تفسير سورة النساء من تفسير السعدي 143

تفسير سورة النساء من تفسير السعدي 143

الدرس في تفسير سورة النساء من تفسير السعدي 143، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

صدق خبر الله وكذب الشيطان وبطلان قول فناء الجنة

يؤكد المقطع أن كلام الله حق محض وكلام رسوله صدق، بينما خبر الشيطان كذب محض. ويرد على القائلين بفناء الجنة مستدلاً بآية الخلود الأبدي، مقرراً أن الجنة والنار لا تفنيان وهو قول أهل السنة.

خلود الجنة والنار والفرق بين وعد الله ووعيده

يقرر المقطع أن الجنة والنار دائمتان لا تفنيان، ويفسر الأحقاب بأنها فترات متعاقبة من العذاب. ويبين أن وعد الله حق مطلق بخلاف غرور الشيطان، مع الرد على الجبرية والمعتزلة في التعليل والوعيد.

الفرق بين الوعد والوعيد في حق الله تعالى ورد شبهة الخوارج والمعتزلة

يبيّن المقطع الفرق الجوهري بين الوعد الواجب الوفاء والوعيد الجائز العفو عنه رحمةً. ويرد على الخوارج والمعتزلة الملزمين الله بتنفيذ الوعيد، موضحاً أن الخلود في النار للكفار بينما أهل التوحيد يخرجون بالشفاعة.

تفسير آية تمت كلمة ربك صدقا وعدلا

توضح الآية أن كلمة الله تحققت صدقاً في أخباره وعدلاً في أحكامه. ويشير المقطع إلى أن الله أعلم بتفاصيل ذلك، مختتماً بالشكر للمشاهدة.

