الدرس في كتاب التفسير من صحيح البخاري 274، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يتناول المحور أسماء سورة النبأ وموضوعها المحوري في البعث والمصير، مع استعراض أدلة القرآن على إمكانيّة إعادة الخلق كخلق السماوات والأرض، وإحياء الأرض الميتة، والنوم كموتة صغرى، وقصة عزير، وسهولة الإعادة على الله.
يبيّن المحور حال المكذبين بيوم الحساب وعجزهم عن الكلام إلا بإذن الله، ويصف تفصيلاً عذاب النار من حميم وغساق، مقابل نعيم الجنة وما أعدّ لأهلها من أزواج مطهرة وعطاء جزيل غير محسوب.
يؤكد المحور أن جزاء المؤمنين عند الله يفوق أعمالهم وأعمال الخلائق، مستعرضاً فضل الله الواسع، ويختتم الدرس بالاكتفاء بما ذُكر من آيات وأحكام متعلقة بالسورة.
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. ثم بعد: قال الإمام البخاري رحمه الله تعالى: «سورة عمّا يتساءلون». وهذه السورة تسمى بالنبأ، وهي في أكثر المصاحف، وتسمى أيضًا «عمّ»، وسماها بعضهم «المعصرات». وتسمى أيضًا «عمّا يتساءلون» كما ذكر البخاري هنا. وهذه سورة تتكلم عما بدأت به وهو البعث ودلالة عليه، وكذلك بعد ذلك مصير الناس يوم القيامة؛ ذكر مصير أهل النار وما يكون عليهم من العذاب وأنواعه، وذكر أيضًا نعيم أهل الجنة، وأن أهل التقوى في جنات الله جل وعلا. وفي آخرها ذكر تحسر، وأن هذا الوعد حق، وسيتحسر الكافر في ذلك اليوم حتى يتمنى أنه يكون ترابًا: ﴿ يَا لَيْتَنِي كُنْتُ تُرَابًا ﴾. وهذه أيضًا سورة من السور المكية باتفاق العلماء، باتفاق أهل العلم أنها مكية، نزلت في مكة. وغالبًا السور المكية تتكلم في مثل هذه المواضيع: مثل التوحيد، وأيضًا البعث وغيرها. وهذه السورة أكثر الكلام فيها في إثبات البعث. ولهذا فالصحيح أن قوله جل وعلا: ﴿ عَمَّا يَتَسَاءَلُونَ ﴾ أي: عن ماذا يتساءلون؟ عن النبأ العظيم. والنبأ العظيم هو البعث بعد الموت، ويدل على ذلك الآيات التي بعدها. فربنا جل وعلا ذكر الأدلة على ذلك، وتجد كما ذكر العلماء المتأمل لكتاب الله أن الله عز وجل ذكر أربعة أدلة على البعث، لكن أساليبها متنوعة، وأكثرها تجدها في السور المكية. فالدليل الأول الذي يذكره ربنا جل وعلا كما في هذه السورة: خلق السماوات والأرض وخلق ما فيهما. فربنا جل وعلا بعد أن ذكر البعث ذكر خلق السماوات والأرض، وما فيهما من المخلوقات العظيمة، كما قال: ﴿ كَلَّا سَيَعْلَمُونَ ثُمَّ كَلَّا سَيَعْلَمُونَ ﴾ ﴿ أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَادًا وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا وَخَلَقْنَاكُمْ أَزْوَاجًا وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتًا وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا ﴾ إلى آخر الآيات. وكل هذه آيات تدل على خلق السماوات والأرض وما فيهما من آيات عظيمة. ولهذا قال الله عز وجل: ﴿ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ ﴾. ولما أنكر الكفار البعث، وضرب لنا مثلا ونسي خلقه، قال: ﴿ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ ﴾، قال الله عز وجل: ﴿ قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ ﴾. هذا دليل. ومن ثم بعد ذلك قال: ﴿ أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ ﴾. فما دام أنه سيخلق مثلهم فهو قادر على أن يخلق ما هو دون ذلك، فالإنسان يعتبر دون خلق السماوات والأرض، لأن خلق السماوات والأرض أكبر من خلق الناس. ولهذا قال الله عز وجل: ﴿ وَمَا عَيِينَا بِخَلْقِهِمْ ﴾ أي: لم يكن هناك تعب في خلق السماوات والأرض، فكيف سيكون هناك مشقة أو صعوبة في خلق الإنسان وبعثه؟ فهذا بعيد جدًا، بل هو معنى سهل على رب الأرض والسماوات الذي خلق هذه الأمور العظيمة، فهو قادر على أن يخلق مثلهم وما هو دونه من باب أولى. ولهذا لما ذكر الله عز وجل في سورة قاف البعث وإنكار الكفار له، قال: ﴿ أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ ﴾ إلى آخر الآيات. فدل ربنا جل وعلا استدلوا على البعث وعلى وجوده بأدلة، بخلقه للسماوات والأرض وما فيه من آيات عظيمة. وأما الدليل الآخر الذي استدل ربنا جل وعلا به: إحياء الأرض. وهذا أيضًا تجده في آيات كثيرة، وله أساليب في القرآن. استدل الله عز وجل به على إحياء الموتى: ﴿ أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الْأَرْضِ كَمْ أَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ ﴾، وقال: ﴿ وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِي الْمَوْتَى ﴾. فاستدل بهذا الإحياء على إحياء الموتى. وآيات كثيرة يذكر الله عز وجل فيها إحياء الأرض مما يدل على إحياء الموتى، لأن إحياء الأرض أعظم. وكذلك الدليل الثالث: إحياء المخلوقات. أن الله عز وجل يحيي المخلوقات بعد أن ماتت. يذكر الله عز وجل قصصًا وأمثلة في ذلك، من ذلك قول الله عز وجل: ﴿ فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِي اللَّهُ الْمَوْتَى وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ ﴾. فلما أحيى الله عز وجل هذا الإنسان الذي قد قتل، أحياه بشيء من البقر، قال: ﴿ اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا ﴾ أي: ببعض البقرة، فأحياه الله عز وجل. وكذلك في قول نبي الله إبراهيم: ﴿ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ﴾ إلى آخر الآيات. فاستدل الله عز وجل، أو أراد ربنا جل وعلا أن يبين له أنه سبحانه وتعالى يخلق هذه المخلوقات بعد أن ماتت، فهذا دليل على خلق الإنسان كذلك، وأنه يحيي الموتى سبحانه وتعالى. بل هذه النفس ما من نفس إلا وهي تموت، وهو النوم. أن تنام: ﴿ اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ﴾. لهذا كان نبينا عليه الصلاة والسلام كما جاء في الصحيحين يقول إذا قام من نومه: «الحمد لله الذي أحيانا بعدما أماتنا وإليه النشور». وأيضًا يقول النبي عليه الصلاة والسلام كما جاء في صحيح مسلم: إذا اضطجع أحدكم، أو كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا اضطجع كان يقول: «اللهم وضعت جنبي لك وبك أرفعه، فإن أمسكت نفسي فارحمها، وإن أرسلتها فاحفظها بما تحفظ به عبادك الصالحين». فالنوم يعتبر أيضًا موتًا، فاستدل الله عز وجل به بإحياء الموت والبعث، وهو من إحياء المخلوقات. كذلك الله عز وجل يقول: ﴿ أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ ﴾ إلى آخر الآية. وهذه القصة التي ذكرها الله عز وجل، قيل أن هذا الرجل هو عزير، وقيل غيره. فذكر الله عز وجل إحياءه بعد أن أماته، فهذا أيضًا دليل، وهو إحياء المخلوقات. وكذلك أيضًا من الأدلة التي يذكرها ربنا جل وعلا، وهو الدليل الرابع: ما يبينه ربنا سبحانه وتعالى في خلقه لهذا الإنسان لأول مرة، في خلقه لهذا الإنسان أول مرة. كما قال الله عز وجل: ﴿ وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٍ ﴾. فهو الله عز وجل خلقها أول مرة، قادر على أن يعيدها. خلقها من العدم فهو قادر على أن يعيدها بعد أن كانت شيئًا. لهذا ذكر النبي عليه الصلاة والسلام أن الله عز وجل كما سيذكر المؤلف رحمه الله حديث أبي هريرة في عجوة الذنب، أن الله عز وجل يفنى هذا الإنسان ويبقى منه عجب الذنب، عجب الذنب يبقى منه فينبت كما تنبت الحبة في حميل السيل. فلذلك أيضًا الله عز وجل يقول: ﴿ أَفَعَيِينَا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ ﴾. أي: أن خلق الإنسان الأول لم يصعب على الله عز وجل، ولم يشق عليه، ولم يجد فيه تعبًا، فسيكون التعب أو المشقة أو الصعوبة في خلقه بعد أن كان معدومًا؟ ﴿ أَفَعَيِينَا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ ﴾، أي: شك في هذا الخلق الجديد الذي يكون بعد أن كان مخلوقًا ثم يبعثه الله عز وجل، شك في ذلك. مع أن الله عز وجل خلقهم وهم من العدم، وهم من العدم. فهذه الأربع أدلة تجدها في كتاب الله عز وجل في أدلة البعث وتوحيده سبحانه وتعالى. وأيضًا هذه الأربع أدلة تعددت أساليبها في القرآن، لكن ترجع إلى هذه الأربعة أشياء. قال مجاهد في قوله: ﴿ إِنَّهُمْ كَانُوا لَا يَرْجُونَ حِسَابًا ﴾: لا يخافونه، أي: لا يخافون ذلك الحساب، يعني أنه ما كان عندهم خوف في الدنيا، ما كان عندهم خوف في هذه الحياة. وقيل أيضًا فسرت: لا يرجون حسابًا، أي: لا يرجون ثوابًا يوم القيامة، بل هم يعملون للشيطان ويخالفون الرحمن. لكن هذا القول هو قول أكثر المفسرين: وهو لا يرجون حسابًا أي لا يخافونه. إنهم كانوا لا يرجون حسابًا أي لا يخافون من ذلك اليوم الذي فيه الحساب. ولهذا عدم خوفهم هو الذي جرأهم على مخالفة الله جل وعلا ومخالفة دينه. وقوله: ﴿ لَا يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطَابًا ﴾ أي: لا يكلمونه إلا أن يأذن لهم. وهذا كما تقدم معنا أنه أنواع: أن أحيانًا ربنا جل وعلا لا يكلمون، ولا يكلمونه، ولا تسمع إلا همسًا، وأحيانًا ينطقون، وقالوا: ﴿ رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْمًا ضَالِّينَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ ﴾، قال: ﴿ اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ ﴾. فلما يئسوا من الله عز وجل قالوا: ﴿ يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ ﴾. هكذا قال بعض العلماء، وإن كان ليس في الآيات ما يدل على هذا، لكن سياق الآيات يدل، أو الاستنباط من الآيات يدل على هذا. أولا: أنهم كلموا الله، فالله عز وجل أسكتهم وقال: ﴿ لَا تُكَلِّمُونِ ﴾. فأرادوا أن يتوسط لهم أحد، قالوا: ﴿ يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ ﴾، يعني: أمتنا في هذه النار، تعبنا وأشقتنا هذه النار. قالوا: ﴿ يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ ﴾. ﴿ لَقَدْ جِئْنَاكُمْ بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ ﴾. وكذلك يتوسلون بأصحابهم من أهل الجنة: ﴿ أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ ﴾، وأيضًا ﴿ وَنَادَى أَصْحَابُ النَّارِ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ ﴾ وغيرها من هذه الأشياء التي ذكرها ربنا جل وعلا. فهم يتكلمون أحيانًا، ويكلمون الله عز وجل أحيانًا. وقول: ﴿ لَا يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطَابًا ﴾ أي: لا يكلمهم الله عز وجل إلا في بعض المواضع، وإلا فربنا جل وعلا لا يكلمهم يوم القيامة ولا ينظر إليهم. وقيل: أن المراد لا يكلمهم كلام شفقة ورحمة، ولا ينظر إليهم نظر رحمة وشفقة، لأنهم كفروا بالله وعاندوه سبحانه وتعالى. فهذا مصيرهم، وقد غضب الله عز وجل عليهم، كما قالت الأنبياء: «إن الله غضب اليوم غضبا لم يغضب مثله أبدا ولن يغضب مثله». فأغضب الله جل وعلا وهو الكريم سبحانه وتعالى وهو الغفور الرحيم، وقد سبقت رحمته غضبه، لكن أغضبوه بأعمالهم وأفعالهم. نسأل الله عز وجل أن يرضى عنا. قال رحمه الله: ﴿ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَانُ وَقَالَ صَوَابًا ﴾. قال: صوابًا أي: حقًا في الدنيا وعمل به. هذا الصواب فالمراد به الحق في الدنيا والعمل بهذا. ﴿ إِنَّهُمْ كَانُوا لَا يَرْجُونَ حِسَابًا ﴾. أو قال جل وعلا عنا في آخر الآيات: ﴿ إِلَّا مَنْ قَالَ صَوَابًا ﴾. إلا من قال صوابًا أي: حقًا في الدنيا، معنى: صار من أهل الحق وعمل صالحًا ومن أهل الإيمان. والمراد بالحق هنا هو الإسلام، وهو الشهادتان، وكذلك ذكر الله جل وعلا وغيره مما هو حق في دين الله جل وعلا. فقال: ﴿ إِلَّا مَنْ قَالَ صَوَابًا ﴾. ﴿ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَانُ وَقَالَ صَوَابًا ﴾. هنا في الفتح الظاهر هو ما يريد آية، إلا من قال صوابًا، معنى: هو الظاهر، كأنه ما يريد الآية، يريد التفسير. يريد التفسير: ﴿ إِلَّا مَنْ قَالَ صَوَابًا ﴾. معنى استثناء: إلا من قال هذا الصواب، من أذن الله عز وجل له. ﴿ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَانُ وَقَالَ صَوَابًا ﴾: أنا بعد إذن الله عز وجل. وقال ابن عباس: ﴿ وَهَاجًا مُضِيئًا ﴾. هنا في بعض النسخ: ﴿ وَهَاجًا ﴾. قال: وقال ابن عباس: ﴿ ثِجَاجًا ﴾ أي: منسكبًا. قال: ﴿ وَهَاجًا مُضِيئًا ﴾. وصله ابن حاتم من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس. أنا فيه وصف للشمس وأنها وهاجة، وهي آية من آيات الله عز وجل. ﴿ دِهَاقًا ﴾: أي ممتلئًا. أو ﴿ دِهَاقًا ﴾ عن ممتلئًا. وهنا ظهر ما ذكرها في الشرح. ﴿ غَيْرَ غَسَّاقٍ ﴾: أي غسقت عينه. الغساق هو الشراب البارد جدًا الذي لا يستطاع أن يشرب. ﴿ إِلَّا حَمِيمًا وَغَسَّاقًا ﴾: الحميم الماء الحار أو الشراب الحار، والغساق هو الشراب البارد جدًا. وهنا الله عز وجل يعطي هؤلاء أهل النار أولًا شرابًا حارًا، ثم إذا استغاثوا يعطيهم شرابًا باردًا يكسر أضراسهم، وكذلك أيضًا يحدث فيهم مشقة عظيمة؛ لأن الحار والبارد بعد الحار يكون فيه عذاب، معنى مشقة على الإنسان. فلذلك قال: ﴿ لَا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا وَلَا شَرَابًا إِلَّا حَمِيمًا وَغَسَّاقًا ﴾. ﴿ إِلَّا حَمِيمًا وَغَسَّاقًا ﴾. وهذا الاستثناء يعتبر استثناء منقطعًا كما يقول العلماء؛ لأن الحميم والغساق ليس من الطعام والشراب. وهنا ربنا جل وعلا ذكر في أهل النار: ﴿ لَا يذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا وَلَا شَرَابًا إِلَّا حَمِيمًا وَغَسَّاقًا ﴾. معنى البرد هنا: لا يجدون فيها بردًا أي هواء باردًا. لكن قال بعد ذلك: ﴿ بَرْدًا وَلَا شَرَابًا إِلَّا حَمِيمًا وَغَسَّاقًا ﴾. الحميم والغساق ليس من البرد، لكن من الشراب. استثناء، استثناء الشراب. والبرد يعتبر استثناء منقطعًا، معنى أنهم لا يجدون البرودة والراحة في النار أبدًا، وأيضًا شرابهم الحميم والغساق. وقال بعض العلماء: أن الله عز وجل هنا قال: ﴿ إِلَّا حَمِيمًا وَغَسَّاقًا ﴾، مع أنه ذكر في مواضع أن طعامهم الضريع، الذي هو الشبرق العكل الذي فيه الشوك، وكذلك أيضًا الغسلين. ذكر الله عز وجل أنه من طعام أهل النار الغسلين، والغسلين هو عصارة أهل النار، أو عصارة الخبائث، عصارة الخبائث، معنى ما يعصر من الأشياء التي تكون فيها من العرق، وأيضًا المياه التي تخرج من فروج المماسات والزانيات وغيرها، فهذه العصارة تسمى غسلين. فهم يأكلون غسلين أحيانًا، وأحيانًا يشربون من الحميم والغساق، وأحيانًا يكون عندهم الضريع وهو العكل الذي له الشوك يعلق في حلوقهم. أيضًا قال الله عز وجل: ﴿ وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ ﴾، ما حار جدًا، وهو الحميم الذي قصده الله عز وجل هنا. ثم قال رحمه الله: ﴿ وَيَغْسِقُ الْجُرْحُ ﴾ يسيل، كأن الغساق والغسق واحد. قال عطاء: ﴿ حِسَابًا ﴾ جزاء كافية. وجاء في بعض النسخ أنه فسر قول الله عز وجل: ﴿ كَوَاعِبَ أَتْرَابًا ﴾: أي نواهد. نواهد الحور. معنى: أعطى لأهل الجنة حورًا لهن كواعب. والكواعب هي النواهد، غير التي لم تتدل بعد، عن أنها أبكار. ﴿ عَطَاءً حِسَابًا ﴾ قال: جزاء كافية. أعطاني ما أحسبني، أي: كفاني جزاء. ﴿ حِسَابًا ﴾ جزاء كافية. أنا يحاسبهم الله عز وجل ويعطيهم الحساب الذي يجزيهم به. ﴿ عَطَاءً حِسَابًا ﴾: ما يكفيهم على أعمالهم التي يعملوها. وقيل: أن ﴿ عَطَاءً حِسَابًا ﴾: كثير. أعطاهم حسابًا، أو أعطاهم جزاءً كثيرًا عظيمًا، قد لا يفي بما هم عملوه، لكن أكثر من ذلك، أكثر من ذلك. فهذه بعض الآيات أو بعض الكلمات التي ذكرها المؤلف رحمه الله. فنكتفي بهذا والله تعالى أعلم.