الدرس في تفسير سورة النساء من تفسير السعدي 142، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يفسر العلامة السعدي الآية بأن الإيمان الحق يقترن بالعمل الصالح، ويرد على المرجئة الذين يخرجون العمل من مسمى الإيمان. ويبين أن الإيمان قول وعمل يزيد وينقص بالنصوص، وأن الآيات جاءت مثنى لتقابل حال الأشقياء بحال السعداء.
يوضح المقطع أن الإيمان يتفاوت في الكمال من الأنبياء والصديقين حتى مثقال ذرة، وأن ثواب الأعمال الصالحة يتضاعف بحسب إخلاص النية ومكان وزمان العمل. كما يصف أنهار الجنة الجارية تحت القصور والأشجار، ماءها غير آسن دائم لا ينقطع.
يوضح المقطع أن نعيم الجنة يختلف جوهرياً عن ملذات الدنيا رغم تشابه الأسماء، حيث يكون طاهراً لا ينغصه ألم، ويصف بناءها من اللؤلؤ والفضة وما لا عين رأت. ويختتم بأن أعظم نعيم هو رضوان الله ورؤيته سبحانه، مع الخلود الدائم في الجنة.
يختتم المتحدث الدرس الحالي مؤجلاً استكمال الكتابة والشرح إلى درس قادم إن شاء الله. ويشير إلى أن المواصلة ستكون في الجلسة التالية لاستكمال الموضوع.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه وبعد. قال العلامة السعدي رحمه الله تعالى عند قوله جل وعلا: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا﴾ [النساء: 122]. قال رحمه الله: «آمنوا بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره على الوجه الذي أمر به علما وتصديقا وإقرارا». أي: هؤلاء الذين آمنوا، وتصديق إيمانهم عمل الصالحات، وعمل الصالحات الناشئة عن الإيمان. وهذا فيه رد على المرجئة الذين يعتقدون أن الأعمال ليست من مسمى الإيمان ولا تدخل في مسمى الإيمان. وهذا قول باطل بكافة أنواعه وأشكاله. فمن أخرج العمل من الإيمان فقد ابتدع بدعة باطلة. والآيات جاءت بارتباط الإيمان بالعمل الصالح. وأما قوله جل وعلا: ﴿وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾، فاستدلوا على أن هذا مغاير للإيمان، مغاير للعمل الصالحات. وهذا أيضا خطأ. وإنما الواو جاءت تأكيدا للإيمان، على أنه ﴿وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ أي إقرارا لإيمانهم وتصديقا لإيمانهم، وكذلك تدعيما لإيمانهم. قالوا: هذا يشمل سائر المأمورات من واجب ومستحب. وقبل هذا: الله عز وجل غالبا في القرآن إذا ذكر حال الأشقياء يذكر حال السعداء أو العكس. وهذا أيضا مما يدخل في مسمى القرآن أنه من المثاني؛ مثاني أي لأنه يثني الأشياء. فهنا يذكر أولا حال الأشقياء ثم يذكر بعده حال السعداء. ثم قال: ﴿وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾، وقال: ﴿النَّاشِئَةُ عَنِ الْإِيمَانِ﴾. وهذا يسمى سائر المأمورات من واجب ومستحب، الذي على القلب، والذي على اللسان. وأقول: قول القلب عند السلف أن الإيمان هو قول القلب وقول اللسان وعمل القلب واللسان والجوارح. ولهذا يقولون: الإيمان قول وعمل. الإيمان قول وعمل. وأقدم من جاء عنه هذا القول هو عمر بن دينار رحمه الله عليه، وأثر عن بعض الصحابة لكنه لا يصح. لكن أقدم من ثبت عنه هذا القول أن الإيمان قول وعمل هو الإمام عمر