تفسير سورة النساء من تفسير السعدي 144

تفسير سورة النساء من تفسير السعدي 144

الدرس في تفسير سورة النساء من تفسير السعدي 144، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

خطر الأماني الكاذبة وضرورة العمل الصالح للنجاة

يحذر المحور من الاغترار بالأماني الباطلة والانتساب المجرد دون عمل صالح، مبيناً أن الإيمان الحقيقي يصدقه العمل وأن مجرد التمني على الله بغير برهان طريق أهل الكتاب. ويؤكد أن حسن الظن بالله يستلزم حسن العمل، محذراً من ارتكاب المعاصي رجاء العفو والمغفرة.

تفسير آية ﴿مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ وأقوال المفسرين في حملها على المصائب المكفرة

يستعرض المحور أقوال العلماء في تفسير الآية، فمنهم من حمل الجزاء على المصائب والأمراض المكفرة للذنوب، ومنهم من خصه بغير التائبين، مع رد قول النسخ لكون الآية خبراً لا حكماً. وينبه على خطر الاغترار بتأخير العقوبة الظاهرة مع الإعراض عن الطاعات.

أسباب عفو الله عن الذنوب من الأعمال الصالحة والأعذار المعتبرة

يبيّن المحور أن عفو الله عن السيئات والذنوب يكون بأسباب منها الأعمال الصالحة التي يقوم بها العبد، أو الأعذار التي يعذر الله بها عبده في ارتكاب السوء. وهذا المعنى مستفاد من سياق الآية الكريمة وتفسير العلماء لها.

