كتاب التفسير من صحيح البخاري 277

كتاب التفسير من صحيح البخاري 277

الدرس في كتاب التفسير من صحيح البخاري 277، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

سبب نزول سورة عبس وعتاب النبي ﷺ لحرصه على هداية الكبراء

يتناول المحور سبب نزول سورة عبس في عتاب النبي ﷺ لإعراضه عن ابن أم مكتوم الأعمى لانشغاله بدعوة كبار قريش طمعاً في إسلامهم واتباع الناس لهم. ويبين النهي عن طرد الضعفاء المؤمنين مؤكداً بركتهم ودعاءهم كما ورد في حديث «أبغوني الضعفاء» مع توضيح معنى الصحف المطهرة بأنها اللوح المحفوظ.

تفسير مفردات سورة عبس: الملائكة والوحي وأحوال يوم القيامة

يشرح المحور معاني ألفاظ قرآنية كالمدبرات والصحف المطهرة والسفراء مبيناً أن الملائكة هم السفراء الكرام البررة الذين ينزلون بالوحي. كما يفسر أوصاف الوجوه يوم القيامة بين مسفرة مستبشرة للمؤمنين وقترة مغبرة للكافرين مع توضيح معاني كلمات مثل تلهى وقضى وقترة وغبرة.

فضل قراءة القرآن وحفظه وأجر من يتعاهده بمشقة

يروي المحور حديثاً نبوياً يفيد بأن قارئ القرآن الحافظ له يكون مع السفرة الكرام البررة، بينما من يقرأه ويتعاهده ويجد فيه مشقة يحصل على أجرين. ويختتم بالإشارة إلى استكمال الشرح في الدرس القادم.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، قال البخاري رحمه الله تعالى: سورة عبس، سورة عبس، بسم الله الرحمن الرحيم. قال: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى﴾، أي: كلح وأعرض. والذي اتفق عليه أكثر أهل العلم أن الذي عبس هو رسول الله صلوات الله وسلامه عليه. وقال بعضهم، كالداودي، أن الذي عبس هو الكافر الذي كان يكلمه النبي صلى الله عليه وسلم، وليس كذلك، بل اتفق العلماء أن هذا عتاب من الله عز وجل لنبيه صلى الله عليه وعلى آله وسلم. والنبي عليه الصلاة والسلام كان من حرصه على هداية أولئك الكفار، خاصة أنهم من كبراء الكفار، من كبارهم. يُقال: إنهم عتبة بن ربيعة وشيبة، ويقال غيرهم. وكان النبي عليه الصلاة والسلام حريصًا، كما وصفه القرآن، على هداية هؤلاء، حتى قال الله عز وجل: ﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا﴾، وقال: ﴿لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾، وقال جل وعلا: ﴿فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ﴾، وغيرها من الآيات. فقوله: ﴿بَاخِعٌ﴾، أي: خالع. قلبك لا ينخلع، ولا تتأسف، وأيضًا تحرص كل الحرص على أن تهدي هؤلاء، وأن تدعوهم إلى الخير. وهذا حرص من النبي عليه الصلاة والسلام لهداية هؤلاء، لأنه يعلم أنه إذا دخل مثل هؤلاء الكبار دين الله جل وعلا، فإنه سيتبعهم من بعدهم، سيتبعهم من بعدهم. فلهذا كان يحرص عليهم النبي عليه الصلاة والسلام. لكن أولياء أعرضوا، بل طلبوا كما جاء في بعض الآيات طلبًا يدل على تكبرهم، ويدل أيضًا على ما هم فيه من الغطرسة. فقالوا: إذا أردت أن تجلس، أو نجلس معك، فاطرد فلانًا وفلانًا من الضعفاء، نطرد بلالًا وخبابًا وفلانًا، طردهم، لا نجلس معهم. فأنزل الله عز وجل: ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾. فلهذا الله عز وجل قال لنبيه، ونهاه أن يطرد مثل هؤلاء، وهؤلاء هم أهل الإيمان. فقال الله عز وجل: ﴿وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾، أي: أنه يحجيهم ويسلم عليهم، وأيضًا يفرح بهم. ولهذا كان النبي عليه الصلاة والسلام يقول: «أبغوني الضعفاء»، يقول: «أبغوني الضعفاء، فإنما تنصرون وترزقون بضعفائكم، بصلاتهم وإخلاصهم ودعائهم». انظروا إلى قول النبي عليه الصلاة والسلام هذا، وأن البركة في هؤلاء الضعفاء الذين هم أهل