التعليقات على كتاب الأدب المفرد 322

الدرس في التعليقات على كتاب الأدب المفرد 322، ألقاها

أحكام التسمية والتكنية باسم النبي

يشرح المقطع الأول حديثا عن الأنصار الذين ولد لهم مولود وسموه محمدا وسؤالهم للنبي عن التكني بكنيته، ويبين جواز التسمية باسم النبي صلى الله عليه وسلم والنهي عن التكني بكنيته.

تحقير الدنيا وبيان قيمتها الحقيرة

يشرح النبي صلى الله عليه وسلم حقارة الدنيا وضرب فيها مثلا بجذي أسك ميت، ويحذر أصحابه من الاغترار بها والتعلق فيها، ويبين الله عز وجل في القرآن حقارة الدنيا وضعتها.

خطورة الاغترار بالدنيا وضرورة العمل للآخرة

ينصح النبي عليه الصلاة والسلام بعدم الاغترار بالدنيا والعمل للآخرة، ويشبه الله الدنيا بماء أنزل من السماء فاختلط بنبات الأرض ثم أصبح هشيمًا تذروه الرياح.

مضي مئة سنة على عصر النبي صلى الله عليه وسلم

أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن مئة سنة من قوله هذا الحديث لن يبقى أحد ممن كان موجودا في ذلك اليوم، مما يعني أن كل من كان حاضرا في ذلك اليوم سيكون قد مات بعد مئة سنة.