  • 12 جمادى الأولى 1447هـ - 02/11/2025مـ
التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، قال العلامة السعدي رحمه الله عند قول الله جل وعلا: ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾. قال رحمه الله: ليس الأمر والنجاة والتزكية بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب، والأماني أحاديث النفس المجردة عن العمل المقترن بها، دعوة مجردة لو عورضت بمثلها لكانت من جنسها. وهذا عام في كل أمر، فكيف بأمر الإيمان والسعادة الأبدية؟ فالأماني هي أشياء يتخيلها الإنسان ويتمنى أن تحصل، فهي دعوة مجردة، يقول: لو عورضت بمثلها لكانت من جنسها أيضًا، دعوة مجردة لا دليل عليها ولا برهان فيها، كما قال الله عز وجل: ﴿تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾. فالأماني تضل أهلها إذا لم تكن على خير، فغالبًا هذه الأماني هي آمال يتأملها الإنسان في المستقبل، وغالبًا تضل الإنسان إذا ركن إليها. ولهذا النبي عليه الصلاة والسلام جاء في الصحيحين: خط خطًا، أو قال: خطًا طويلًا، قال: «هذا الإنسان وهذا أمله»، ثم خط خطًا مربعًا أدخله في ذلك الخط الطويل، فقال: «وهذا أجله محيط به»، ثم خط خطوطًا صغيرة خارج هذا المكان، فقال: «هذه العراض، كلما فاته عرض نهشه آخر». وهذا الحديث في الصحيحين في حديث عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه، بيّن النبي صلى الله عليه وسلم أن هذه الآمال تنسي الإنسان أجله، مع أن أجل الإنسان محيط به. وكذلك الأماني تعتبر من الآمال، يتمنى الإنسان أن يحصل له كذا وكذا في نفسه، وغالبًا هي أماني لا دليل عليها ولا برهان، مثل الأماني التي كان يقولها أهل الكتاب كما سيذكرها المؤلف رحمه الله. قال: فكيف بأمر الإيمان والسعادة الأبدية؟ عن الذي يتمنى هذه الأشياء وهو لا يعمل، فهو يكذب على نفسه. وقد جاء عن الحسن البصري رحمه الله أنه كان يقول: «ليس الإيمان بالتحلي ولا بالتمني، وإنما الإيمان ما وقر في القلب وصدقه العمل». إنما الإيمان ما وقر في القلب وصدقه العمل، فليس هو بالتمني ولا بالتحلي. وأيضًا جاء حديث من حديث ابن عمر، لكنه لا يصح: «العاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني». العاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني، لكنه حديث ضعيف. ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: «الكيس...» لما سئل عن الكيس، الذكي، والذي فذكر أنه أكثرهم استعدادًا للموت، إنه يترك هذه الأماني لأن الأماني ستضله، وإنما يعلم أنه لا بد أنه راجع إلى الله جل وعلا، وسيأتي اللحظة التي يرحل فيها عن هذه الدنيا. فالأماني... الأماني لا يضع هذه الأماني قد تضله وتنسيه أمر الله. فكذلك أعظم من هذا أن الإنسان يدعي الإيمان ويتمنى أنه من أهل الإيمان ومن أهل السعادة الأبدية، وعمله يخالف قوله، فهو لا عمل له ولا اجتهاد في الطاعة، بل غافل عن أمور الآخرة، ويمني نفسه بمغفرة الله وبرحمته وبغير ذلك، مثل ما فعل اليهود كما ذكر المؤلف. قال: فإن أماني أهل الكتاب قد أخبر الله بها، أنهم قالوا: ﴿لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى﴾، تلك أمانيهم. قال: وغير ممن ليس ينتسب لكتاب ولا رسول من باب أولى وأحرى. هؤلاء الذين لهم كتاب تمنوا هذه الأمان، فقالوا: نحن أبناء الله وأحباؤه، قل: ﴿فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ﴾. وقالوا أيضًا: ﴿لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ﴾، فقال الله عز وجل: ﴿قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾. وقالوا: ﴿لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى﴾، فقال الله عز وجل: ﴿تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾. فالأماني لا تنفع إذا لم تقم عليها براهين، لهذا قال: فإن مجرد الانتساب لأي دين كان لا يفيد شيئًا إن لم يأتِ الإنسان ببرهان على صحة دعواه، فالأعمال تصدق الدعوة أو تكذبها. وهذا كما ذكرنا قبل عن الحسن، وبعضهم يذكره مرفوعًا إلى النبي صلى الله عليه وسلم ولا يصح: «ليس الإيمان بالتحلي ولا بالتمني، لكن ما وقر في القلب وصدقه العمل». قالوا: لهذا قال تعالى: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾. قالوا: هذا شامل لجميع العاملين، لأن السوء شامل لأي ذنب كان من صغائر الذنوب وكبائرها، وشامل أيضًا لكل جزاء قليل أو كثير، دنيوي أو أخروي. والناس في هذا المقام درجات لا يعلمها إلا الله. أن من يعمل سوءًا يجزى به، ظاهر الآية أن من عمل ذنبًا جازاه الله، لكن ليس هذا المراد، ليس أن الله عز وجل يجازي على كل ذنب، وإنما أو يعاقب على كل ذنب. وإنما المراد أن هؤلاء الذين تمنوا على الله الأماني فهم مما تمنوا، سواء كان من أهل الكتاب أو من أهل الإسلام، أنهم سيعملون السوء ولا يجزون به، فرد الله عز وجل عليهم: ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾. على هذا رد، كأنه هناك شيء محذوف، وهو أنهم ظنوا -وهي الأماني هذه التي ظنوها- أنهم سيكونون من أهل الجنة وأهل مغفرة الله عز وجل وإن عملوا السوء، فالله عز وجل لا يعاقب. وهذا من باب ركونهم، وكذلك اقترارهم بعفو الله وكرمه ومغفرته، وهذا الباب مزلق خطير وقع فيه أهل الكتاب، ووقع فيه أيضًا كثير من أهل الإسلام. وكما قال الله عز وجل: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتَابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الْأَدْنَى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ﴾، معنى ما يبالون، يدخلون في أي معاصي وأي ذنوب، وهم يضعون في قلوبهم أن الله عز وجل سيغفر لهم، وسيذهب ذلك عنهم، والله سيدخلهم الجنة. فهذه الأماني هي التي تضل الإنسان، أنه يتمنى مثل هذه الأماني فيعمل السوء ولا يبالي، وليس ذلك أيضًا من حسن الظن بالله، بل هذا من سوء الظن. وكما قال الحسن رحمه الله: أن أناسًا يظنون أنهم يحسنون الظن بالله، فأساءوا العمل، وقد كذبوا، فلو كانوا يحسنون الظن بالله لأحسنوا العمل، كيف يسيئون العمل ويقولون: نحن نحسن الظن بالله؟ هذا غرور. فهذا اقترار بعفو الله وكرمه، فليس يفيدهم شيئًا، وليس هذا من حسن الظن كما ذكر العلماء. وقد ذكر الإمام ابن القيم أشياء كثيرة في هذا الباب في كتابه «الجواب الكافي» وغيره. قال رحمه الله: والناس في هذا المقام درجات لا يعلمها إلا الله، فمستقل لمستكثر، أي في الذنوب. فمن كان عمله كله سوءًا، وذلك لا يكون إلا كافرًا، فإذا مات من دون توبة جوزي بالخلود في العذاب الأليم. ومن كان عمله صالحًا وهو مستقيم في غالب أحواله، وإنما يصدر منه أحيانًا بعض الذنوب الصغار، فما يصيبه من الهم والغم والأذى وبعض الآلام في بدنه أو قلبه أو حبيبه من ولده وزوجه أو ماله ونحو ذلك، فإنها مكفرات للذنوب، وهي ما يجزى به على عمله، قبضت الله لطفًا بعباده. وهذا يدل على أن المؤلف أخذ الآية على ظاهرها، وهذا قول من أقوال المفسرين. وهناك قول آخر، قالوا: إن المراد من هذه الآية مع الآيات الأخرى أن الله عز وجل قال: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾، فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير. فالذي يصاب به الإنسان في هذه الحياة فإنه ليس كل شيء، ليس كل شيء يفعله من السوء يعاقب عليه، بل ربنا جل وعلا يعفو عن كثير. وهذه الآية تحمل على الآية الأخرى. وحملها شيخنا على أن هذه الأشياء التي لا يعاقب عليها، لكنه يعاقب بالأمراض والمصائب بدل العقوبة الدنيوية التي تحصل له، يحصل له شيء من المصائب والذنوب. واستدل بعضهم على هذا بما جاء عند ذكر هذه الآية، جاء حديث بأبي بكر رضي الله تعالى عنه، وإن كان في الأسانيد شيء، إلا أن بعض العلماء كالشيخ الألباني رحمة الله عليه صحح أسانيدها في السواهد. أنها لما نزلت هذه الآية: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾، قال أبو بكر: يا رسول الله، وأينا لا يعمل السوء؟ فقال: «يا أبا بكر، ألست تحزن؟ أو قال: ألست تنصب؟ أي تمرض؟ ألست تصيبك الآواء من الأشياء التي تصاب بها الإنسان من الحمى وغير ذلك؟» فقال: بلى يا رسول الله. قال: «فهي إذن، من يعمل سوءًا يجزى به». أي أنه يصاب بالمرض أو بفقد الحبيب أو غيرها من هذه الأشياء، مثل ما قال الله عز وجل: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾. وقد جاءت الأحاديث المتكاثرة عن النبي عليه الصلاة والسلام أن هذه المصائب تكفر الذنوب، تكفر الذنوب، كما جاء من هذه الأحاديث ما جاء في الصحيحين في حديث أبي هريرة وأبي سعيد أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «ما من مسلم يصاب بوصب أو نصب أو هم أو غم أو أذى، حتى الشوكة يشاكها، إلا كفر الله عز وجل بها من خطاياه». وجاء في حديث عبد الله بن مسعود وعائشة: «ما من مسلم يصاب بمصيبة، شوكة فما فوقها، إلا حط الله بها من خطاياه كما تحط ورق الشجر»، وغيرها من الأحاديث التي جاءت في هذا الباب. فلذلك حمله بعض العلماء على هذا، لكن كما قلنا هناك من قال: إن هذا يحمل على الآيات الأخرى، أن الله عز وجل بعض الذنوب يعاقب عليها، وبعض الذنوب قد يعفو عنها الرب سبحانه وتعالى. وكذلك أن من قال: إنه يعاقب عليها، أحيانًا العقوبة لا تظهر ويغفل عنها العبد. وهذا كما ذكر الإمام ابن القيم: هي من أشد العقوبات، وهي ترك الطاعة، وأيضًا الغفلة عنها، وكذلك ما يصاب المرء من عدم المحبة للطاعة، هذا من أشد العقوبات. بعض الناس مثلًا يرى أنه لما يفعل المعصية يقول: ربي ما يعاقبني، فعلت كذا وفعلت كذا ما عاقبني، لعل الله يحبني لأني أعمل الصالحات، لأني أحفظ القرآن، لأني أجلس في الحلقات، فالله يغفر لي هذا بسبب هذه الأشياء والأعمال الصالحة، فيغفر ما كان لي من سيء، فيغتر بذلك، فيغتر بذلك، وهو غافل أنه يبتعد عن الطاعات شيئًا فشيئًا حتى يكون قلبه كارهًا للطاعات، وأيضًا يبعده الله عز وجل عن قربه، عن قربه إليه. قد يكون العبد متقربًا إلى الله عز وجل بالطاعات وكذا، فتأتي المعاصي فتبعده، فتبعده عن الله جل وعلا. فلذلك إذا تاب ورجع، الله عز وجل يقربه. وهكذا كما جاء في ذلك الأحاديث والآيات. قالوا: وهناك قول ثالث في تفسير هذه الآية، على أنها منسوخة، أن هذا كان قبل، أن الله عز وجل ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾، لكن النسخ هذا خطأ، لأن النسخ هذا يكون في الأحكام، والنسخ لا يكون في الأخبار. قالوا: بين هذين الحالين مراتب كثيرة، وهذا الجزاء على عمل السوء العام مخصوص في غير التائبين، فإن التائب من الذنب كما لا ذنب له، كما دلت على ذلك النصوص. وهنا قال: وهذا الجزاء على عمل السوء العام مخصوص في غير التائبين، أنا خصه هنا المؤلف في غير التائبين. وكما قلنا أن هناك من العلماء من خصه أيضًا في ما يعفو الله عز وجل به من السوء ومن الذنوب التي يفعلها العبد، فيعفو الله عز وجل عنها إما لأعماله الصالحة وإما لشيء مما يعذره الله عز وجل في فعل ذلك السوء. فهذا مما يذكر في هذه الآية. إن شاء الله نكمل في درس قادم.