الدرس في التعليقات على كتاب الأدب المفرد 353، ألقاها
يتناول حكم الاستئذان عند الدخول إلى الأماكن العامة مثل الدكاكين والمحلات، ويبين أن الأمر فيه سعة حسب العرف والمكان. يستشهد بأقوال الصحابة والتابعين مثل ابن عمر وأنس بن مالك.
يشرح جواز الاستئذان على الأعاجم بلغتهم إذا لم يفهموا العربية، مع تفضيل استخدام العربية إذا كانوا يفهمونها. يبين ضعف حديث أبي هريرة مع المرأة الفارسية، وصحة حديث كراهة الحديث بعد العشاء.
يجوز الرد على الكافر إذا سلم في رسالة أو كتاب، ولا يجوز ابتداء الكافر بالسلام. يشرح أنواع الكفار وأحكامهم المختلفة، ويتناول أحكام السلام على أهل الذمة ورد السلام عليهم.
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين نبينا محمد على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الإمام البخاري رحمه الله في كتابه الأدب المفرد، باب ما لا يستأذن فيه، قال: حدثنا موسى بن إسماعيل، قال: حدثنا عيْن الخوارزمي، قال: أتينا أنس بن مالك وهو قاعد في دهليزه، والدهليز كما في الصحاح ما بين الباب والدر، وليس معه أحد، فسلم عليه صاحبي، وقال: قال أنس: أدخل، هذا مكان لا يستأذن فيه أحد. فقرب إلينا طعاما فأكلنا، فجاء بوعاء نبيذ حلو فشرب وسقانا. العُس القدح الضخم. وهذا الأثر ضعيف؛ لأن عيْن الخوارزمي، قال أبو حاتم: مجهول، كما في التهذيب. قول أنس: أدخل، هذا مكان لا يستأذن فيه أحد، فهذا يرجع إلى العرف. فالأماكن التي هي مخصوصة، مثلاً، لدخول الرجال ولا يدخلها النساء، فلا بأس إذا جاء الإنسان فدخل من غير استئذان؛ لأنها معروفة أنها ماذا؟ أماكن لا تدخلها النساء أو أماكن معدة للرجال مثلاً. فلا بأس إذا جاء الإنسان فيدخل ولا يحتاج أن يستأذن. وسيأتي أيضا ذكر بعض المواضع التي لا يستأذن فيها الإنسان، كالدكاكين والمحلات ونحوها التي يباع فيها ويشترى. قال: باب الاستئذان في حوانيت السوق، والحوانيت هي الدكاكين، دكاكين السوق. قال: حدثنا أبو نعيم، قال: حدثنا سفيان، عن ابن عون، عن مجاهد، قال: كان ابن عمر لا يستأذن على بيوت السوق. وهذا الأثر صحيح. لا يستأذن على بيوت السوق، يعني الدكاكين التي في السوق، إذا جاء إنسان يريد أن يشتري شيئا من الدكان، ما يقف على باب الدكان ويقول: أدخل، لا، يدخل مباشرة. وهذا شيء متعارف عليه أن الإنسان إذا جاء وأراد الدخول فإنه يدخل مباشرة. بل تجد في بعض المحلات الكبيرة ماذا؟ مكتوب عليها في الباب: دخول. ورقة مكتوب عليها: أدخل أو دخول. وهذا لا شك أنه استئذان أو إذن بالدخول لعامة الناس. والمحلات الصغيرة العرف أن الإنسان إذا جاء يدخل مباشرة ولا يحتاج أن يستأذن. ولهذا كان ابن عمر لا يستأذن في مثل هذه الدكاكين، فيأتي مباشرة ويدخل على صاحب الدكان. قال: حدثنا أبو حفص بن علي، قال: حدثنا الضحاك بن مخلد، عن ابن جريج، عن عطاء، قال: كان ابن عمر يستأذن في ظلة البزاز. وهذا الأثر أيضا صحيح. والبزاز الذي يبيع البز، وهو الثياب. الذي يبيع الثياب، فهنا في هذا الأثر أن ابن عمر استأذن في ظلة البزاز. وفي الأثر الذي قبله: كان لا يستأذن على بيوت السوق. ومعنى هذا أن الأمر فيه سعة، فتارة يستأذن وتارة يدخل من غير استئذان. والأصل في مثل هذه المواضع وهذه المحلات أن الإنسان لا يحتاج أن يستأذن؛ لأنها فتحت للقادمين وللمشترين، ففيها إذن بالدخول. فلذلك إن ترك الاستئذان فلا شيء عليه. والاستئذان أو احتاج أن يستأذن في بعض المواضع فلا بأس. والأمر في ذلك فيه سعة. قال: باب كيف يستأذن على الفرس، قال: حدثنا عبد الرحمن بن المبارك، قال: حدثنا عبد الوارث، قال: حدثنا علي بن العلاء الخزاعي، عن أبي عبد الملك مولى أم مسكين بنت عاصم بن عمر بن الخطاب، قال: أرسلتني مولاتي إلى أبي هريرة فجاء معي، فلما قام بالباب فقال: أندرايم -ومعنى أندرايم يعني أدخل- قالت: أندرون -معنى أدخل- قال: فقالت: يا أبا هريرة، إنه يأتيني الزور بعد العتمة فأتحدث. قال: تحدثي ما لم توتري، فإذا أوترت فلا حديث بعد الوتر. وهذا الأثر ضعيف؛ أبو عبد الملك مجهول، هكذا قال شيخ الألباني رحمه الله. وهذا الأثر بوابه الإمام البخاري رحمه الله: باب كيف