التعليق على قصص الأنبياء للعلامة السعدي 89

التعليق على قصص الأنبياء للعلامة السعدي 89

الدرس في التعليق على قصص الأنبياء للعلامة السعدي 89، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

جمال يوسف عليه السلام الظاهر والباطن وعاقبته

يتناول المقطع جمال النبي يوسف عليه السلام الظاهر والباطن، مبيناً أن جماله الباطن بالعفة والإيمان أعظم من ظاهره، وأن اختياره السجن على المعصية دليل على كمال إيمانه وعلامة سعادته، فالجمال الحقيقي هو جمال الباطن بالأخلاق الفاضلة والإخلاص.

اختيار الدين على الدنيا عند الابتلاء بالمعصية

يبيّن المقطع أن العبد إذا ابتلي بخيار بين معصية وعقوبة دنيوية فعليه اختيار السلامة بدينه والصبر محتسباً الأجر، لأن ذلك دليل قوة الإيمان ومكفر للسيئات، مع ضرورة اللجوء إلى الله والتبرؤ من الحول والقوة مستشهداً بدعاء يوسف عليه السلام.

أسباب النجاة من المعاصي باللجوء إلى الله والعلم

يؤكد المقطع أن اللجوء إلى الله بالدعاء أول أسباب النجاة من المعاصي والفتن مستشهداً بدعاء النبي صلى الله عليه وسلم ودعاء يوسف، وأن العلم الصحيح والعقل الراشد يدعوان للخير ويمنعان من الشر، بينما الجهل بعظمة الله هو الدافع الحقيقي للمعاصي.

العلماء أهل الخشية وختم الدرس

يختم المقطع بالتأكيد على أن العلماء هم أعلم الناس بالله، ولذلك وصفهم الله بأنهم أهل الخشية الحقيقية، لارتباط علمهم بخوفهم من الله ومراقبتهم له.