  • 12 جمادى الأولى 1447هـ - 02/11/2025مـ
التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله: بعدما ذكر قول الله جل وعلا: ﴿سندخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار﴾، وذكر ما في هذه الجنات من العطاء العظيم والنعيم المقيم، فذكر بعد ذلك قوله جل وعلا: ﴿خالدين فيها أبدا وعد الله حقا ومن أصدق من الله قيل﴾. فصدق الله العظيم الذي بلغ قوله، وحديثه في الصدق أعلى ما يكون. ولهذا لما كان كلامه صدقًا وخبره صدقًا، كان ما يدل عليه مطابقة وتضمنًا وملازمة عن كل ما يطابقه، أي في معناه، وكذلك ما تضمن هذا المعنى يدخل فيه، وأيضًا يدخل فيه ما كان لازمًا، كل ذلك مراد من كلامه جل وعلا. ولأن كلام الله عز وجل كلام حق، لهذا أيضًا يصدق عليه كل ما يدخل في هذا الكلام. قالوا: كذلك كلام رسوله صلى الله عليه وعلى سلم، لكونه لا يخبر إلا بأمره، ولا ينطق إلا عن وحيه. ولهذا ذكر الإمام ابن أبي العز رحمه الله أن الكلام على ثلاثة أقسام: كلام صدق، محض صدق، لا كذب فيه، وهو خبر الله. أو أقصد: الأخبار على ثلاثة أقسام: خبر صدق لا كذب فيه، وهو خبر الله، وخبر رسوله صلى الله عليه وعلى سلم. وخبر كذب لا صدق فيه، وهو خبر الشيطان. الشيطان يكذب في وعده وفي أخباره، لا يصدق أبدًا. ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: «صدقك وهو كذوب»، لما صدق؛ لأن الأصل فيه الكذب. الأصل في الشياطين أنهم يكذبون. وإنما لما صدق قال: «صدقك وهو كذوب». كذوب من باب كثرة الكذب، على وزن فعول، عن أنه أصل فيه الكذب. فلهذا قد نبهنا أكثر من مرة على من يقرأ على المرضى وعلى الممسوسين، فإنه لا يجوز أن يصدق الجن عن بعض القراء؛ لأنه ليس عنده علم، فيقوم من يصدق هؤلاء الجن والشياطين، فيقول له الجن: هذا سحر، وهذا السحر فعله فلان، وفعله كذا. فيقوم هذا القارئ ويصدق الجن على هذا، ويبني عليه أحكامًا، ويحصل بعد ذلك فرقة عظيمة بين الناس. وغالبًا الشيطان يأتي ويذكر له أحب الناس إليه أنه فعل هذا، أو فعل به هذا، أو أنه ذهب إلى الساحر الفلاني، وغير ذلك مما يجعل التفريق، أو الشيطان ينجح في التفريق بين الناس. حتى أنه يقول: هذه المرأة بها سحر، سحرها زوجها، أو العكس، أو يقول: سحره أباه أو أمه. ومن هذا القبيل الذي يفعله الشيطان في الناس، فيجعلهم يتخاصمون ويتقاطعون بسبب مثل هذه الأشياء. ولهذا يتنبه القارئ أنه لا يصدق الشيطان أبدًا؛ لأن الشيطان خبره كذب ووعده كذب. ولهذا تجده يقول: سأخرج، ولا يخرج إلا إذا ضغط عليه القارئ، خرج بعد ذلك مكرهًا. وأما أنه سيخرج باختياره، فهو يعد ولا يفعل. وأما الخبر الثالث فهو خبر جميع الناس من الجن والإنس، فهو يحتمل الكذب والصدق، يحتمل الكذب ويحتمل الصدق. وفي هذه الآية فيها رد على بعض الفرق التي تقول بفناء الجنة، وهي الجهمية، والجهمية ومن نحا نحوهم. وإن المعتزلة يقولون: أن الجنة تنتهي وتفنى، ويفنى نعيمها. والمعتزلة يقولون -كما هو قول أبي الهذيل العلاف-: أنها تسكن حركاتهم، خلاص ما يتحركون، عنها مثل الموت. وهذا كلام باطل. والله عز وجل قال: ﴿خالدين فيها أبدا﴾. أبدًا الآبدين لا تنتهي أبدًا ولا تفنى. وهذا قول أهل السنة جميعًا: أن الجنة والنار لا يفنيان أبدًا. وأما ما ذكر عن الإمام ابن القيم، فهو إن كان قصد النار نفسها فهذا قول خطأ، وهو ليس من أقوال أهل السنة. لكن قد ذكر في بعض كتبه أنه أراد نار العاصي، ونسب ذلك إلى شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله. لكن الموجود في كتب الشيخ شيخ الإسلام أنه يقول: لا تفنى لا النار ولا الجنة. لكن قد يكون كما قلنا: الإمام ابن القيم أراد فقط نار العاصي، وليس النار جميعًا. والمهم أن هذا لم يأت فيه دليل صريح. وقوله جل وعلا: ﴿ماكثين فيها أحقاب﴾، هي جمع حقب، والحقب اشتُبه فيه هل هو ثمانون سنة أو أكثر. لكن الآية المراد بها: لابثين فيها أحقاب، أي كل من قطع انتهى حقب جاء حقب آخر. ثم قال الله عز وجل: ﴿لا يذوقون فيها بردا ولا شرابا إلا حميما وغساقا﴾. معنى أن عذابهم دائر، فعذابهم أحقاب، على عذاب يأتي أحقاب، حقب آخر على عذاب آخر، ينوع الله عز وجل عذابهم في النار، والعياذ بالله. نسأل الله عز وجل أن ينجينا منها. فلهذا فالخلود هذا الذي ذكره الله عز وجل هو خلود حقيقي في جنة الله عز وجل، وكذلك أهل النار يخلدون فيها، لا يخرجون منها، ولا هم يستعتبون. أن لا يقبل عتبهم، ولا يقبل عذرهم، ولا يقبل شيء منهم، لا يخفف عنهم العذاب، ولا هم ينظرون. معنى ما يقبل حتى التخفيف: لا يخفف عنهم، ولا هم أيضًا ينظرون، يؤخرون. لا، بل يكون عذابهم عاجلًا. يدخلون بعدما يدخلون النار، ينصب عليهم العذاب، فيستغيثون ويصرخون، ولا يفيدهم شيئًا. أيضًا في الآية قوله جل وعلا: ﴿وعد الله حقا﴾، أي مقابل وعد الشيطان. معنى وعد الله حقًا مطلقًا، لكن هنا أراد: أي أن هذا الوعد الذي يعيده الله عز وجل لأهل الجنة هو وعد حق، ليس كوعد الشيطان. فما يعدهم إلا غرورًا، كما ذكر الله عز وجل. ولهذا اعترف الشيطان أيضًا، أو يعترف الشيطان بذلك، كما جاء في سورة إبراهيم. قال الله عز وجل: ﴿وقال الشيطان لما قضي الأمر إن الله وعدكم وعد الحق ووعدتكم فأخلفتكم وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي فلا تلوموني﴾، أي لا تضعوا اللوم كله فيه، ﴿فلا تلوموني ولوموا أنفسكم﴾، بسبب أنكم صدقتم الشيطان، صدقتم وعده، ولم تصدقوا وعد الله، ولم تبالوا بوعد الله جل وعلا، لهذا حصل لكم هذا. ﴿فلا تلوموني ولوموا أنفسكم ما أنا بمصرخكم وما أنتم بمصرخي﴾ إلى آخر الآية. فلهذا فوعد الله عز وجل حقًا، كله صدق. وقوله صدق، وقبره صدق. جل وعلا يعد أهل الإيمان بهذا النعيم العظيم، ولا شك أنه واقع لا يتخلف أبدًا. وعد أهل الإيمان ومن عمل الصالحات بهذه الجنات، لا يتخلف هذا أبدًا، والله لا يخلف الميعاد. وهذا أيضًا فيه رد على بعض أهل البدع من الأشاعرة وغيرهم، والجبرية أقصد، وأهل الجبر أيضًا، الذين ينفون التعليل في أفعال الله عز وجل، فيقولون: أن الله عز وجل قد يدخل أتقى الأتقياء يدخله النار، وقد يدخل أفجر الفجار يدخله الجنة. هذا كلام كذب وكلام باطل. وعد الله عز وجل حقًا، ومن أصدق من الله قيل. الله عز وجل وعد أهل الإيمان والذين عملوا الصالحات أنه يدخلهم جنات، كيف يدخل أتقى الأتقياء يدخله النار؟ معنى ذلك خلف لوعده جل وعلا، ولا يخلف الله الميعاد أبدًا. وهذا قول باطل. وأما عكسهم: المعتزلة والخوارج، الذين جعلوا الوعيد لابد من تنفيذه. هناك وعد وهناك وعيد. الوعد هذا لابد أن تفي به، ويطفى أيضًا. ممدحة للرجل أنه يفي بوعده، بخلاف الوعيد. الوعيد: عدم الوفاء به يكون ممدحة وثناء، يكون ممدحة وثناء. معنى: عندما يقول الإنسان: لا أفعلن بك كذا، ثم يسامح ويعفو، فهذا يكون فعل خير، وفعل أيضًا عظيم، أن الإنسان يعفو عن من ظلمه وهو يستطيع أن يخرج معنى هذا الظلم والاعتداء، لكن يعفو ويصفح، ولا يقابل الإساءة بالإساءة. مثل ما جاء في صفات النبي عليه الصلاة والسلام: حتى لو توعد، سأفعل، سأفعل كذا، ثم يعفو. والله عز وجل قال: ﴿وجزاء سيئة سيئة