  • 28 جمادى الآخرة 1435هـ - 28/04/2014مـ
التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال إمام البخاري رحمه الله في كتابه "الأدب المفرد": بعد ذكري لحديث جابر رضي الله عنه في إخباره بصلاة النبي عليه الصلاة والسلام وهو جالس، وأمره من صلى خلفه قيام أن يقعد، قال: "وولد لفلان من الأنصار غلام فسماه محمدا، فقالت الأنصار: لا نكنيك برسول الله، حتى قعدنا في الطريق نسأله عن الساعة، فقال: جئتموني تسألوني عن الساعة؟ قلنا: نعم، قال: ما من نفس منفوسة يأتي عليها مئة سنة". قلنا: وأولد لفلان من الأنصار غلام فسماه محمدا، فقالت الأنصار: لا نكنيك برسول الله. قال: أحسنت الأنصار، سموا باسمي ولا تكتنوا بكنيتي. الحديث صحيح، وأصله في الصحيحين، والقطعة الأولى منه في سؤال النبي عليه الصلاة والسلام عن الساعة في صحيح الإمام مسلم. وقول الأنصار: "لا نكنيك برسول الله" يعني بكنية رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهي أبو القاسم. فهذا الحديث أن رجلاً من الأنصار ولد له غلام فسماه محمدا، سماه باسم النبي عليه الصلاة والسلام. فقالت الأنصار: لا نكنيك برسول الله، يعني بكنية رسول الله صلى الله عليه وسلم. ثم جلسوا للنبي عليه الصلاة والسلام، فلما مر سألوه عن الساعة، يعني عن وقوعها. فقال: جئتموني تسألوني عن الساعة؟ قلنا: نعم، قال: ما من نفس منفوسة يأتي عليها مئة سنة. هكذا لفظ الحديث هنا. وجاء في رواية في صحيح الإمام مسلم: "ما من نفس منفوسة اليوم تأتي عليها مئة سنة وهي حية يومئذ". يعني هذا إخبار من النبي عليه الصلاة والسلام بانقضاء هذا القرن، فإنه بعد مرور مئة سنة من كلام النبي عليه الصلاة والسلام لا يبقى ممن هو على وجه الأرض في ذلك اليوم بعد مئة سنة حي، أي الكل سيموت ممن كان موجودا في ذلك الوقت بعد مئة سنة. وهذا كما تبينه تلك الروايات الأخرى ما في صحيح الإمام مسلم، ومثله أيضا ما في الصحيحين عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "أرأيتم ليلتكم هذه، فإنه على رأس مئة سنة منها لا يبقى ممن هو على ظهر الأرض أحد". يعني منذ قول النبي عليه الصلاة والسلام لهذا القول، فإنه لا يبقى أحد بعد مئة سنة منهم موجود على ظهر الأرض، يعني ينتهي كل من كان موجودا في ذلك الزمن من قول النبي عليه الصلاة والسلام حتى انتهاء هذه المئة السنة، فكلهم ينقرض ويفناء. ثم سألوا النبي عليه الصلاة والسلام أنه ولد لفلان من الأنصار غلام فسماه محمد. وهذا فيه جواز تسمية الولد باسم النبي عليه الصلاة والسلام. وإسم محمد من الأسماء الحسنة لأن فيه معنى الحمد، وكذلك الذي يحمد على حسن أفعاله وحسن خصاله، فهو من الأسماء الحسنة التي يستحب التسمية بها. وقوله عليه الصلاة والسلام: "أحسنت الأنصار، سموا باسمي ولا تكتنوا بكنيتي". هذا فيه إجزازة النبي عليه الصلاة والسلام لتسمية باسمه، وأنه يجوز ويستحب التسمية باسم النبي صلى الله عليه وسلم. وفيه النهي عن التكني بكنيته "ولا تكتنوا بكنيتي". وهل هذا النهي عاما أو خاصا أو قد نسخ؟ في هذا خلاف بين أهل العلم. والأقرب والأرجح أن هذا النهي باقي، فلا يجوز التكنية بكنية النبي عليه الصلاة والسلام. وأعظم من ذلك أو أشد الجمع بين الإسم والكنية، الجمع بين إسم النبي صلى الله عليه وسلم وكنيته أبو القاسم. وهذا ما رجحه الإمام ابن القيم رحمه الله جمعا بين الأحاديث. فإن من الأحاديث ما دل على جواز التكني بكنيته، لكن هي خاصة، هي أدلة خاصة أجاز النبي صلى الله عليه وسلم لبعض الصحابة على وجه الخصوص. وأما النهي فهو عام. قال الإمام البخاري رحمه الله: باب حدثنا عبد العزيز بن عبد الله، قال: حدثني الدراوردي عن جعفر عن أبيه عن جابر بن عبد الله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر في السوق داخلا من بعض العالية والناس كنفيه، يعني على جانبيه يمين وشمال. فمر بجذي أسك وصغير المعز، أسك أي لا أذن له. فتناوله فأخذ بأذنه، أخذ بأذنه إما أن يراد موضع الأذن أو أن يكون صغير الأذن. قال: أيكم يحب أن هذا له بدرهم؟ قالوا: ما نحب أنه لنا بشيء وما نصنع به. قال: ألا تحبون أنه لكم؟ قالوا: لا. قال: ذلك لهم ثلاثا، يعني يكرر عليهم عليه الصلاة والسلام هذا القول. ألا تحبون أنه لكم؟ قالوا: لا، والله لو كان حيا لكان عيبا فيه أنه أسك، والأسك الذي ليس له أذنان، فكيف وهو ميت؟ قال: فوالله لدنيا أهون على الله من هذا عليكم. والحديث صحيح، هو في صحيح الإمام مسلم. وهذا الحديث فيه تزيد النبي عليه الصلاة والسلام الدنيا في أعين أصحابه، فضرب لهم عليه الصلاة والسلام هذا المثل بمثل هذا الجذي الميت الأسك. أقذفه النبي عليه الصلاة والسلام فقال لهم: من يأخذ هذا بدرهم؟ يعني يشتريه بثمن زهيد وثمن قليل. قالوا: يا رسول الله، ما نحب أنه لنا بشيء، يعني ما نحب أن نأخذه بثمن ولا نحب أنه أن يكون لنا ولو كان بغير ثمن. لماذا؟ قالوا: لأنه أسك، أي لا أذنان له، وهذا معيب، لا أحد يرغب فيه. فقال النبي عليه الصلاة والسلام لما رأى هوان هذا الجذي عليهم وعدم رغبتهم فيه: قال للدنيا "فوالله للدنيا أهوان على الله من هذا عليكم"، يعني كما هان عليكم هذا الجذي في أعينكم ولم يرغب فيه أحد منكم، فكذلك هذه الدنيا التي يرغب فيها الناس ويتعلقون بها، فهي لا قيمة لها عند الله. كما أنكم زهدتم في هذا الجذي وصار عندكم بلا قيمة ولا منزلة، كذلك حال الدنيا عند الله سبحانه وتعالى. وأراد عليه الصلاة والسلام بذلك أن يبين لهم ويقرب لهم حقارة هذه الدنيا وأنها وضيعة لا قيمة لها عند الله سبحانه وتعالى. فكذلك ينبغي للمسلم أن تكون هذه الدنيا عنده حقيرة، ولا تكون عنده لها منزلة ومكانة فيغتر بها ويركن إليها، وكذلك أيضا يرغب فيها، فتكون سببا في تضيعه للآخرة التي لأجلها خلقنا الله سبحانه وتعالى، ولأجلها أوجدنا الله، وكذلك أيضا لأجلها أمرنا الله سبحانه وتعالى بما أمر من أوامر وواجبات، ونهانا سبحانه وتعالى عما نهى. لأجل أن يمتحن العباد فينظر من يطيعه ممن يعصيه، ومن يعمل لآخرته ممن يركن إلى هذه الدنيا الفانية فيغتر بها ويضيع ما أوجب الله سبحانه وتعالى عليه، أو يرتكب ما حرم الله سبحانه وتعالى عليه. ولذلك ذكر الله عز وجل آيات كثيرة في القرآن يبين فيها حقارة هذه الدنيا وضعتها، وأنها متاع الحياة الفاني الذي يفنى ويذهب ويزول ولا يبقى ولا يستمر. قال الله عز وجل: ﴿إنما مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الأرض فأصبح هشيما تذروه الرياح وكان الله على كل شيء مقتدرا﴾. هكذا يقرب الله سبحانه وتعالى عن حقارة هذه الدنيا: مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الأرض فأصبح هشيما تذروه الرياح. أنزل الله عز وجل ماء من السماء فاختلط بالأرض فأنبتت الأرض النبات والزروع، وكذلك صار لها نظرة ولها منظر حسن، فجاءت الرياح فأزالتها وأبادتها فانتهت. وأكذ الدنيا يغتر الإنسان بزينتها ويغتر بخضرتها ويغتر بجمالها، فما هي إلا أيام أو شهور أو سنين يأتي للإنسان الموت وينقض أجله ويرحل عن هذه الدنيا ويتركها بما فيها. ولذلك يقول النبي عليه الصلاة والسلام في حديث أبي سعيد الخدري في صحيح مسلم: "إن الدنيا حلوة خضرة، وإن الله مستخلفكم فيها فناظر كيف تعملون، فاتقوا الدنيا واتقوا النساء". ويقول النبي صلى الله عليه وسلم لابن عمر وقد أخذ بمنكبه: "كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل". يعني لا تغتر بهذه الدنيا ولا تركن إليها، ليكن حالك فيها كحال الغريب. الغريب إذا نزل في مكان فهو يعلم أنه غير مقيم فيه وأنه سيرحل منه اليوم أو غدا أو بعد غد، فلذلك لا يغتر بهذا الموضع الذي نزل فيه. فكذلك ينبغي أن يكون المسلم يعلم أنه سيرحل من هذه الدنيا وأنه سيترك هذه الحياة، فلا يغتر بها ويعمل للمكان الذي سيرحل إليه، وهي الدار الآخرة الدار المستقرة والمستمرة والدائمة التي لا تفنى ولا تزول. كما قال الله عز وجل: ﴿وما هذه الحياة الدنيا إلا لهو ولعب وإن الدار الآخرة لهي الحيوان لو كانوا يعلمون﴾. أي هي الحياة الحقيقية، الحياة المستمرة، الحياة الباقية، الحياة الدائمة. فهي الحياة التي ينبغي أن يعمل لها الناس وأن يتزودوا لها، وتزودوا فإن خير الزاد التقوى. أسأل الله سبحانه وتعالى بمنه وكرمه أن يوفقنا لطاعته وأن يعيننا جل وعلا على القيام بما يحب ويرضى. صلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين. حياة الله النبي صلى الله وسلم. يريد أن يبين لهم أن من الساعة ما هي ساعة صغرى وهي الموت، إذا مات الإنسان فقد قامت ساعته. كما جاء في حديث آخر: المراد بهذا الحديث ممن هو موجود. النبي صلى الله عليه وسلم يقول: بعد مضي مئة سنة لا يبقى ممن هو موجود في ذلك اليوم ممن هو موجود في ذلك اليوم أحد. اليوم الذي قال فيه النبي صلى الله عليه وسلم هذا الحديث، بعد مئة سنة لا يبقى أحد ممن كان موجودا في ذلك اليوم منهم أحد. بعض العلماء قال: هذا يريد النبي صلى الله عليه وسلم به من كان موجودا من الصحابة. وقد يراد به يعني موت أغلب ذلك القرن، أغلب أهل ذلك الزمن الذي قال فيه النبي صلى الله عليه وسلم هذا الحديث، فإنهم يموتون. المراد من كان موجودا في ذلك اليوم، ليس على وجه العموم أنه ما يبقى أحد على وجه الأرض. لا يبقى أحد ممن كان موجودا في ذلك اليوم الذي قال فيه النبي صلى الله عليه وسلم هذا الحديث، يعني بين قولنا عليه وسلم لهذا الحديث وبين مضي مئة سنة لا يبقى أحد ممن كان موجودا في ذلك اليوم أحد. الله أعلم.

شاركنا على