الصلاح، ولو كانوا من الفقراء، ولو كانوا أيضًا كذلك من المرضى أو غيرهم، لكنهم كأهل تقوى وأهل صلاح هم خير من مثلًا الأغنياء أو من غيرهم الأقوياء. فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «أبغوني الضعفاء، فإنما تنصرون وترزقون بضعفائكم، بصلاتهم وإخلاصهم ودعائهم». فلهذا النبي عليه الصلاة والسلام بعد ذلك كان يحرص على الضعفاء، ويحرص على الفقراء، كان يحب المساكين عليه الصلاة والسلام ويعتني بهم، ويحب أهل الصفة، وكذلك أيضًا يحث على إكرامهم. وهذا كله تطبيقًا لما أمره الله عز وجل. لكن في هذه السورة كانت في بداية الدعوة، وكان النبي عليه الصلاة والسلام حريصًا على أن يدخل هؤلاء دين الله. فجاء ابن أم مكتوم، والنبي صلى الله عليه وسلم كان يكلم هؤلاء، قيل: إنهم عتبة بن ربيعة وشيبة، وكانوا من كبار قريش. فكان ابن أم مكتوم يقول: يا رسول الله، أرشدني، يقول: أرشدني، وكرر الكلام. فنظر إليه النبي عليه الصلاة والسلام، ولم يعنفه، وإنما نظر إليه نظر العابس منه، أو الغاضب منه: كيف يكلم أناسًا وهو يقول مثل هذا؟ فبين الله عز وجل له أنه يعنى بالأولى، أنه يلتفت إلى هذا الذي هو يريد الهداية، وأما هؤلاء فهؤلاء معرضون، ما يريدون الهداية. وهذا معنى يريد الله عز وجل أن يبين لنبيه صلى الله عليه وسلم: أن من كان يطلب الخير ويريد الهداية، لك أن تهتم به أكثر من غيره، ولو كان ذاك بعده أناس. لكن من جاءك يسعى وهو يخشى، فهذا يحتاج إلى إيواء، وإلى إرشاد، وإلى غيره. فقال: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى﴾، كلح وأعرض. وقال غيرهم: ﴿مُطَهَّرَةٍ * لَا يَمَسُّهَا إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾، هم الملائكة. وكلح: هذا القول بعبيدة، وأعرض: يُقال إنه قول مجاهد أو غيره. وقال غيرهم: مطهرة. وقال غيرهم: معنى ليس في نفس الآية، وإنما في آية أخرى، أنا جاء نقل أيضًا في تفسير هذه السورة، وقد يكون هناك كلام حدث من النسخ، لأن البخاري كثيرًا ما يحذف فيه أشياء، أو ما يزاد فيه أشياء بحسب السماع، بحسب سماع الأئمة، وغالبًا الذي يزاد، وكذا في التراجم، أنا كلمات أحيانًا تجدها في نسخة وما تجدها في نسخة أخرى. قال: وقال غير: ﴿مُطَهَّرَةٍ * لَا يَمَسُّهَا إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾، وهم الملائكة. أنا يريد أن يفسر قوله جل وعلا: ﴿مُطَهَّرَةٍ﴾، ففي صحف مكرمة، مرفوعة، مطهرة. هذه الكتب المطهرة، يقول: لا يمسها إلا المطهرون، مثل ما ذكر الله عز وجل: ﴿فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ * لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾. وهذه الصحف أيضًا مطهرة، لا تمسها إلا الملائكة. ﴿فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ * مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ﴾. فأي: أن هذه الصحف في مكان مرتفع، وهذه الصحف لا يراها إلا الملائكة، ولا يمسها إلا الملائكة لأنهم مطهرون. لهذا تفسير قول الله عز وجل: ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾، أي: المراد به اللوح المحفوظ، والمطهرون هم الملائكة. لأنه لو أراد القرآن، وأراد بالمتطهرين أو بالمطهرين غير الملائكة، لقال: لا يمسه إلا المتطهرون. والمهم أن أكثر قول المفسرين على أن هذه الآية في الملائكة، وأن الصحف هذه هي اللوح المحفوظ. قال: وهذا مثل قوله: ﴿فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا﴾. فعن جعل الملائكة والصحف مطهرة، لأن الصحف يقع عليها التطهير. معنى ليس هنا في المعنى، وإنما في التركيب: ﴿فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا﴾. معنى: سميت الخيل مدبرات لأنها تدبر، أو لأنها تدبر، يدبرها صاحبها. ﴿فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا﴾، فصارت، فصارت الخيل هي مدبرات. وهنا يريد أن يبين أن الله عز وجل جعل الملائكة والصحف مطهرة، وإنما الصحف: الملائكة هم مطهرون لأنهم يتدبرون هذه الصحف، فصارت الصحف مطهرة. ﴿فِي صُحُفٍ مُطَهَّرَةٍ﴾، فجعل أيضًا التطهير لمن حملها أيضًا، وهم الملائكة، جعل التطهير لمن حملها. قال: وقوله أيضًا: ﴿سَفَرَةٍ﴾، أي: الملائكة. أنه سفر، سُمُّوا سفراء لأنهم سفراء الله عز وجل بينه وبين خلقه، أي: من الرسل. الملائكة هم السفراء. قال: واحدهم سافر، سفر، سفرت وأصلحت بينهم. أنا: سُميت الملائكة سفر، مثل المسافر، أو مثل السافر، الواسطة الذي يكون بين الناس في إصلاحهم، يسافر إلى هذا، أن يذهب إلى هذا، ويذهب إلى هذا، لعجل الإصلاح. قال: وجعلت الملائكة إذا نزلت بوحي الله وتأديته كالسفير الذي يصلح بين القوم، فسماهم سفره رب العالمين سبحانه وتعالى. قال: وقال غير: ﴿كِرَامٍ بَرَرَةٍ﴾، أنا هذا وصف للملائكة أنهم سفر، وكرام، وبررة، طايعين لله جل وعلا. قال: قال: ﴿وَجَعَلَتِ الْمَلَائِكَةُ إِذَا نَزَلَتْ بِوَحْيِ اللَّهِ وَتَأْدِيتِهِ كَالسَّفِيرِ الَّذِي يُصْلِحُ بَيْنَ الْقَوْمِ﴾. وقال غير: ﴿الْتَصْدِّي﴾، تغافل عنه. وهذا قال غيره، كما قلنا، المراد به قال غيره، أي: قال في هذه الآية، وهنا في الملائكة. الله عز وجل قد قال: ﴿جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا﴾، وهم سفر، ورسل، كرام، كرام، بررة. أنا هذا وصف للملائكة أنهم سفر، وكرام، وبررة، طايعين لله جل وعلا. قال: قال: ﴿وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى﴾، أو يذكر فتنفعه الذكرى. ﴿أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى * فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى * وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى * وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى * وَهُوَ يَخْشَى * فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى﴾. قال: وقال مجاهد: ﴿لَمَّا يَقْضِ﴾، لا يقضي أحد ما أمر به. معنى القضاء لله عز وجل: القضاء لله، وهو الأمر، سبحانه وتعالى، له الأمر كله. فلما يقضي، أي: لما يأمر ويقدر سبحانه وتعالى. وقال ابن عباس: ﴿تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ﴾، قالت: تغشاها شدة. أي: وجوههم، وجوه الكفار، تغشاها قترة، قترة: أي شدة من شدة الموقف. وغبرة: مغبرة، لونها مغبر من الغضب، وكذلك تلقاهم شدة لما يرون من عذاب الله جل وعلا، أو لما يتوقعون من عذاب الله. قال: ﴿مُسْفِرَةٌ﴾، أي: مشرقة. وجوه يومئذ مسفرة، ضاحكة، مستبشرة. فمسفرة: أي ناظرة، ومشرقة، وفرحة، ومسرورة بما ستلقاه من الأجر العظيم، والثواب العظيم، والنعيم المقيم. قال: ﴿بِأَيْدِي سَفَرَةٍ﴾. وقال ابن عباس: كتبه، أي: هؤلاء الرسل الذين يكتبون، السفرة، أسفارًا، كتبًا. قال: ﴿تَلَهَّى﴾، تشاغل. وأنت تلهى، وأنت تتشاغل عنه. قال: يُقال: واحد الأسفار سفر. وهذا تقدم في الأسفار. فهذه بعض الكلمات التي ذكرها المؤلف رحمه الله تعالى. قال: حدثنا آدم، وهو ابن أبي إياس، قال: حدثنا شعبة، قال: حدثنا قتادة، قال: سمعت زرارة بن أوفى يحدث عن سعد بن هشام عن عائشة عن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «مثل الذي يقرأ القرآن وهو حافظ له مع سفرة الكرام البررة، ومثل الذي يقرأ القرآن وهو يتعاهده وهو عليه شديد، فله أجران». إن شاء الله نأخذه في الدرس اللاحق، فنكتفي بهذا. الله تعالى أعلم.