بن دينار الجملي رحمه الله البصري. والبخاري رحمه الله يقول: «ذكرت في هذا الكتاب الصحيح أكثر من مئتي شيء كلهم يقولون أن الإيمان قول وعمل، ما يروي إلا عن إنسان يقول الإيمان قول وعمل». أي: ترك الإرجاء. وحتى مرجئة الفقهاء مع أن إرجاءهم قليل أو بدعتهم ليست في البدعة الكبيرة؛ لأنهم يتفقون مع أهل السنة أن أهل الكبائر معنيون داخلون في وعيد الله جل وعلا وداخلون في مشيئة الله. إلا أنهم في بدعتهم يؤخرون العمل عن الإيمان، يقولون: أن العمل لا يدخل في مسمى الإيمان. فإيمان أفجر الناس كإيمان أتقى الناس. وهذا قول باطل. وهم يقولون: أن الزيادة إنما تكون في التقوى وتكون في اليقين وغير ذلك. أما في الإيمان فيقولون: أن الإيمان لا يزيد ولا ينقص. وهذا مخالف للنصوص. فالله عز وجل ذكر أن الإيمان يزيد: ﴿وَيَزِيدَهُمْ إِيمَانًا مَّعَ إِيمَانِهِمْ﴾ [الفتح: 4]. فالإيمان يزيد في النصوص. كيف نقول أو كيف نقول أن الإيمان لا يزيد وموجود في النصوص أن الإيمان يزيد؟ أن الإيمان يزيد. فهذا فيه مخالفة للقرآن. وأما النقص فلم يأتِ تصريح بكلمة «نقص» في كلام الله أو في كلام رسوله، لكن تدل عليه. لأن الزيادة تدل على النقص. أولا: الزيادة تدل على النقص. وأيضا كذلك ما جاء عن النبي عليه الصلاة والسلام من عدة أحاديث: «يخرج من النار من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان، ويخرج من النار من كان في قلبه مثقال خردلة من إيمان، ويخرج من النار من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان». فمعنى ذلك أن الناس يتفاوتون في الإيمان. ولهذا بعض العلماء كابن المبارك كان يقول: الإيمان يتفاوت، ولا يقول يزيد وينقص. وكان أيضا مالك يقول: يزيد؛ لأنه جاء في القرآن. لكن الزيادة تدل على النقصان، كما هو قول أكثر أهل السنة. وأولئك لم يخالفوهم وإنما تورعا فقط حتى لا يأتوا بلفظ ليس في الكتاب والسنة. لكن هذا كله يدل على النقصان. هناك من إيمانه كامل: هم الأنبياء. وأيضا كذلك يتبعهم الصديقون. وهكذا ينقص الإيمان، يتناقص حتى يصير أن الإنسان عنده دينار من إيمان، مثقال دينار من إيمان، أو عنده مثقال خردلة، أو ينقص كذلك حتى يكون عنده مثقال ذرة من إيمان. وهذه نصوص واضحة في هذا الباب. قال: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾. وقال: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾. وقال: ﴿النَّاشِئَةُ عَنِ الْإِيمَانِ﴾. وهذا يسمى سائر المأمورات من واجب ومستحب، الذي على القلب، والذي على اللسان، والذي على الجوارح. كل له من الثواب المرتب على ذلك بحسب حاله ومقامه وتكميله للإيمان والعمل الصالح. أن هذه الأعمال تكون بالقلب، وتكون باللسان، وتكون بالجوارح. وكل هذه الأعمال إذا كانت من الصالحات يثاب عليها، أنه يثاب عليها العبد. وأيضا بحسب حاله ومقامه. فقد يكون هذا العمل عظيما بحسب الحال. إما أن يكون مثلا حال الرجل، مثلا نيته عظيمة، نيته إخلاصه إخلاص عظيم، ويريد وجه الله جل وعلا، ولا يشوب هذه النية شيء من الأغراض أو مما يدخل فيها، فيكون حاله أعظم وثوابه أعظم. أيضا قد يكون في مقام عظيم. مثلا: يكون يصلي مثلا في بيت الحرام، يعمل العمل في رمضان، يعمل العمل في العشر من ذي الحجة، وغير هذه الأمور. فالتضاعف الحسنات يتضاعف بحال الرجل ومقامه. ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إن الله كتب السيئات والحسنات، فمن هم بحسنة فلم يعملها كتبت له حسنة، فإن عملها كتبت له عشر حسنات». وجاء في حديث أبي هريرة في الصحيحين: «إلى سبع مئة ضعف». وجاء كذلك في حديث الصيام، في حديث أبي هريرة: «إلى أضعاف كثيرة». على أن الحسنة قد يضعفها الله عز وجل إلى أضعاف كثيرة. فهذه الصدقة ولو صغرت ينميها الله عز وجل للعبد حتى تصير كجبل أحد. فلهذا فالحسنات تزداد بحسب حال الرجل ومقامه، كما قال المؤلف رحمه الله: وتكميله الإيمان أن يكمل إيمانه. وهو الإيمان المطلق الذي سموه العلماء الإيمان المطلق. وهي مثل قول الله عز وجل: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [الأنفال: 2]. هذا كمال الإيمان. هذا من كمال الإيمان. قال رحمه الله: وتكميله الإيمان والعمل الصالح، ويفوته ما رتب على ذلك. أي: يفوته من الإيمان ما رتب على ذلك بحسب ما أخل به من الإيمان والعمل. كلما أخل بشيء من الأعمال وكذلك من مقام الإيمان فإنه ينقص ويفوته ذلك الإيمان الكامل. قال: وذلك بحسب ما علم من حكمة الله ورحمته، وكذلك وعده الصادق الذي يعرف من تتبع كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. ولهذا ذكر الثواب المرتب على ذلك بقوله سبحانه وتعالى: ﴿سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾. ﴿مِن تَحْتِهَا﴾ قال كثير من المفسرين: أي تحت البيوت والأشجار. أي تحت الجنة يكون أنهار. وقيل: أنها وسطها بداخلها. أي: ﴿مِن تَحْتِهَا﴾ أي في أرضها. أي في أرض القصور والبيوت، في أرض أيضا المزارع والبساتين، في أرضها تكون هذه الأنهار. ولهذا قال: ﴿مِن تَحْتِهَا﴾ أي تحتهم. وقيل: ﴿مِن تَحْتِهَا﴾ كما ذكرنا أنها تجري من تحت هذه الجنات، من تحت البيوت. على تحت البيت يكون نهر يجري، يستطيع الإنسان أن ينزل من بيته ومن قصره ويأخذ من هذا الماء الذي تحته، أو أنه يأتي به خدامه إليه. فالماء عنده موفر لا ينقطع أبدا. معنى: جعل الله عز وجل أنهارا من ماء غير آسن. أي: لا يتغير أبدا. هذا الماء معنى دوام الحياة وهو موجود عنده. أي وقت تريد أن تشرب يأتيك ماء بارد، ماء تلتذ به. ليس من مياه الدنيا بل من مياه الآخرة، من مياه الجنة. وليس بينهما إلا الاسم. وليس بينهما إلا الاسم. ذات يسمى ماء وهذا يسمى ماء. وكذلك الخمر: هذه خمر الدنيا فيها أشياء من نغص البطن وصداع الرأس. لكن خمر الآخرة: ﴿لَا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلَا يُنزِفُونَ﴾ [الصافات: 47]. أي: لا تعمل لهم صداع في الرأس، ولا أيضا ألم في البطن. بل هي طاهرة مطهرة. كذلك أيضا اللبن والعسل. كل ذلك ليس مثل لبن الدنيا ولا عسله. بل لبن عظيم، ولبن فيه أعظم اللذة. وكذلك قد لا يتصورها الإنسان. كذلك العسل. وهذه الأشياء التي ذكرها كما قال الإمام الحبر ابن عباس: «إنما بين الدنيا والآخرة الأسماء فقط». هذا يسمى ماء، يسمى لبن، يسمى