المسائل الفقهية من قول خير البرية 8

المسائل الفقهية من قول خير البرية 8

أحكام رؤية هلال رمضان ويوم الشك

يشرح المقطع أحكام ثبوت دخول رمضان برؤية الهلال أو إكمال شعبان ثلاثين يوماً، ويبين أن يوم الشك هو اليوم الثلاثين من شعبان إذا حال غيم دون الرؤية. يحرم صيامه احتياطاً عند الجمهور، بينما يرى الحنابلة وجوب صيامه احتياطاً للعبادة مستدلين بحديث «فإن غم عليكم فاقدروا له».

حكم صيام يوم الشك وتقدير الهلال ورؤية الهلال نهاراً

يناقش المقطع خلاف العلماء في وجوب صيام يوم الشك، ويرجح قول الجمهور بعدم الوجوب بل التحريم استناداً إلى أحاديث «فاقدروا له ثلاثين» ونهي عمار بن ياسر. ثم يبين الخلاف في رؤية الهلال نهاراً قبل الزوال وبعده، وأن الرؤية بعد الزوال للليلة المقبلة باتفاق بينما اختلفوا في رؤية قبل الزوال.

أحكام شهادة رؤية الهلال لدخول رمضان وخروجه

يبيّن المقطع أن دخول رمضان يثبت بشهادة عدل واحد رجلاً كان أو امرأة، استناداً لحديث ابن عمر الذي قبل النبي صلى الله عليه وسلم شهادته وحدها. بينما يشترط لخروج رمضان (إثبات العيد) شهادة عدلين عملاً بحديث «فإن شهد شاهدان فصوموا وأفطروا»، وهو قول الجمهور احتياطاً للصوم، مع وجود رأي لبعض العلماء يجيز شهادة الواحد في الفطر أيضاً.

مقدمة سلسلة المسائل الفقهية من أقوال النبي صلى الله عليه وسلم

يقدم هذا المقطع مقدمة لسلسلة دروس حول المسائل الفقهية المستنبطة من أقوال النبي محمد صلى الله عليه وسلم، يلقيها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد المدرس بدار الحديث. ويختتم بدعوة للاشتراك في القناة لمتابعة باقي الحلقات.

