الدرس في تفسير سورة النساء من تفسير السعدي 140، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يوضح المقطع كيف يتعهد الشيطان بإضلال بني آدم عن الصراط المستقيم في العلم والعمل، ويمنّيهم الأماني الكاذبة ليظنوا أنهم مهتدون. ويبين أن تزيين الباطل يؤدي بهم إلى الشرك والبدع والمعاصي وهم يحسبون أنهم على حق.
يستعرض المقطع كيف يزيّن الشيطان للناس أعمالهم الباطلة فيجعلها في نظرهم حقاً، مستشهداً بغواية المشركين في بدر. ثم يوضح تضليل الخوارج حتى استحلوا قتل الخليفة الراشد علي بن أبي طالب رضي الله عنه ظانين التقرب إلى الله.
يحذر النص من الاغترار بعبادة الناس وأخلاقهم أو نعم الدنيا، مؤكداً أن الرزق ليس دليل محبة الله. ويبين كيف يزين الشيطان للناس أعمالهم الباطلة، مستشهداً بأقوام كفروا واليهود والنصارى والمنافقين الذين غرّتهم الأماني الكاذبة.
يختتم الشيخ شرح معنى قول الله تعالى عن الشيطان الرجيم: ﴿وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ﴾. ويعلن انتهاء الدرس الحالي على أن يستكمل في درس قادم.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه، أما بعد: قال العلامة السعدي رحمه الله عند قول الله جل وعلا: ﴿وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الْأَنْعَامِ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾، وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ لَهُ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُبِينًا. قالوا: هذا النصيب المفروض الذي أقسم الله أنهم يتخذونه. ذكر ما يريد بهم وما يقصده لهم: ﴿لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا﴾. إيش هذا الاتخاذ؟ هذا الاتخاذ: ﴿وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ﴾، هذه الأشياء من اتخاذ النصيب المفروض من العباد. أولا: أنه يضلهم، قال: عن الصراط المستقيم، ضلالا في العلم وضلالا في العمل. وقد أقسم على الله عز وجل أيضا أنه ليغوين بني آدم: ﴿فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾. فضلال هذا الشيطان يضلهم ويصرفهم عن الطريق المستقيم في العلم والعمل. ضلالا في العلم: أي في الاعتقاد. وضلالا في العمل: أي في الأعمال التي يعملها ظاهرة. يضلهم فيعملون غير ما أراد الله، ويعتقدون أيضا أشياء لم يأمر الله عز وجل بها، بل هي خلاف ما أمر، بسبب أن الشيطان أضلهم وزين لهم هذه الأعمال وهذه الاعتقادات الباطلة. فتجد الرجل يعتقد في حجر، والرجل يعتقد في فرج، وذاك يعتقد في صنم، وذاك يعتقد في بقرة، وهكذا يضلهم الشيطان عن الصراط المستقيم حتى يعتقدون في غير الله جل وعلا. كذلك في العمل أيضا: في الحراف، سواء كان يضلهم حتى يعملوا الشرك بالله، أو البدعة، أو كذلك الكبائر والصغائر وغير ذلك. قال: ﴿وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ﴾، أي: مع الإضلال يمنيهم أن ينالوا ما ناله المهتدون. وهذا هو الغرور. بعيده: فلم يقتصر على مجرد إضلالهم، حتى زين لهم ما هم فيه من الضلال، ألا يعتقدون أنهم على حق وأن طريقتهم صحيحة. وهذا هو الغرور، كما ذكر المؤلف رحمه الله: ﴿وَغَرَّهُمُ بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾، أي: الشيطان الذي يغر، فغرهم عن دينه، وزين لهم أعمالهم، وظنوا أنهم على شيء. يظنون أنهم هم المهتدون، وأن أهل الإسلام وأهل السنة وأهل الحق هم على الباطل. فيحرف الشيطان عليهم الطريق، ويدلهم على طريق الأخرى. وسواء كان الأمر حسيًا أو معنويًا، مثل ما حكى الله عز وجل عن الشيطان في بدر: ﴿وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لَا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ﴾. فلما تراءت الفئتان نكص على عقبيه وقال: ﴿إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾. فزين لهم الشيطان أعمالهم، وقال: لا غالب لكم اليوم، وإني جار لكم، على اليوم ما سيغلبكم أحد، أنتم على الحق، وأنتم تدافعون عن شرفكم، عن كذا، من هذا القبيل الذي