الدرس في القول السديد في مقاصد التوحيد 37، الدرس السابع والثلاثون:من( فيه مسائل:الأولى تفسير الآيات ... وإنما ذلك كله لله وحده فتعين أن يكون المعبود وحده ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يشرح المقطع مفهوم الشفاعة وشروطها وأنواعها، ويبين الفرق بين الشفاعة المنفية والمثبتة. الشفاعة المنفية هي التي تخلت عن شروطها أو طلبت من غير الله.
يشرح المقطع خصائص الشفاعة وضوابطها، ويبين أن الشفاعة لا تطلب إلا من الله وأنها لا تقع إلا بإذنه. طلب الشفاعة من غير الله يعد دليلاً على الجهل ونقص الدين.
يبين العلامة عبد الرحمن بن ناصر السعدي بطلان شرك المشركين ودعاءهم للملائكة والأنبياء، ويؤكد وجوب تعبد الله وحده وطلب الشفاعة منه سبحانه وتعالى.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، قال شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب، رحمه الله تعالى: فيه مسائل، الأولى: تفسير الآيات، يعني الآيات الواردة في الشفاعة، وهو أورد، رحمه الله، الآيات التي فيها بيان شروط الشفاعة، وأن الشفاعة لله عز وجل، والسياق في الكلام على مبحث الشفاعة إنما هو في الكلام على الشفاعة بشروطها، ردا على من غلا في باب الشفاعة، وليس الكلام على سياق من نفى الشفاعة، فهذا مبحثه آخر. قال رحمه الله: الثانية: صفة الشفاعة المنفية، وعلمنا فيما سبق أن صفة هذه الشفاعة المنفية هي الشفاعة التي تخلفت فيها شروطها، أو التي طلبت من غير الله، ومن ذلك أن يكون في الشافع أو المشفوع سبب مانع من الشفاعة، وهو من لم يرضى عنه. قال: الرابعة -أو الثالثة-: صفة الشفاعة المثبتة، وهي كما تقدم ما توفرت فيها شروطها، وطلبت من الله. قال: الرابعة: ذكر الشفاعة الكبرى، وهي المقام المحمود، وهي التي يعطاها نبينا صلى الله عليه وسلم، فيشفع للخلق أن يفصل ويقضى فيهم، الشفاعة في عرصات يوم القيامة، وهي من خصائص شفاعته عليه الصلاة والسلام. وقد خص نبينا صلى الله عليه وسلم بشفاعات ليست لأحد غيره، ومنها هذه الشفاعة، وثانيها: شفاعة لأهل الجنة بدخول الجنة، وثالثها: الشفاعة لعمه أبي طالب بأن يخفف عنه، وهو كافر، فهذا من خصائص شفاعته عليه الصلاة والسلام، فقد خص بشفاعات لم يعطاها أحد إلا هو عليه الصلاة والسلام. وهناك شفاعات يشترك فيها الأنبياء والرسل والملائكة عليهم الصلاة والسلام، وصالحو الأمم من الصديقين والشهداء والصالحين، وكذلك حتى الأعمال تشفع لأصحابها، فالصيام يشفع، والقرآن يشفع، وغير ذلك مما ذكر في أحاديث كثيرة. وقد ألفت مؤلفات كثيرة فيما يتعلق ببيان صفات ومباحث الشفاعة، ومنها: ويعتبر من أجمعها مؤلف شيخنا الوادع، رحمه الله: «الشفاعة»، وقوله: «المقام المحمود»، لأنه جاء فيه ذكر وتفسير للآية: ﴿عَسَىٰ أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَّحْمُودًا﴾، أنه يكون في ذاك الموقف حين يشفع النبي صلى الله عليه وسلم، قبل الشفاعة يخر لله ساجدا، ويحمده بما هو أهله، ويلهمه ربه جل وعلا من المحامد ما لم يكن يعلمها. قال: الخامسة: صفة ما يفعله صلى الله عليه وسلم، أنه لا يبدأ بالشفاعة، بل يسجد، فإذا أذن له شفع، وفيه تأكيد أن الشفاعة لا تطلب إلا من الله، وأنها لا تقع إلا بإذن الله، بإذنه الذي يأذن به، فيكون. وليس هذا فحسب، بل إن من يطلب الإذن من صالح عباد الله من الملائكة والرسل عليهم الصلاة والسلام، لا يطلبونها تعظيما لله جل وعلا، وخوفا وإجلالا وخضوعا وذلا، إلا بعد أن يقدموا بمحامد وتقرب إلى الله سبحانه وتعالى. وهذا يدل أنها من خصائص الرب سبحانه وتعالى، حتى أن صالح العباد لا يطلبونها إلا بعد أن يتقدموا ذلك بشيء من العبادة لله سبحانه، وهذا هو قول: صفة ما يفعله صلى الله عليه وسلم، أنه لا يبدأ بالشفاعة، بل يسجد، فإذا كان كذلك، فكيف تطلب من غير الله؟ ويؤكد ذلك قول الله عز وجل: ﴿وَكَمْ مِّن مَّلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِن بَعْدِ أَن يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَن يَشَاءُ وَيَرْضَىٰ﴾. ففي معنى الآية: أن الملائكة تهاب أن تطلب من الله عز وجل شيئا، وأنها تخضع لله عز وجل ذلا وتعبدا، حتى يأذن الله عز وجل لها بالشفاعة، حيث أنها تعلم أن هذا المقام مقام عظيم. فإذا كان صاحب الشفاعة -أي من يطلب الشفاعة ممن يؤذن له بالشفاعة- يهاب أن يطلبها من الله، ممن تطلب منه، حتى يتقدم بعبادة بين يدي طلبه، فكيف تطلب من غير الله؟ هذا يدل على عظيم جهل، وكذلك نقص دين، حيث أن أولئك المشركون قديما وحديثا طلبوا الشفاعة من غير الله سبحانه وتعالى. قال: السادسة: من أسعد الناس بها -يعني كما جاء في حديث أبي هريرة- هو من حقق التوحيد على أكمل وجوهه، من قال: «لا إله إلا الله» خالصا من قلبه. قال: السابع: أنها لا تكون لمن أشرك بالله، لحديث أبي هريرة. قال: الثامنة: بيان حقيقتها، وحقيقتها كما بيّنها هو: أن حقيقة الشفاعة محض فضل من الله على أهل التوحيد، جعل الله عز وجل لها سببا، وهي شفاعة الشافعين، فإذا كان كذلك، فإذن هي لا تطلب إلا من الله معطيها، ومن يأذن بها. قال الشارح العلامة عبد الرحمن بن ناصر السعدي، رحمه الله تعالى، في كتابه «القول السديد في مقاصد التوحيد»: «إنما ذكر المصنف الشفاعة في تضاعيف هذه الأبواب؛ لأن المشركين يبررون شركهم ودعاءهم للملائكة والأنبياء والأولياء بقولهم: نحن ندعوهم مع علمنا أنهم مخلوقون مملوكون، ولكن حيث أن لهم عند الله جاها عظيما ومقامات عالية، ندعوهم ليقربونا إلى الله زلفى، وليشفعوا لنا عنده، كما يتقرب إلى الوجهاء عند الملوك والسلاطين ليجعلوهم واسطة لقضاء حاجاتهم وإدراك مآربهم، وهذا من أبطل الباطل، وهو تشبيه الله العظيم ملك الملوك الذي يخافه كل أحد وتخضع له المخلوقات بأسرها، بالملوك الفقراء المحتاجين للوجهاء والوزراء في تكميل ملكهم ونفوذ قوتهم. فأبطل الله هذا الزعم، وبيّن أن الشفاعة كلها له، كما أن الملك كله له، وأن لا يشفى عنده أحد إلا بإذنه، ولا يأذن إلا لمن رضي قوله وعمله، ولا يرضى إلا توحيده وإخلاص العمل له، فبيّن أن المشرك ليس له حظ ولا نصيب من الشفاعة، وهذا ظاهر، وهذا هو حقيقة كذلك. فعل هؤلاء فإنهم ما فعل أولئك هذه الشفاعة على هذا الوجه، إلا لظنهم أن شأن الله كشأن الملوك، تعالى الله عن قولهم وعقيدتهم الفاسدة علوا كبيرا. قال: وبين أن الشفاعة المثبتة التي تقع بإذنه، إنما هي الشفاعة لأهل الإخلاص خاصة، وأنها كلها منه، رحمة منه وكرامة للشافع، ورحمة منه وعفوا عن المشفوع له، وأنه المحمود عليها في الحقيقة، وهو الذي أذن لمحمد صلى الله عليه وسلم فيها، وأناله المقام المحمود، فهذا ما دل عليه الكتاب والسنة في تفصيل القول في الشفاعة، وقد ذكر في هذه معناه في هذه الأدلة التي أشار إليها المصنف رحمه الله. قال: وقد ذكر المصنف رحمه الله كلام الشيخ تقي الدين في هذا الموضع، وهو كاف شاف -يعني في بياني أن الشفاعة لا تطلب إلا من الله سبحانه وتعالى- كما تقدم حين نقل عن أبي العباس -يعني تقي الدين ابن تيمية- رحمه الله، قال: «فالمقصود في هذا الباب ذكر النصوص الدالة على إبطال كل وسيلة وسبب يتعلق به المشركون بآلهتهم، وأنه ليس لها من الملك شيء، لا استقلالا ولا مشاركة ولا معاونة ولا مظاهرة، ولا من الشفاعة شيء، كما تقدم في الآيات في سورة سبأ وغيرها. قال: وإنما ذلك كله لله وحده، فتعين أن يكون المعبود وحده، فمن أسماء الله عز وجل: الوتر، فهو وتر سبحانه وتعالى، فيعبد وحده جل وعلا، وتطلب الشفاعة منه وحده سبحانه وتعالى، هذا هو الواجب، وليس هذا ينحصر في الشفاعة، بل في كل طلب وسؤال، لا يسأل إلا الله سبحانه وتعالى، والشفاعة منه، كما قال رحمه الله: «فالمقصود بهذا الباب ذكر النصوص الدالة على إبطال كل وسيلة وسبب يتعلق به المشركون بآلهتهم، ومن هذه الوسائل والأسباب الشفاعة، فكل ما كان بمعناها مما فيه صرف حق من حقوق الله لغيره، صار هذا من الشرك». والله تعالى أعلم.