التفريغ النصي الكامل

فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذروا. المسائل الفقهية من قول خير البرية صلى الله عليه وسلم، الشيخ الفاضل أبي همام عبد الله باسعد، المدرس بدار الحديث بالشيخ. بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، فأيها الإخوة الكرام المستمعون، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. فها نحن في مجلس من المجالس التي نعقدها في المسائل الفقهية من حديث من أقوال خير البرية عليه الصلاة والسلام. وهذا مجلس -إن شاء الله تعالى- في حديث من أحاديث رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم المتعلقة بالصيام، كما قد ذكرنا حديث ابن عمر وأبي هريرة، حديث ابن عمر وأبي هريرة في قول النبي صلى الله عليه وسلم: «صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته». وبما أن مسائل هذا الحديث أو هذا الحديث كثيرة، نأخذ اليوم حديثًا أيضًا متعلقًا بهذه المسائل، ونلخص بعض المسائل التي قد سبقت، ثم نذكر بعض المسائل التي أخذت من هذا الحديث. فهذا الحديث الذي نأخذه اليوم أخرجه الإمام أحمد، وكذلك الإمام النسائي وغيرهما. فنأتي به بإسناد الإمام أحمد رحمه الله، فقال رحمه الله: حدثنا يحيى بن زكريا، قال: أخبرنا حجاج -هو محمد بن الصيصي- عن حسين بن الحارث الجعفي، قال: خطب عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب في اليوم الذي يشك فيه، وهو أمير مكة، فقال: يا عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب، ألا إني قد جالست أصحاب رسول الله صلى الله عليه وعلى وسلم وسألتهم، ألا وإنهم حدثوني أن رسول الله صلى الله عليه وعلى وسلم قال: «صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته، وانسقوا لها، فإن غم عليكم فأتموا ثلاثين، وإن شهد شاهدان مسلمان فصوموا وأفطروا». فهذا حديث صحيح، وإسناده صحيح عن النبي صلى الله عليه وعلى وسلم، وفيه عدة مسائل، ومنها مسائل قد ذكرناها قبل. ف قوله: «صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته، وانسقوا له»، أي: اجعلوه نسكًا، رؤيتكم لهذا الهلال، هلال رمضان. وقلنا: إن قول النبي صلى الله عليه وسلم: «فإن غم عليكم»، فهو يختمل أن تكون من شعبان، هذه الليلة التي تغم، ويختمل أن تكون من رمضان، فيقال: ليلة الثلاثين، من باب الظن. وإلا فيختمل أن تكون من رمضان. فإذا كانت ليلة الثلاثين ولم يروا الهلال، وليس هناك مانع يمنع الرؤية من سحاب أو غبار، فإنهم يصبحون مفطرين، وهذا باتفاق أهل العلم. وقد ثبت في الصحيحين، كما قد مر معنا في الدروس السابقة، جاء في البخاري ومسلم في حديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا تقدموا رمضان بصوم يوم ولا يومين، إلا أن يكون صومًا يصومه أحدكم فليصمه». وقد قال بعض أهل العلم: إن يوم الثلاثين هو يوم الشك الذي قال فيه عمار بن ياسر، كما رواه لأهل السنن، وتقدم في مجالس سبقت، أخرجه البخاري معلقًا وإسناده صحيح، كما تقدم أنه قال: «من صام اليوم الذي يشك فيه فقد عصى أبا القاسم صلى الله عليه وسلم». وهذا الراجح، كما تقدم. معناه: أن يوم الشك هو يوم الثلاثين إذا كان في ليلته غيم أو قطر، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «فأكملوا العدة ثلاثين». فيحرم صيام يوم الشك، ويحرم أن يتقدمه بيوم. فهذا الذي يستفاد من هذا الحديث، كما تقدم. فإن حال دونه الغبار، أي: إذا كانت ليلة الثلاثين حالة، وكان في السماء غيم أو قطر، أن الدليل يمنع من رؤية الهلال، فيحتمل أن يكون الهلال موجودًا. فقال بعض أهل العلم من الحنابلة: إنه يجب صومه احتياطًا للعبادة، واستدلوا بما ثبت في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته، فإن غم عليكم فاقدروا له»، أي: ضيقوا عليه، كما قد ذكرنا ذلك. واستدلوا مثلاً بقول الله عز وجل: ﴿يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاءُ وَيَقْدِرُ﴾ [الرعد: 26]، أي: يضيق. ومعلوم أن الشهر إما ثلاثون وإما تسع وعشرون، فالتضييق عليه بأن يجعل تسعًا وعشرين يومًا، وهو قول راوي الحديث، وهو ابن عمر. ففي أبي داود بسند صحيح عن ابن عمر أنه كان إذا حال دون القطرة -أي: دون قطرة الهلال- سحاب أو قطر، أصبح صائمًا. وبهذا أخذ الإمام أحمد رحمه الله في رواية، لكن لم يأتِ عنه شيء صحيح أنه يوجب الصيام. وذهب جمهور العلماء، منهم إمامنا الشافعي رحمه الله، إلى أن الصيام لا يجب، وهو أيضًا رواية مشهورة عن أحمد، اختارها جماعة من أصحابه كابن عقيل وغيرهم، وشيخ الإسلام ابن القيم وغيرهم من أصحاب أحمد، فهو الصحيح. لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته، فإن غم عليكم فاقدروا له». وجاء في رواية البخاري: «فاقدروا له ثلاثين»، وأيضًا: أي: أحسبوا له ثلاثين. في رواية البخاري أيضًا: «فأكملوا العدة ثلاثين». وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة قال: «فأكملوا عدة شعبان ثلاثين»، في رواية آدم عن شعبة، ونحوه أيضًا كذلك في مسلم، كما تقدم معنا. وقد أخرج الإمام أبو داود وابن خزيمة بإسناد صحيح عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: «كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يتحفظ من شعبان ما لا يتحفظ من غيره»، أي: يتكلف في معرفة دخول الشهر من ذلك، وهذا لأجل أن يحذر الرؤية، فيصوم لرؤية رمضان. فإن غم عليه -هكذا تقول عائشة رضي الله عنها-: «فإن غم عليه عدّ ثلاثين يومًا ثم صام». فلذلك: ما استدل به من قال بالتضييق، فقدر له، فإنه قد فسرته الروايات الأخرى في البخاري ومسلم كما ذكرنا. فلذلك ثبت أن المراد بقول: «فاقدروا له»، أي: احسبوا له، وليس المراد: ضيقوا عليه. وأما فعل ابن عمر، فإنه رأي، وخالف روايته. والعبرة، كما يقول العلماء، بما روى لا بما رأى. ولا حديث ظاهر في ذلك، بل كما قلنا: هو يوم الشك الذي قال فيه عمار: «من صام اليوم الذي يشك فيه فقد عصى أبا القاسم صلى الله عليه وآله وسلم». ولأن حقيقة الشك ثابتة فيه، فلا يدري: هو من رمضان أم من غيره. فلذلك الراجح هو عدم وجوب صومه، كما هو مذهب الجمهور. لكن: هل معنى ذلك إذا قلنا عدم وجوب، هل هو مباح أم يستحب أم يكره أم يحرم؟ هذه أربعة أقوال فيه، والصحيح أنه يحرم، والصحيح أنه يحرم؛ لأن النهي قد جاء في حديث أبي هريرة، وكذلك ما جاء عن عمار: «فقد عصى أبا القاسم». فلذلك هذه المسألة التي قد ذكرناها من قبل، أيضًا هنا مسألة تابعة للمسألة التي ذكرت، وهي تابعة لهذا الحديث أيضًا. إذا رأى الناس الهلال نهارًا، إذا رأى الناس الهلال نهارًا، فلا شك أنه يكون للليلة المقبلة، سواء كان ذلك -أي الرؤية- قبل الزوال أم بعد، للليلة المقبلة التي ستقبل. سواء كان هذا -هذه الرؤية- قبل الزوال أم بعد. أما إذا كانت الرؤية بعد الزوال، فلا نزاع بين العلماء في ذلك، وأنه يكون للليلة المقبلة. وأما إذا كانت رؤيته قبل الزوال، فحصل خلاف بين العلماء. فعند جماعة: أنه يكون للليلة الماضية التي مضت، فعليهم: إذا كان ذلك، فإنهم يمسكون عن الطعام والشراب، ويكون اليوم الأول من رمضان. ويقول له: ما جاء عن عمير بن أنس في السنن، عن بعض عمومته، أنهم رأوا الهلال في وسط النهار، فأخبروا رسول الله صلى الله عليه وعلى وسلم، فأمر الناس بالصيام، والخروج من قد للصلاة للعيد. فدل على أن هذا الهلال، الهلال لليوم الذي قبله، إذا كان قبل الزوال. وأما إذا كان... وأما إذا كان بعد الزوال، فذهب كما قلنا جماعة إلى أنه يكون للليلة الماضية كذلك. ومعنى... ومعنى ذلك: أنهم يمسكون عن الطعام والشراب، ويكون اليوم الأول من رمضان. ومرجع ذلك أيضًا إلى أهل الخبرة بالهلال، لأنه قد يرى هذا الهلال، يراه الناس في النهار، يراه الناس في النهار. فإن