلى عليه وسلم قال في الهلال: «صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته، فإن غم عليكم فأكملوا عدة شعبان ثلاثين»، كما في رواية البخاري: «فأكملوا عدة شعبان ثلاثين». فهذه الأدلة التي استدل بها على أنه لا يصام ذلك اليوم. وأما من قال إنه يصام ذلك اليوم، فهو مذهب أحمد، وفيه روايتان: رواية على أنه واجب، وهذه التي نفاها شيخ الإسلام بن تيمية رحمه الله، وأنها ليست صحيحة عن أحمد، ورواية أنه يجوز صومه، يجوز صومه، وهذا المشهور عن أحمد رحمه الله. فهذا اليوم الذي يشك فيه، استدل الإمام أحمد بحديث أبي هريرة في قول: «فاقدروا له»، فإن غم عليكم فاقدروا له، قال: أي ضيقوا عليه، أي ضيقوا عليه. واستدل أيضاً بما جاء عن الصحابة، واستدل كذلك كما تقدم معنا بحديث عمران بن حسين، عندما قال النبي صلى الله عليه وسلم لرجل: «هل صمت سرر الشهر؟» قال: لا، قال: «فإذا أفطرت من رمضان فصم بعد العيد يومين، فصم بعد العيد يومين». فهذا الحديث أيضاً مما يشكل في هذا الباب، كما تقدم معنا، لكن حمله كثير من أهل العلم على أن ذلك الرجل كان يصوم شعبان وملتزماً بصيامه، وكذلك لا يقدم على حديث بهريرة، لأن حديث بهريرة أصرح وهو عام، وهذه حالة خاصة، فالله أعلم بما يكون فيها. وأيضاً كذلك استدل الإمام أحمد بهذا الذي كما قلنا جاء عن الصحابة، عن أبي هريرة، وعن ابن عباس، وعائشة، وأسماء، وغيرهم من الصحابة رضي الله عنهم. طيب، نقول في هذا: كما قلنا، هذا مجمل لمذهب أحمد، لكن الأدلة الصحيحة الصريحة في أنه لا يصام ذلك اليوم، وخاصة إذا كان احتياطاً لرمضان، لما جاء في هذا الحديث بالنهي عن صيام يوم الشك، كما قال عمار: «من صام هذا اليوم فقد عصى أبا القاسم عليه الصلاة والسلام». طيب، هناك أيضاً كما قلنا: لابد أن نفرق بين إذا كانت السماء غيم، والسماء صحو، كما ذكرنا هذا. وخلاصة المسألة أن نقول: إنه لا يصام ذلك اليوم، سواء كان هناك غيم في رؤية الهلال، أو لم تكن هناك، أو لم يكن هناك غيم عن رؤية الهلال. أيضاً هنا مسألة أردت أن أنبه عليها فقط من باب التنبيه، ولأنها مشتهرة عندنا، وأن هناك من أهل العلم من قال: إن هذا النهي، كما ذكرنا قبل، أن هذا النهي أمر أو نهي عن ذلك لأجل أن يتقوى العبد على صيام رمضان، فإن مواصلة الصيام قد تضعف عن صيام الفرض، فإذا حصل الفطر قبله بيوم أو يومين كان أقرب إلى التقوي على صيام رمضان. وقد ذكرنا أن هذا التعليل فيه نظر، لأنه لا يكره التقدم بأكثر من ذلك، ولا لمن صام الشهر كله، وهو أبلغ في معنى الضعف، لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصوم الشهر كله، وقد أجاز كثير من العلم صيام الشهر كله، فلهذا ستكون هذه العلة غير صحيحة في هذا المقام. وهناك ظن عند بعض الناس أن الفطر قبل رمضان يراد به اغتنام الأكل لتأخذ النفوس حظها من الشهوات، شهوة الأكل وغيره، قبل أن تمنع من ذلك بالصيام، ولهذا يقولون: هي أيام توديع الأكل، وتسمى قديماً التنحيس، ويقال التنحيس، وهنا يسمونها عندنا في بلادنا: قتل الحنش، وسبع الأكلات، وغيرها من هذا الذي يظن أن هذا مشروع. وقد ذكر بعض العلم أن هذا إنما كان مأخوذا من النصارى، فإنهم يفعلونه عند قرب صيامهم، يأكلون كثيراً ويشربون كثيراً، وهذا كله خطأ وتقليد لأعداء الله جل وعلا، ولا ينبغي أن يظنه مسلم. فاغتنام الشهوات المباحة قد يتعدى إلى المحرمات، وهذا لا ينبغي. وقد جاء عن بعض