يذكره الشيطان ويغر الناس به. كذلك أيضا يلعب بأهل البدع في اعتقاداتهم وفي أعمالهم، ويزين لهم أنهم هم على الحق وغيرهم على الباطل. قال: حيث عملوا أعمال أهل النار الموجبة للعقوبة، وحسبوا أنها موجبة للجنة. سبحان الله! تجد أن الشيطان ينخر في قلوب العباد حتى يظن الباطل أنه حق، يصبح الباطل الذي هو باطل واضح أنه حق. فتجد الرجل يقول مثلا: إني أقتل فلانا وأنا أريد الأجر من الله، مثل ما يفعل الخوارج: يقتلون أهل الإسلام ويظنون أن فيه أجرا من عند الله. ولما قتل ذلك المجرم عبد الرحمن بن ملجم الخليفة الراشد علي بن أبي طالب رضي الله عنه، أثنوا عليه الخوارج. بل أن هذا الشقي غرته امرأة، غرته امرأة، وهذا يدل على شقاوته وعلى ضلاله. فأراد أن يتزوج امرأة من الخوارج، فقالت له: إن مهري قتل علي أو معاوية، هذا مهرها. انظر إلى الضلال! علي رضي الله عنه قد بشره النبي صلى الله عليه وسلم بالجنة، فكيف سيكون من أهل الضلال؟ لكن الشيطان لعب بعقول هؤلاء الخوارج، فقتل الخليفة الراشد علي بن أبي طالب لأجل أن يتزوج امرأة، وأثنى عليه بعض هؤلاء الخوارج، بل كلهم، وأثنى عليهم ذلك الشقي عمران بن حطان، حتى جعلها ضربة من تقي، وأنه ما أراد إلا وجه الله. فهذا يدل على ضلاله: أي وجه الله وهو قتل خليفة من خلفاء المسلمين ومبشر ممن بشره النبي عليه الصلاة والسلام؟ لكن الجهل يوقع أهله في هذه الظلمات. فلا تغرنك بعد ذلك عبادتهم، ولا تغرنك بعد ذلك أخلاقهم، ولا تغرنك بعد ذلك ما هم عليه من الخير، فإن هذا لا يجعل الإنسان يغتر. لا يجعل الإنسان يغتر. كما أن أهل الدنيا لا يجوز له أن يغتر بمثل هذه النعم والأموال. فبعض الناس يظن أن الله ما يعطي الرزق لأحد إلا وهو يحبه، أو وهو يرى أنه على خير، فيعطيه الأموال. لهذا قال للنبي: ﴿لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ * مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾. وقال الله عز وجل: ﴿فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ * وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ * كَلَّا﴾. أي: ليس ذاك صحيحا ولا هذا صحيح. فليس من أعطيته المال فإني أكرمته، ولا من منعته المال أني أهنتُه. فقال: ﴿كَلَّا﴾. قال: فلذلك الشيطان يلعب بعقول الناس وعقول بني آدم حتى يضلهم عن الحق، ويمنيهم أماني باطلة، ويمنيهم أماني باطلة. وانظر إلى اليهود: مع أنهم يعترفون أنهم حرفوا في الكتاب، إلا أنهم يتمنون على الله أماني باطلة. أحيانا يقولون: إنهم أبناء الله وأحباؤه، وأحيانا يقولون: إنهم أهل الجنة، وأنهم ما سيدخلون النار إلا يسيرا. وهكذا كل ذلك من أماني الشيطان. قال: واعتبر ذلك باليهود والنصارى، قال: ونحوهم. فإنهم كما حكى الله عنهم: ﴿وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى﴾، تلك أمانيهم. ﴿وَكَذَلِكَ زُيِّنَ لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلُهُمْ﴾. وقال جل وعلا: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا * الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾. أن يجعلهم الشيطان يظنون أنهم هم أحسن الناس، وطريقتهم أصح طريقة. وقال تعالى عن المنافقين: إنهم يقولون يوم القيامة للمؤمنين: ﴿أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ﴾، قالوا: ﴿بَلَى وَلَكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الْأَمَانِيُّ حَتَّى جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ وَغَرَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾. أي: الشيطان. فهذه الأشياء الأربع كلها فيكم، أو الخمس: أولا: أنكم فتنتم أنفسكم بنفاقكم وبترك الدين. وتربصتم لأهل الإيمان. وارتبتم: أي شككتم في دين الله. وغرتكم الأماني حتى جاء أمر الله، وغركم بالله الغرور: أي الشيطان. فهذا معنى قوله جل وعلا على هذا الشيطان الرجيم: ﴿وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ﴾. طيب، نكتفي بهذا، ونقوم في درس قادم، والله المستعان. شكرا.