عسل، يسمى فاكهة كذا. هذه فقط أسماء. لكن يختلف في الطعم، في القوام، في اللذة، وغيرها. ولهذا: ﴿فِيهَا مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ﴾ [السجدة: 17]. قال المعلم: «فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر من أنواع المآكل والمشارب اللذيذة، والمناظر العجيبة، والأزواج الحسنة، والقصور والغرف المزخرفة، والأشجار المتدلية، والفواكه المستغربة، والأصوات الشجية، والنعم السابغة». حتى أنك لا تستطيع أن تتخيلها، فضلا عن أن تقول كذا وكذا. ومن الأمور العظيمة التي في الجنة: أن الله عز وجل جعل بناء الجنة لؤلؤا مجوفة من الفضة، يرى داخلها كما يرى خارجها. أي: من كان داخل هذه اللؤلؤ المجوفة يرى من كان خارجها. وهذا لم يحصل في الدنيا أبدا. معنى أنها تكون زجاجا بفضة. ما يكون زجاج بفضة أبدا. معنى: ما يستطيع أحد أن يفعل زجاجا وفضة يجعلها زجاجا. معنى: يرى ظاهرها من باطنها. لكن هذا موجود في جنة الله جل وعلا. قالوا: الفواكه المستغربة، والأصوات الشجية، والنعم السابغة، وتزاور الإخوان. وكل هذا قد ثبت في النصوص. وتذكرهم ما كان منهم في رياض الجنان. وأعلى من ذلك كله وأجل: رضوان الله عليهم. كما جاء في حديث أبي سعيد: أن الله عز وجل ينادي أهل الجنة: «يا أهل الجنة هل رضيتم؟» فيقولون: «وكيف لا نرضى وقد بيضت وجوهنا وأدخلتنا الجنة؟» فيقول الله عز وجل: «فإني أحل عليكم رضواني فلا أسخط عليكم بعدها أبدا». يقول الله عز وجل: «فإني أحل عليكم رضواني فلا أسخط عليكم بعدها أبدا». فنسأل الله عز وجل أن يجعلنا منهم. قال: رضوان الله عليه، وتمتع الأرواح بقربه، والعيون برؤيته، والأسماع بخطابه. وهذا أيضا من أعظم ما يؤتى أهل الجنة: أنهم يرون الله سبحانه وتعالى. فما أعطوا شيء في حديث صهيب أبي يحيى الرومي رضي الله عنه في صحيح مسلم، وأخرجه الإمام مسلم. الحديث: حماد بن سلمة عن ثابت عن أبي رافع عن أبي هريرة. وقد أوقفه جماعة عن ثابت. لكن أكثر العلماء يقولون: أن حماد بن سلمة من أوثق الناس في ثابت، وحديثه صحيح. فلذا حديث صحيح. قال: «لما يدخل الله عز وجل أهل الجنة الجنة» - بمعنى يجعلهم يرونه سبحانه وتعالى - «فما أعطوا شيء أحب إليهم من النظر إليه جل وعلا». وفي حديث جرير بن عبد الله: «إنكم سترون ربكم كما ترون القمر لا تضامون في رؤيته». أي: لا تتزاحمون. قال رحمه الله: «ولولا ثباتوا من الله لهم» - أي: ثبتهم على دينه وعلى هذا الإيمان - «لطاروا وماتوا». أو معنى: ثباتوا الله عز وجل أي في الجنة لما يروا من النعيم العظيم. الإنسان أحيانا في الدنيا إذا رأى مثل هذا الشيء قد لا يثبت عقله، قد يذهب عقله. قالوا: لولا ثباتوا من الله لهم لطاروا وماتوا من الفرح والحبور. فلله ما أحلى ذلك النعيم، وما أعلم لهم الرب الكريم، وما حصل لهم من كل خير وبهجة لا يصفه الواصفون. وتمام ذلك وكماله: الخلود الدائم في تلك المنازل العاليات. ولهذا قال: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾. ﴿وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا﴾. طيب، إن شاء الله نكتب بهذا ونكمل في درس قادم.