الشعراء أنهم كانوا يحثون على هذا، مثل من قال: إذا العشرون من شعبان ولت فواصل شرب ليلك بالنهار ولا تشرب بأقداح صغار فإن الوقت ضاق على الصغار. وقال آخر: جاء شعبان منذراً بالصيام فأسقيان راحاً بماء الغمام فمن كانت هذه حاله فالبهايم أعقل منه. كما قال الحافظ بن رجب رحمه الله، وله نصيب من قوله تعالى: ﴿ولقد ذرأنا لجهنم كثيراً من الجن والإنس لهم قلوب لا يفقهون بها﴾ الآية. وربما كره كثير منهم صيام رمضان، حتى إن بعض السفهاء من الشعراء كان يسبه، وكان للرشيد ابن سفيه، فقال مرة: دعاني شهر الصوم لا كان من شهر ولا صمت شهراً بعده ولا صمت شهراً بعده آخر الدهر فلو كان يعديني الأنام بقدرة على الشهر لا استعديت جهدي على الشهر. وهذا جهل، فيقال: إنه أخذه داء الصرع، فكان يصرع في كل يوم مرات متعددة، ومات قبل أن يدركه رمضان. آخر، وهؤلاء السفهاء استثقلوا رمضان لاستثقالهم العبادات فيه من الصلاة والصيام، فكثير من هؤلاء الجهال لا يصلي إلا في رمضان إذا صام، وكثير منهم لا يجتنب كبائر الذنوب إلا في رمضان، فيطول عليه ويشق على نفسه مفارقتها، فهو يعد الأيام والليالي ليعود إلى المعصية، وهؤلاء مصرون على ما فعلوا وهم يعلمون، فهم هلكى. ومنهم من لا يصبر على المعاصي فهو يواقعها في رمضان والعياذ بالله. فلهذا ينبغي علينا أن لا نظن هذا الظن، وأيضاً لا نعتقد هذا الاعتقاد أننا نأكل كثيراً حتى لا يأتينا رمضان لأن رمضان يمنع فيه الطعام، وكذا من هذه الاعتقادات الفاسدة. أيضاً: الحذر الحذر من المعاصي، فكم سلبت من نعمة، وكم جلبت من نقمة، وكم خربت من ديار، وكم أخلت دياراً من أهلها، فما بقي منهم ديار، فكم أخذت من العصاة الثأر، وكم محقت لهم من آثار. وكما قال بعض الشعراء: يا صاحب الذنب لا تأمن عواقبه عواقب الذنب تخشى وهي تنتظر فكل نفس تجزى بالذي كسبت وليس للخلق من دنياهم وزر. فأين حال هؤلاء الحمقى من قوم كان دهرهم كله رمضان، ليلهم قيام ونهارهم صيام؟ جاء عن بعض السلف أنه باع جارية، فلما قرب شهر رمضان رأتهم يتهيبون له ويستعدون بالأطعمة وغيرها، فسألتهم، فقالوا: نتهيأ لصيام رمضان، فقالت: وأنتم لا تصومون إلا رمضان؟ لقد كنت عند قوم كل زمانهم رمضان. ردوني عليهم. وذكر بعض العلم أيضاً أن الحسن بن صالح كانت له جارية فباعها، فلما انتصف الليل قامت فنادت هؤلاء الذين اشتروها، فقالت: يا أهل الدار، الصلاة الصلاة. قالوا: طلع الفجر. قالت: أنتم لا تصلون إلا المكتوبة. ثم جاءت الحسن فقالت: بعتني على قوم سوء، لا يصلون إلا المكتوبة، ردوني ردوني. ولهذا كان بعض السلف يقول: صم الدنيا واجعل فطرك الموت، كلها كلها شهر، معنى يجعل الدنيا كلها شهر صيام. لهذا كان السلف يجتهدون في الصيام، وليس فقط في صيام رمضان. ولهذا كثير من الناس إذا لم يعهد صيام غير رمضان يتثاقل عليه هذا الشهر والعياذ بالله. فلهذا ينبغي علينا أننا نجتهد، وأيضاً نتمر بالصيام في هذا الشهر، شهر شعبان، وأيضاً نكثر منه بالصيام حتى يأتينا رمضان وقد تمرنا في الصيام، فنحب صيامه ويكون علينا سهلاً. فهذا المعنى الصحيح الذي يذكر في هذا المقام. فنسأل الله عز وجل أن يوفقنا للخير، والحمد لله رب العالمين، وجزاكم الله خيراً، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذروا. المسائل الفقهية من قول خير البرية صلى الله عليه وسلم. الشيخ الفاضل أبي همام عبد الله باسعد المدرس بدار الحديث بالشحر.