الدرس في كتاب النكاح من صحيح البخاري 134، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يروي الإمام البخاري مختصر حديث التيمم حيث غضِب أبو بكر من ابنته عائشة لضياع عقدها فطعنها في خاصرتها، وظلت ساكنة لا تتحرك لأن رأس النبي صلى الله عليه وسلم كان على فخذها فلم ترد إيقاظه. يبرز هذا الموقف حرص الصحابية على أدب النبوة وتحملها للأذى في غير محرم.
يشرح الشيخ باباً من صحيح البخاري عن سؤال النبي صلى الله عليه وسلم لأبي طلحة: «هل أعرستم الليلة؟» بعد وفاة ابنه، مبيناً جواز إطلاق لفظ الليلة على الليلة الماضية. كما يوضح ضوابط الإفصاح عن الجماع بأنه جائز عند المصلحة وصلاح الحال، مع النهي عن إفشاء سر الفراش عادة.
يستعرض المقطع أحكاماً فقهية من حديث طعن أبي بكر لابنته، منها جواز عتاب الأب ابنته بحضرة زوجها، وجواز مسها تأديباً، وفضل صبر المرأة وتحملها للأذى. كما يبين الفرق بين السؤال عن أمور الجماع للمصلحة الشرعية وبين التسلية المحرمة وإفشاء السر.
يُذكر ما نزل من بركة عظيمة عند نزول آية التيمم بسبب هذا الحادث، حتى قال ابن حضير: "ما هي بأول بركتكم يا آل أبي بكر". ويُشار إلى أن هذا الحديث هو آخر ما أورده الإمام البخاري في كتاب النكاح، مختتماً به أحكام النكاح والجماع.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، قال الإمام البخاري رحمه الله: «باب قول الرجل لصاحبه: هل أعرستم الليلة، وطعن الرجل ابنته في الخاصرة عند العكاب». قال: حدثنا عبد الله بن يوسف، وهو التنيسي الدمشقي، قال: أخبرنا مالك بن أنس، إمام دار الهجرة، عن عبد الرحمن بن القاسم، وهو عبد الرحمن بن القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق، عن أبيه، وهو القاسم بن محمد، عن عائشة رضي الله تعالى عنها. عائشة، أشتق رب لقاسم بن محمد، أختي أبي محمد، محمد من أمه تعرفون من أمه؟ محمد بن أبي بكر الصديق، ولدته أمه في حجة النبي عليه الصلاة والسلام في ذي الحليفة، أما كان في ذي الحليفة ولدته أمه، وكان النبي صلى الله عليه وسلم ذاهبًا للحج. أمه أسماء بنت عميس، أسماء بنت عميس كانت زوجة جعفر، وجاءت له بعبد الله ومحمد، محمد بن جعفر وعبد الله بن جعفر، ومحمد أخوهم من الأم، محمد بن أبي بكر أخوهم من الأم. ولما استشهد جعفر تزوجها أبو بكر الصديق، ثم مات أبو بكر وتزوجها علي، علي بن أبي طالب، فتربى محمد بن أبي بكر عند علي بن أبي طالب، وهو عم... معنى... معنى زوجة أمه، محمد ربيب علي، والتربى عنده. قال: عن أبيه، عن عائشة رضي الله تعالى عنها، قالت: عاتبني أبو بكر، وجعل يطعنني بيده في خاصرتي، فلا يمنعني من التحرك إلا مكان رسول الله صلى الله عليه وعليه وسلم، رأسه على فخذي. وهذا الحديث اختصره الإمام البخاري من حديث طويل، وهو حديث التيمم، لما نزلت آية التيمم، فرأى أبو بكر الناس جلوسًا، فقال: ما لهم؟ قيل: عقد ضاع لعائشة رضي الله تعالى عنها، فمكث النبي عليه الصلاة والسلام لأجله، فلذا دخل أبو بكر مغضبًا على عائشة، فكان يطعنها في بطنها لعجل أنها لماذا فعلت هذا بالناس. وعائشة رضي الله عنها كان في حجرها النبي صلى الله عليه وسلم، فلذا لم تستطع، أو بمعنى منعت نفسها أن تتحرك حتى لا يستيقظ النبي عليه الصلاة والسلام. وهنا باب عليه الإمام البخاري: «باب قول الرجل لصاحبه: هل أعرستم الليلة»، ولم يذكر شيء في هذا الباب. «أعرستم الليلة، أعرستم الليلة، أعرستم الليلة»، ومعنا منعه، «أعرستم الليلة، أعرستم الليلة»، سيظهر كأنه زائد هذا، أو في بعض النسخ حتى هنا قال: «ساقط من الأصل». فما ذكر شيء في هذا، معناه يدل عليه، ويدل عليه حديث أنس: لما مات لأبي طلحة ابن، فلم تخبر أم سليم أباه، كان مريضًا، فقال: ما بال الولد؟ قالت: قد ارتاح، فأصابها تلك الليلة، أصابها بمعنى جامعها تلك الليلة، فلما أصبح أخبرته بأن الولد قد مات، وذكرت له من باب التسلية، من باب الاستسلام، قالت له: إن أخذنا عارية من جيراننا ثم طلبوها، فهل نعطيهم إياها؟ قال: نعم. فقالت له: إن الله عطانا هذا الولد وطلبه. فغضب، أو حصل في نفسه، قالت: قال: كيف لم تخبريني، وجعلتني... أنه جاء مع أن ولده كان ميتًا. فلما أصبح ذهب إلى النبي عليه الصلاة والسلام وأخبره بذلك، فقال: «هل أعرستم الليلة؟». وهذا فيه جواز إطلاق الليلة الماضية على في يومها، فقال: «هل أعرستم الليلة؟»؛ أنا الآن عندنا نحن بالعكس نطلق على الليلة التي ستأتي نجعلها ليلة اليوم، هذا مثلًا الآن عندنا الخميس نقول ليلة الخميس، وهي ليست ليلة الخميس، أو نقول الليلة وهي ليست تابعة للخميس وإنما تابعة للجمعة، وهي ليلة الجمعة، وليلة الخميس قد مرت. لكن ممكن أن الإنسان يقول الليلة، ويقول أيضًا البارحة، البارحة مثلًا فعلت كذا، البارحة حضرت المحاضرة، وممكن أن يقول الليلة. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «هل عرستم الليلة؟» قال: نعم. قال: «بارك الله لكما في ليلتكما»، «بارك الله لكما في ليلتكما». وهذا مما يجوز أحيانًا الإخبار به، خاصة عند صلحان الناس، وإذا كان لمصلحة. معنا الأصل أن الإنسان لا يخبر بما حصل في فراجه، قد جاء النهي كما جاء في صحيح مسلم أنه لا يخبر بما حصل له مع زوجته في فراجه. معنا لا ينبغي الإنسان يسأل: هل شامع زوجته البارح؟ هذا الأصل فيه المنع، لكن أحيانًا لعجل مصلحة أو كذا لا بأس، لا بأس أنه يخبر إذا كان في الأمر حكمًا، أو كذلك شيء فيه مصلحة، أو مثلًا طبيب يسأله أو غير ذلك. فالنبي صلى الله عليه وسلم قال: «هل عرستم الليلة؟» يريد أن يدعو لهم تلك الليلة بما فقدوا من هذا الابن، وبما كان من أمه من الصبر العظيم الذي وضعه الله عز وجل في قلبها، فقال: «بارك الله لكما في ليلتكما». ثم حملت بعبد الله بن أبي طلحة، وكان لعبد الله عشر من الولد، كلهم يحفظ القرآن. كان لعبد الله بن أبي طلحة عشر من الولد، عبد الله بن أبي طلحة هو أخ أنس، بمعنى أخوه من أمه. ثم ذكر هذا الحديث في طعن الرجل ابنته في الخاصرة، وقولها: يطعنني، يطعن، قد يكون بالقول وقد يكون باليد، لكن هنا المراد به باليد، المراد به معنى أنه يطعنها في بطنها: لماذا أخرت الناس؟ وفيه أن للأب أن يعاتب ابنته بمحضر زوجها، يعاتبها لأجل أنها قصرت مثلًا في حق زوجها، قصرت في طاعته، مثل ما تقدم قبل أن عمر عاتب حفصة على أنها لا تخالف النبي عليه الصلاة والسلام وتطيعه وتطيعه في كل شيء، فيجوز للأب أن يعاتب ابنته ولو كان بمحضر زوجها، وله أن يمسها بشيء من ما يكون كالعقاب لها. وفيها أيضًا في هذا الحديث إكرام المرأة زوجها، فعائشة رضي الله عنها لم تتحرك لمكان رسول الله صلى الله عليه وسلم منها. وأيضًا فيه أن الرجل الفاضل يجوز أن يسأل صديقه عما يفعله إذا خلى مع أهله، إذا كان الرجل صالحًا ويريد مصلحة من ذلك، فيجوز له أن يسأل عن هذه الأمور التي تكون بين الرجل وأهله. وأما القصد مثلًا التسلية، هذا يخبر بما حصل، مثلًا يقول: فعلت كذا مع زوجتي وكذا، فهذا مما جاء فيه النهي. وأيضًا في هذا الحديث أن الناس يتباينون في مسألة التحمل والصبر، فعائشة رضي الله عنها تحملت طعن أبيها، طعن أباها في خاصرتها، فلم تتحرك. وأيضًا ما حصل لها، أو ما حصل لهم من البركة العظيمة في نزول آية التيمم، حتى قالوا: قال ابن حضير: ما هي بأول بركتكم يا آل أبي بكر، ما هي بأول بركتكم يا آل أبي بكر. طيب، هذا بعض الفوائد في هذا الحديث، وهو آخر حديث ذكره الإمام البخاري في كتاب النكاح، فنكتفي بهذا، والله تعالى.