امتنع ذلك، فالقول قول من قال: إنه لا يحسب من رمضان، وإنما يحسب في الليلة المقبلة، أي: أنه لا يكون يومًا من رمضان. فهذه أيضًا من المسائل التي تذكر في هذا المقام. وقد ذكرنا مسألة المطالع فيما تقدم، ولا داعٍ لإعادتها. وذكرنا أن الصحيح فيها: أنه يتبع الإمام فيها، لقول النبي صلى الله عليه وسلم في حديث: «صومكم يوم تصومون، وفطركم يوم تفطرون». وهنا أيضًا مسائل في هذا الباب، أو في هذا الحديث. فقال في الحديث: قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم... قال: فحدثوني أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال صلى الله عليه وسلم: «صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته، وانسقوا له، فإن غم عليكم فأكملوا ثلاثين، فإن شهد شاهدان فصوموا وأفطروا». ف قوله هنا: «فإن شهد شاهدان فصوموا وأفطروا»، فيه دليل على أن دخول رمضان وخروجه يكون بشهادة عدلين، بشهادة شاهدين. لكن قد جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم الاعتداد برؤية واحد. ولأنه كما يقول العلماء: أن القاعدة في الأخبار الدينية أنها يقبل فيها خبر الواحد، كالأحاديث النبوية، ولا يشترط أن يكون المخبر ذكرًا أو حرًا، بل لو كان أنثى وعبدًا، عند الإمام الشافعي وعند كذلك أحمد قبل؛ لأنه خبر دين. فإذا أخبر عدل أنه رأى الهلال، فإنه يحكم بقوله ويصوم الناس، ولو كان المخبر أنثى؛ لأن ذلك خبر ديني، بخلاف الشهادة، فإنها تتعلق بأموال الناس. وأما الخبر الديني، فالتهمة منه بعيدة. ومما يدل على هذا: ما رواه الإمام أبو داود وأحمد بسند صحيح عن عبد الله بن عمر أنه قال: «تراءى الناس الهلال، فأخبرت النبي صلى الله عليه وسلم أني رأيته، فصام وأمر الناس بصيام»، وأمر الناس بصيام. وهذا هو القول الصحيح في هذه المسألة: أنه تقبل في دخول رمضان شهادة عدل، شهادة عدل. وأما من قال بأنه لا يقبل إلا برؤية رجلين، استدلوا بهذا الحديث: «فإن شهد شاهدان فصوموا وأفطروا». لكن قال: إن النبي صلى الله عليه وسلم قال في حديث ابن عمر، وهو حديث منطوق: «أما قال ابن عمر: فأمر الناس بصيامه، فأمر الناس بصيامه»، أي: النبي صلى الله عليه وآله وسلم. فلذلك عندنا الآن: أخذ النبي صلى الله عليه وسلم بقول واحد، وهو العدل. وأما في الفطر، فلم يثبت شيء في قول الخبر الواحد، فنبقى على خبر الاثنين: لابد أن يشهد اثنان على ذلك. وإن كان بعض العلماء كأبي ثور يقول: أيضًا حتى في الفطر يجوز شهادة واحد، يعتمد عليه أو هو عدل، وأيد ذلك الشوكاني. لكن نبقى عند الحديث: «فإن شهد شاهدان فصوموا وأفطروا». إنما خصصنا دخول رمضان بشهادة واحد، لحديث عبد الله بن عمر، فيبقى خروجه على اشتراط الشاهدين. وكما ذكرنا: أن القاعدة هو قبول خبر الواحد في الأخبار الدينية، وكذلك ما جاء صريحًا في حديث عبد الله بن عمر. ويقال مثلاً: كما قال بعض العلماء: أنه من باب الأحوط، هو الأخذ بقول الجمهور، وقول النبي صلى الله عليه وسلم: «فإن شهد شاهدان»، فيعتبر على وجه الكمال، معنا ليس بلازم. ممكن أننا نأخذ بشهادة عدل واحد، لكن على وجه الكمال والاستحباب: أن يكون شاهدين عدلين، عدلين. ومع ذلك: فنأخذ بالعمل على ما ذهب إليه جمهور العلماء احتياطًا للصوم، فلا يخرج عنه إلا بشهادة اثنين. وإلا فما ذهب إليه بعض العلماء من قول الواحد، له وجه، وهو الصحيح. وهناك أيضًا بعض المسائل في الشهادة، إن شاء الله تعالى نتركها في درس لاحق. فإن شاء الله تعالى نكتفي بهذه المسائل، وإن شاء الله في درس آخر نكمل بعض المسائل التي تؤخذ في هذا الباب. الحمد لله رب العالمين. فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذروا. المسائل الفقهية من قول خير البرية صلى الله عليه وسلم، الشيخ الفاضل أبي همام عبد الله باسعد، المدرس بدار الحديث بالشيخ. اشتركوا في القناة. اشتركوا في القناة.