الدرس في كتاب التفسير من صحيح البخاري 275، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يوضح المقطع حديث البخاري عن النفخ في الصور مبيناً أن النفختين هما نفخة الصعق ونفخة البعث، وأن الفترة بينهما تقدر بأربعين دون تحديد وحدتها. ويذكر أن الله ينزل ماءً بعد ذلك فتنبت الأجساد من عجب الذنب الذي لا يبلى.
يصف تسلسل أحداث يوم القيامة بدءاً من نفخة الصعق التي تميت كل من في السماوات والأرض إلا من شاء الله، ثم نفخة البعث وتبدل الأرض إلى أرض بيضاء مستوية والسماوات كالمهل. ويبين أن الحشر الأول يكون إلى بيت المقدس والشام حيث تخرج النار بالناس وتصنف الخارجون إلى ثلاثة أصناف.
يسرد المقطع حشر النار للناس إلى أرض الشام ثم نفخة الصعق التي تميت من بقي من شرار الخلق بعد موت المؤمنين، تليها فترة الأربعين ثم نفخة البعث التي يخرج فيها الناس من قبورهم كنبات البقل من عجب الذنب. ويوضح أن الأجساد تبلى في القبور إلا عظم عجب الذنب الذي منه يركب الخلق يوم القيامة.
يتحدث المقطع عن نفخة الفزع التي يبعث الله بها الخلق من قبورهم مستدلاً بآيات قرآنية أقسم الله فيها على وقوع البعث ورد إنكار الكفار. ويؤكد أن السور المكية تركز على إثبات البعث والحساب يوم القيامة.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد، قال الإمام البخاري رحمه الله تعالى: «باب يوم ينفخ في الصور فتأتون أفواجًا». قال الزمخشري: «على مجموعات». يوم ينفخ في الصور فتأتون أفواجًا، والصور هو القرن الذي ينفخ فيه، والذي دلت عليه الأدلة أنهما نفختان: نفخة الصعق ونفخة البعث. وأيضًا نفخة الفزع هي نفخة الصعق، ومنهم من جعلها ثلاث نفخات، لكن هذا الحديث الصحيح يدل على أنها نفختان. قال: «حدثني محمد». وغالبًا إذا جاء محمد بدون ذكر اسمه، فمعنى هذا من الاسم المهمل. وغالبًا إذا أراد محمد: إما إن كان الشيخ الذي يروي عنه صغيرًا فهو محمد بن يحيى الذهلي، أو أراد إذا كان شيخ الشيخ كبيرًا فهو محمد بن سلام البيكندي. فالظاهر هنا أنه محمد بن سلام البيكندي. قال البخاري: «أخبرنا أبو معاوية، ومحمد بن خازم، قالا: حدثنا الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما بين النفختين أربعون». قال: «أربعون يومًا؟» قال: «أبيتُ». قال: «أربعون شهرًا؟» قال: «أبيتُ». قال: «أربعون سنة؟» قال: «أبيتُ». قال: «ثم ينزل الله من السماء ماءً فينبتون كما ينبت البقل. ليس من الإنسان شيء إلا يبلى، إلا عظما واحدًا، وهو عجب الذنب، ومنه يركب الخلق يوم القيامة». فهذا الحديث قال النبي عليه الصلاة والسلام: «ما بين النفختين أربعون»، ولم يحدد النبي عليه الصلاة والسلام هل هي أيام أو شهور أو سنين. فقال: «ما بين النفختين أربعون»، فقالوا لأبي هريرة: أربعون يومًا؟ قال: «أبيتُ»، أي: ما أخبركم بذلك. والظاهر أن أبا هريرة سمعها هكذا من النبي عليه الصلاة والسلام. وبعضهم قرأها: «أبيتُ»، أي: أني لا أقول ما لم أسمع. و«أبيتُ» و«أبيتُ» أريد: أني أرفض أن أقول لكم فإنه غير... والمهم أن هذا التنكير يدل على عظمة الأمر. وهنا بين النفختين، كما قلنا: النفخة هي نفخة الصعق ونفخة البعث. لأن الله عز وجل يأمر الملك وهو إسرافيل أن ينفخ في الصور، فيصعق من في السماوات ومن في الأرض. «ونفخ في الصور فصعق من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله، ثم نفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون». فنفخة الصعق هي نفخة الموت