يستأذن على الفرس، أي من كان فارسيا وينتسب إليهم أو منهم. وغالب الفرس طبعا من المجوس. فذكر هذا الأثر الذي فيه دخول أبي هريرة رضي الله تعالى عنه على هذه المرأة، فاستأذن بكلمة فارسية وهي أندرايم بمعنى أدخل، فردت عليه أندرون، أي كلمة فارسية كذلك فيها الإذن بالدخول. وهذا الأثر كما سمعنا ضعيف، لا يصح. واستئذان المرء على من كان أعجميا، على من كان أعجميا بلغته ولهجته إذا كان لا يفهم العربية، فلا بأس. إذا كان أعجمي لا يفهم العربية وأردت أن تستأذن بالدخول عليه فتستأذن بلهجته، لا بأس بذلك. وأما إن كان يفهم العربية فالأولى أنك تستأذن عليه باللغة العربية. قولها في هذا الأثر: إنه يأتيني الزور بعد العتمة فأتحدث، قال: تحدثي ما لم توتري، فإذا أوترت فلا حديث بعد الوتر، هذا فيه المنع من الكلام بعد الوتر. لكن هذا الأثر ضعيف. والذي في الصحيحين من حديث جابر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يكره ماذا؟ النوم قبل العشاء والحديث بعدها، أي بعد صلاة العشاء. كان يكره عليه الصلاة والسلام الحديث بعد صلاة العشاء. وهذا أصح، فهو ثابت على النبي عليه الصلاة والسلام أن المنع أو الكراهة من الحديث هي بعد صلاة العشاء، ليس بعد صلاة الوتر. والمراد بكراهة الحديث بعد العشاء يعني الكلام الذي لا فائدة فيه أو القيل والقال والتحدث بأمور الدنيا أو نحو ذلك، هذا كان يكرهه النبي عليه الصلاة والسلام بعد صلاة العشاء. أما كلام الرجل مع أهله أو كلامه مع ضيوفه أو كذلك إذا كان الكلام في أمر ديني، في أمور علمية كتدريس لبعض كتب العلم أو نحو ذلك فهذا جائز. قال: باب إذا كتب الذمي فسلّم يُرد عليه، قال: حدثنا يحيى بن بشر، قال: حدثنا الحكم ابن المبارك، قال: حدثنا عباد -يعني ابن عباد- عن عاصم الأحول، عن أبي عثمان النهدي، قال: كتب أبو موسى إلى رهبان يسلم عليه في كتابه. والرهبان جمع راهب، والعابد من النصارى يقال له راهب، ويطلق الرهبان ويراد به الواحد. قال: يسلم عليه في كتابه، فقيل له: أتسلم عليه وهو كافر؟ قال: إنه كتب إلي فسلم علي، فرددت عليه. وهذا الأثر صحيح. صحح الشيخ الألباني رحمه الله هذا الباب. بوب عليه الإمام البخاري رحمه الله: باب إذا كتب الذمي فسلّم يُرد عليه، يعني يرد عليه السلام. والذمي هو الكافر الذي هو باق على دينه ويكون تحت حكم الإسلام ويدفع الجزية في كل سنة. والكفار على أربعة أقسام: كافر حربي، كافر ذمي، وهذا الذي يدفع الجزية في كل سنة ويبقى على دينه تحت حكم الإسلام، وله في ذلك شروط وضوابط مذكورة في كتب الفقه. وكافر مستأمن، وهو الكافر الحربي الذي يدخل إلى بلاد الإسلام بأمان، يدخل بأمان يطلب مثلاً لعمل من الأعمال فيؤمن إذا دخل فلا يجوز الاعتداء عليه. وكافر معاهد، وهو الذي يكون بين دولته وبين دولة الإسلام عهد. فهذا أيضا لا يجوز قتله. فعندنا الآن كافر ذمي وكافر معاهد وكافر مستأمن وكافر حربي الذي ليس لدمه حرمة. الحربي ليس لدمه حرمة. وأما الكافر الذمي والكافر المعاهد والمستأمن فهؤلاء لا يجوز قتلهم. قال النبي عليه الصلاة والسلام: «من قتل معاهدا لم يرح رائحة الجنة». والحديث في صحيح البخاري من حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما. والله عز وجل يقول: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَهِ ثُمَ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ﴾. هذا الأثر أن أبا موسى كتب إلى راهب فسلم عليه في كتابه، يعني في رسالته التي كتبها، فقيل له: تسلم عليه وهو كافر؟ ومرادهم بذلك أن النبي عليه الصلاة والسلام نهى عن ابتداء الكافر بالسلام. فقالوا: كيف تسلم عليه؟ فرد عليهم بقوله: إنه كتب إلي فسلم علي، ابتدأني بالسلام في رسالته، فرددت عليه السلام حين كتب له الكتاب. وأشار به الإمام البخاري رحمه الله إلى جواز الرد على الذمي إذا سلم في كتابه، إذا كتب رسالة فسلم، فلا بأس أن يرد عليه صاحب الكتاب والرسالة بالسلام. وسيأتي أيضا ذكر الحديث المتعلقة برد السلام على أهل الذمة والتعامل معهم في هذا الباب بما يتعلق بالسلام. صلى الله عليه وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.