مثلها فمن عفى وأصلح فأجره على الله﴾. لا يحب الله الجهر بالسوء من القول إلا من ظلم، كان يجوز له أن يجهر بالسوء، وأن يعد، معنى يتوعد ظالمه، يقول له: إن لم تأتي بحقي سأفعل بك كذا وكذا، إن لم تعطيني حقي سأفعل بك كذا وكذا، ثم يعفو عنه أو يسامحه أو أنه يتغافل عنه، فهذا له أجر عظيم عند الله. ﴿فمن عفى وأصلح فأجره على الله﴾. فلهذا فهؤلاء الخوارج المعتزلة، لقلة فقههم في الدين، لم يميزوا بين الوعد والوعيد، فقالوا: ما دام أن الله عز وجل يقول: ﴿ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالا مبينا﴾، ويقول أيضًا: ﴿وما هم بخارجين من النار﴾، أو غير ذلك من الوعيد، فيجعلون هذا الوعيد لابد أن ينفذه الله. ويقولون: إذا لم ينفذ فهذا يعتبر كذب. وهذا لقلة عقولهم، وكذلك لعدم معرفتهم بلغة العرب. فهذا ليس وعدًا حتى يفي الله عز وجل به. الوعد لا بد أن يفي به، وأما الوعيد فليس هو مثل الوعد. الوعيد ممكن أنه يتنازل عنه لأنه حق له. فلهذا الله عز وجل توعد أهل المعاصي بالعذاب الأليم، لكن قال: ﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء﴾. فالذي يكفر بالله ويشرك به، فهذا موقعه النار، هذا لا يخرج منها. هذه جاءت به الآيات. أيضًا الله عز وجل قال: ﴿كلا إنها كلمة هو قائلها ومن ورائهم برزخ إلى يوم يبعثون﴾. وهذا معنى وجود هذا الكافر في النار، هذا شيء حققه الله وقرره، قرره الله عز وجل. فهذا خبر مقرر، ليس وعيدًا فقرًا. بل هذا خبر على أن الكافر لا يدخل الجنة أبدًا، بل حرمها الله عز وجل عليه. ﴿حرم الله عز وجل الجنة عليه إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة ومعواه النار وما للظالمين من أنصار﴾. فقولهم: أنه قد يدخل، أدخل، أتقياء النار، ويدخل أفجر الفجار الجنة، هذا باطل. كافر. ولكنهم يوم القيامة مخلدون في النار، فهذا كلام باطل وليس على الأدلة. الله عز وجل يغفر لمن يشاء من أهل التوحيد. فمن جاء بالتوحيد ولم يشرك بالله جل وعلا، فهذا قد يغفر الله عز وجل له، ولم يدخله الجنة، أقصد: ولم يدخله النار. وقد يدخله النار ثم يخرج منها، كما جاءت به الأحاديث عن النبي عليه الصلاة والسلام. وأما قوله جل وعلا: ﴿ما هم بخارجين منها﴾، فأولا على الكفار. وأما أهل الإيمان وأهل التوحيد، فإنهم يخرجون من هذه النار، ولو عذبوا فيها. حتى جاءت المصطفى أنه يخرج آخر أهل النار خروجًا من الجنة، من النار إلى الجنة. ويخرج من النار من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان، شيء يسير جدًا، يخرج من النار. فلهذا كما قلنا: أنه فرق بين الوعد والوعيد. فإخلاف الوعيد ممدحة، وإخلاف الوعد مذمة. الذي يخلف الوعد هذا يذم. حتى مثلًا الأب على ابنه يقول له: إن لم تفعل كذا سأعاقبك بكذا، سأضربك، ثم يعفو عنه. فهذا من باب الرحمة والشفقة، ومن باب الكرم أحيانًا وغير ذلك. فهذا الذي يخالف وعيده، غالبا إنما يكون من الرحمة والشفقة والكرم. وأما الوعد فلابد أن يفي به. ولهذا صار إخلاف الوعد من علامات المنافقين، وليس إخلاف الوعيد. وإنما إخلاف الوعيد من علامات أهل الإيمان، لأنهم يعفون ويصفحون. وأيضًا كذلك يكرمون على غيرهم، معنى يسامح من ظلم ويعفو عنه. قال: ﴿وعد الله حقا ومن أصدق من الله قيل﴾. وهذا كما ذكرنا: أن الله عز وجل قوله صدق كله، خبر الله وخبر رسوله صلى الله عليه وآله وسلم صدق. ﴿تمت كلمة ربك صدقا وعدلا﴾: صدق في الأخبار، وعدل في الأحكام. هذا ما يذكر في هذه الآية. الله تعالى أعلم. شكرا للمشاهدة شكرا للمشاهدة شكرا للمشاهدة