عندما يموت كل شيء. فإذا نفخ في الصور فصعق من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله، وهنا استثنى الله عز وجل هناك أناسًا أو مخلوقات لا تموت في هذه النفخة، قد يكون منهم أيضًا الملك الذي ينفخ، الملك الذي ينفخ وهو إسرافيل، وكذلك جبرائيل، كما جاء في بعض الآثار. ثم يميتهم الله عز وجل بعد ذلك، ويقول: «أنا الملك، أنا الملك، أين المتكبرون والجبارون؟». وأيضًا جاء في بعض الألفاظ أنه يقول كما قال الله عز وجل: «لمن الملك اليوم؟ لله الواحد القهار». فليس هناك أحد من المخلوقات. وقوله جل وعلا: «لمن الملك اليوم؟» ليس أنه قبل اليوم الملك لغيره، لكن في ذلك اليوم ليس هناك أحد يتكبر، ولا أحد يتجبر، ولا أحد أيضًا كذلك يدعي الملك، بل كلهم يموتون، يموتون، فيبقى العظيم جل جلاله، وتعالى تعظمته سبحانه وتعالى، فيبقى ربنا جل وعلا ذو الجلال والإكرام، ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام. فلذلك يموت كل أحد، لكن في الصعقة استثنى الله عز وجل: «إلا من شاء الله». ثم نُفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون. في تلك الفترة وهي يوم القيامة، إذا قامت القيامة أول شيء يصعق الناس، يموتون كلهم، لا يبقى أحد في هذه الأرض. ثم قال الله عز وجل: «يوم تبدل الأرض غير الأرض والسماوات». أما السماوات فتصير كالمهل، تصير كالمهل، فتطوى، ثم تصير كالمهل تتقطر. وأما الأرض فتكون أرضًا أخرى، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «تكون أرضًا كالخبزة البيضاء، تكفؤها الرحمن بيمينه». وقال صلى الله عليه وسلم: «إنها أرض بيضاء ليس فيها علم لأحد، ليس فيها علم لأحد، ليس فيها علامة، ولا أثر، ولا كذا لأحد، بل أرض بيضاء». والمراد بيضاء: أي ليس فيها علامات. فهذه الأرض يحشر الناس فيها بعد ذلك، إذا قاموا من قبورهم، وهي الأرض معنى الأرض التي تبدل. وأما قبل ذلك فيحشر الناس إلى نفس الأرض، إلى بيت المقدس، إلى أرض الشام، تحشرهم النار. وهذا قبل نفخة الصعق، تحشرهم النار، تبيت معهم وتقيل معهم وتصبح معهم، كما جاء في حديث حذيفة، حتى تحشرهم في ذلك المكان. ويخرج الناس على ثلاثة أقسام: منهم راغبون راهبون، ومنهم من يركب اثنان في بعير، وثلاثة، وأربعة، وعشرة. ومنهم من تخرجهم النار. منهم من يكون راغبًا راهبًا، يخرج رغبة في الشام، ورغبة في ذلك المكان الذي فيه الحق وفيه أهل الهدى. ومنهم من يخرج من بلده راهبًا، أي يفر بدينه من الفتن، يفر بدينه من الفتن، تكثر الفتن في بلاده فيخرج، وعقر أهل الإيمان في ذلك الوقت يكون الشام، فيذهب إلى الشام. وبعضهم يخرج عند عندما تتأزم الأمور ويشتد الحال، فلا يجدون الركوب، وإن الرجل ليشتري الرحل بالقطب. قطب: يعني ببستان كامل، عنده مزرعة كبيرة، يشتري بها جملًا، يشتري بها جملًا لأجل أن يركبه. وهذا يدل على أن هذه السيارات وكذا تتعطل، فيشتري هذا الذي هو يريد أن يخرج من هذه البلد لكثرة الفتن وتأزيم الأمر، فيشتري جملًا أو يبحث عن جمل، حتى أن الرجل كما قال، كما جاء في حديث عبد الله بن مسعود: «ليشتري الجمل بالقطب»، يعني بمزرعة كاملة يشتري جملًا يريد أن يهرب. فلهذا يقل الركوب أو يقل الرحل، لا يجد الناس راحلة يركبون فيها. فلهذا منهم من يكون اثنان، ومنهم من يكون ثلاثة، وأربعة، حتى قال أنه صلى الله عليه وسلم: «عشرة يتعاقبون على بعير واحد، يتعاقبون على بعير واحد». ثم بعد ذلك تأتي إذا حشرتهم النار، وهو القسم الثالث، تحشرهم النار، تقيل معهم، تبيت معهم، وتصبح معهم، حتى تأتي بهم إلى أرض المحشر، هي أرض الشام، كما جاء في حديث مسلم، وجاء أيضًا عن غيره أنه قال النبي عليه الصلاة والسلام: «أرض الشام أرض المحشر والمنشر». فبعد ذلك تأتي هذه النفخة العظيمة، فيصعق الناس، وكأن في ذلك الوقت بعد أن يكون أهل الإيمان، كما جاء في حديث عبد الله بن عمر، تأتيهم ريح تأخذهم، تأتيهم ريح أو تأتيهم كالطير تأخذ أرواحهم، أي أرواح أهل الإيمان. وهذا لا شك بعد نزول عيسى عليه السلام. ثم بعد أن يموت أهل الإيمان، فيبقى في هذه الأرض أعتى الناس وأبعد الناس عن الله، بل لا يعرفون الله عز وجل. لهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا تقوم الساعة حتى لا يقال في الأرض: الله الله». وقال أيضًا في الصحيح: «لا تقوم الساعة إلا على لكع ابن لكع»، أي لئيم ابن لئيم. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا تقوم الساعة إلا على شرار الخلق، شرار الناس». فإذا بقي هؤلاء قامت عليهم القيامة، وجاء: «ونفخ في الصور فصعق من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله». فيبقون بعد ذلك أربعين، ثم تأتي بعد ذلك نفخة البعث: «ثم نفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون». وكيف يخلقهم الله عز وجل؟ قال: «ينزل الله من السماء ماءً فينبتون كما ينبت البقل». مثل البقل الذي ينبت، ينبتون كذلك، أي الناس. «ليس من الإنسان شيء إلا يبلى». هذا يدل على أنه وقت طويل، يبلى الإنسان. وهذا يدل على أنه ما من إنسان إلا وهو يبلى في قبره. لهذا ذهب جماعة من أهل العلم، بل هو قول أكثر السلف، بل ليس هناك ما يدل على أن الإنسان يبقى في القبر إلا الأنبياء، دلت الأدلة على أن الأنبياء يبقون أحياء. وأما غيرهم فلم يأت دليل على أنه يبقى. لكن الله عز وجل إكرامًا لبعض الصالحين يبقي أثرهم أو يبقي شيئًا من جسدهم، مثل ما حصل لكثير من الصحابة رضي الله عنهم. وإلا الأصل أنه كل شيء يبلى في الإنسان، ويبلى أي تأكله الأرض. وأما ما هو متعارف عند كثير من الناس أنه تأكله الدود أو يأكله الدود، وأن في القبر دودًا، فهذا لم يثبت في الأحاديث. وأما حديث: «القبر بيت الدود»، فهو حديث لا يصح. فليس هناك دليل عن النبي عليه الصلاة والسلام أن في القبر دودًا. وإن وجد هذا الدود فهو يوجد لأجل اللحم كذا، وإلا فليس هو الذي يأكل الإنسان، وإنما يأكله التراب، فيبلى الإنسان إلا عظما واحدًا يبقى فيه، وهو عجب الذنب، الذي هو آخر الفقرات، والذي قال له بعضهم: «سمّوه عصعص»، أو بعضهم سمّاه تسميات أخرى. فعجب الذنب هو آخر الفقرة أو آخر الفقرات. فهذا العجب ينبت كما ينبت البقل. ثم قال صلى الله عليه وآله وسلم: «ومنه يركب الخلق يوم القيامة». فبعد ذلك يقومون، بعد أن نفخة... نفخة الفزع أو نفخة البعث، يبعثون من قبورهم، كما ذكر الله عز وجل هذه الحالة في آيات كثيرة، وبين أن الكفار أنكروا ذلك، بل وحلف ربنا جل وعلا وهو الجليل العظيم جل وعلا، فقال سبحانه وتعالى: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَن لَّن يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ﴾، وقال: ﴿قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ وَمَا أَنتُم بِمُعْجِزِينَ﴾. فلذلك فالبعث واقع. وكما قلنا أن هذه السورة، والسور غالبًا المكية، فيها الأدلة على البعث، وأن الإنسان يبعث يوم القيامة ويحاسبه الله جل وعلا. فهذا ما يذكر الله تعالى شكرًا.