  • 12 جمادى الآخرة 1445هـ - 24/12/2023مـ
التفريغ النصي الكامل

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، فتقول العلامة الشيخ عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي رحمه الله تعالى في كتابه "قصص الأنبياء"، وفي ذكره للفوائد المستنبطة من قصة نبي الله يوسف عليه السلام: قال: ومنها ما عليه يوسف من الجمال ظاهرًا وباطنًا. فالجمال الظاهر: أي في صورته وفي حسن خلقته. والجمال الباطن: ما عليه من الأخلاق العالية، ومن العلوم النافعة، وغير ذلك من معاني الجمال الباطن. قال: فإن جماله الظاهر أوجب لامرأة العزيز ما أوجب من الحب المفرط، والمراودة المستمرة. ولما لامها النساء، دعتهن وأعتدت لهن متكأً، وآتت كل واحدة منهن سكينًا، وقالت: اخرج عليهن. فلما رأينه أكبرنه، وقطعن أيديهن، وقلن: حاشى لله، ما هذا بشر، إن هذا إلا ملك كريم. والعلامة الألباني في "السلسلة الصحيحة" يحسن حديثًا فيه أن يوسف عليه السلام أوتي شطر الحسن، يعني نصف الجمال، فكان جميل الخلقة عليه السلام. ولذلك عشقته امرأة العزيز وراودته عن نفسه، وهكذا النسوة لما رأينه عظمنه لحسن منظره، وقطعن أيديهن من شدة الانبهار بحسنه عليه السلام. قال: وأما جماله الباطن فهو العفة العظيمة منه مع وجود الدواعي الكثيرة لوقوع السوء منه، وهذا أعظم الجمالين. الجمال الباطن أعظم من الجمال الظاهر. فمن تجمل بالعفة والصدق، وحسن العشرة، والإحسان، والوفاء بالعهد، ومعرفة المعروف، ونحو ذلك من الأخلاق الفاضلة، فهو الجميل الحقيقي. فرب جميل في الهيئة والخلقة، لكنه قبيح الباطن، قبيح الأخلاق، فما يغني عن الناس لا يغني عنهم شيئًا، بل يضرهم. قال: ولكن الإيمان ونوره، ولكن الإيمان ونوره، والإخلاص وقوته، لا يشذ عنهما فضيلة، ولا تجامعهما رذيلة. وقد بينت امرأة العزيز لل النساء من يوسف الأمرين، يعني الأمرين: يعني نور الإيمان والإخلاص، نور الإيمان والإخلاص. قالت: فإنها لما أرتهن جمال الظاهر الذي اعترفنا أن هذا الجمال لا يوجد في الآدميين، قالت: ولقد راودته عن نفسه فاستعصم. ما الذي عصمه؟ الإيمان بالله، ونور الإيمان في قلبه. فهذا اعتراف من امرأة العزيز بعفته وبعده عن الرذائل. وقالت بعد ذلك: الآن حصحص الحق، أنا راودته عن نفسه، وإنه لمن الصادقين. فاعترفت له بماذا؟ بالصدق والإخلاص، وأنه صادق، وأنه لم يراودها هو، بل هي التي راودته. ولذلك ينبغي الاعتناء بالجمال الباطن، بالجمال الباطن، لا الجمال الظاهر. ولكن إذا جمع الأمران فنور على نور، كما يقال: من أوتي جمالًا ظاهرًا ثم ألحقه بالجمال الباطن، فهذا لا شك أنه نور على نور. ولذلك يقول العلماء في أمر النكاح بقول النبي عليه الصلاة والسلام: «تنكح المرأة لأربع»، وذكر من هذه الأربع جمالها، وذكر دينها، ثم قال: «فاظفر بذات الدين»، يعني احرص على ذات الدين لأن هذا هو الجمال الحقيقي. لكن إذا وجد الدين مع الحسن الظاهر، فهذا لا شك أنه كما يقال: نور على نور، فيجمع لهذا الخاطب الأمران، يجمع لهذا الخاطب الأمران. هذا في أمر النكاح، كذلك في هذا الباب يعتنى بالجمال الباطن، الجمال الباطن. قال: ومنها أن يوسف عليه السلام اختار السجن على المعصية. فهكذا إذا ابتلي العبد بأحد أمرين: إما أن يلجأ إلى فعل المعصية، وإما أن يعاقب عقوبة دنيوية، فعليه أن يختار العقوبة الدنيوية التي فيها الثواب من هذا الوجه بعدة أمور: الأمر الأول: ثواب من جهة اختياره الإيمان على السلامة من العقوبة الدنيوية. والثاني: ثواب من جهة أن هذا من باب التخليص للمؤمن والتصفية، وهو يدخل في الجهاد في سبيل الله. والثالث: ثواب من جهة المصيبة التي نالته والألم الذي أصابه. فسبحان من ينعم ببلائه، ويلطف بأصفيائه. وهذا أيضًا عنوان الإيمان وعلامة السعادة. هذه فائدة جليلة: قد يبتلى العبد في هذه الدنيا ببلاء، فهو مخير: إما أن يقع في المعصية، وإما أن يعاقب عقوبة دنيوية ويسلم من هذه المعصية. مثاله ما وقع ليوسف في هذه السورة، فهو إن بقي عند هذه المرأة لربما وقع في ما أرادت، فاختار السجن ونجى بدينه من هذا البلاء. مثال آخر: مثلا قيل لك، وأنت موظف أو مدير أو شيء من ذلك: إما أن تفعل هذا الحرام من أخذ رشوة، أو من توقيع على ظلم وباطل، أو من أن تعمل عملًا محرمًا، وإما أن تفصل أو تنحى من هذه الوظيفة أو هذه المسؤولية. فلا تختر الدنيا على الآخرة، اختر الآخرة على الدنيا، فنجُ بنفسك واحتسب الأجر. مثال آخر: أنت تعمل في العسكرية، يعني عسكري مجند، تستلم ثلاثين ألف ريال سعودي - إن شاء الله مبلغ طيب - فقيل لك: إن تريد استمرار هذا الراتب، إما أن تحلق لحيتك، وإما أن تحرم من هذا الراتب الشهري، ما تعطى شيء، تفصل من العمل. فماذا تختار؟ تختار دينك، تختار قوة إيمانك، والله عز وجل يعوضك بخير. من ترك شيئًا لله أبدله الله خيرًا منه، أبدله الله خيرًا منه. فهكذا إذا ابتلي العبد بين أن يعمل المعصية وأن يفقد شيئًا من حطام هذه الدنيا، فينجو بنفسه ويختار دينه، يختار دينه، ويحتسب كما ذكر هاهنا. فعليه أن يختار العقوبة الدنيوية التي فيها الثواب من هذه الوجوه بعدة أمور: الأمر الأول: ثواب من جهة اختياره الإيمان على السلامة من العقوبة الدنيوية، وهذا دليل على صحة إيمانه وقوة إيمانه وصدق يقينه بالله عز وجل وتوكله على الله سبحانه وتعالى. هذا الأمر الأول. الأمر الثاني: ثواب من جهة أن هذا من باب التخليص للمؤمن والتصفية. فهذا الابتلاء يعني يكفر الذنوب، يكفر السيئات، ينقي العبد، يجعله ذهبًا خالصًا لا شوائب فيه، لا شوائب فيه. وهكذا هي المحن تصفي أصحابها متى ما ثبتوا. والأمر الثالث: ثواب من جهة المصيبة التي نالته والألم الذي أصابه. فإذا صبر نال الأجر العظيم، وإنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب، بغير حساب. انظر: تكفير للسيئات، وتضاعف للحسنات والأجور. استشعر هذه الثمار العظيمة، تهون عليك المصيبة، تهون عليك هذه المصيبة. والأمثلة على ذلك كثيرة. هذا أمر نستفيده من هذه القصة، وهي فائدة عظيمة قد يعرض وتعرض لكثير منا، خصوصًا في هذا الزمان الذي كثرت فيه الفتن والمحن. قال: ومنها أنه ينبغي للعبد أن يلجأ إلى ربه، ويحتمي بحماه عند وجود أسباب المعصية، ويتبرأ من حوله وقوته. فلا تقل: أنا عندي إيمان، أنا عندي أولاد كثير، أنا عندي قبيلة كبيرة، أنا عندي كذا وكذا، يعني تغتر لما أوتيت من نعم. لا، ألجأ إلى الله بكل بلية، وكل فتنة، وإن كنت تظن أنك ستنجو منها بمالك أو بجاهك أو بكثرة أنصارك، لا تغتر، ألجأ إلى الله، وتبرأ من حولك وقوتك. فيوسف ماذا قال؟ قال: لقول يوسف: ﴿إِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُن مِّنَ الْجَاهِلِينَ﴾ [يوسف: 33]. فلجأ إلى الله. فمن لا يلجأ إلى الله، ويطلب العون من الله، فمن ذا الذي يعينه، ومن ذا الذي يوفقه؟ ففي كل أمر ألجأ إلى الله. ابتليت بأي بلاء، لا تركن إلى شيء تظن أنك تملكه أو أنه ينجيك من هذه الكربة أو نحو ذلك، وإنما ألجأ إلى الله. ولا بأس أن تتخذ الأسباب المأذون بها شرعًا. قال: فالعبد الموفق يستعين ربه على دفع المعاصي وأسبابها، كما يستعين به عند فعل الطاعات والخيرات، والله كاف المتوكلين. وأنت في كل ركعة تقول ماذا تقول؟ ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: 5]. فالاستعانة لا تكون فقط على عمل الطاعات. تستشعر لما تقول هذا: يا رب وفقني لأداء الصلاة، يا رب وفقني لبر والدي، يا رب وفقني وأعني على طلب العلم، على حفظ القرآن، على فهم العلم، على كذا وكذا من الطاعات. فكذلك استشعر أن الله عز وجل يعينك على النجاة من الفتن، وعلى الابتعاد عن المعاصي. فالجأ إلى الله. ولذلك العلماء لما يسألهم عاصٍ عن أسباب بعده عن هذه المعاصي، يطلب النصيحة من العلماء، أول ما يذكر العلماء: أن تلجأ إلى الله، وأن تستعين بالله عز وجل. فلرب دعوة منك تكون سببًا في ذهاب ما في قلبك من تلك المعاصي. وحديث أمامة عند أحمد وغيره، لما جاءه فتى من الأنصار وقال له: يا رسول الله، ائذن لي في الزنا. فقال: «أترضاه لأمك؟ أترضاه لأختك؟ أترضاه لعمتك؟» إلى آخر الحديث. ثم دعا له النبي عليه الصلاة والسلام. إذن لجأ النبي صلى الله عليه وسلم إلى الله في دفع هذه المعصية، أو هذا الابتلاء الذي وقع في قلب هذا الفتى، فدعا له: «اللهم طهر قلبه»، وإلى غير ذلك مما دعا عليه الصلاة والسلام لهذا الفتى، حتى حصن فرجه، إلى آخر ذلك. فهكذا ينبغي للمؤمن: أول ما يتخذ من أسباب النجاة من المعاصي أن يلجأ إلى الله، يقول: يا رب لا حول لي ولا قوة إلا بك، اللهم اصرف عني هذا البلاء، اللهم اصرف عني هذه المعصية، واللهم وفقني للإقلاع والترك، ونحو ذلك. تلجأ إلى الله، تدعو الله سبحانه وتعالى. فهذا يوسف يقول عليه السلام: ﴿إِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُن مِّنَ الْجَاهِلِينَ﴾. نعم، ﴿أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُن مِّنَ الْجَاهِلِينَ﴾. فلجأ إلى الله سبحانه وتعالى. فكما أنك تستعين بالله عز وجل في القيام بفعل الطاعات، فكذلك استعن بالله سبحانه وتعالى في النجاة من المعاصي والابتلاءات، من المعاصي والابتلاءات. قال: ومنها أن العلم والعقل الصحيح يدعوان صاحبهما إلى الخير، وينهيانه عن الشر، وأن الجهل يدعو صاحبه إلى ضد ذلك. لقوله: ﴿أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُن مِّنَ الْجَاهِلِينَ﴾. أي: الجاهلين بالأمور الدينية، والجاهلين بالحقائق النافعة والحقائق الضارة. وهذه الآية تضم من جملة الأدلة الواردة في فضل العلم، في فضل العلم. فكما ذكر: العلم والعقل الصحيح يدعوان صاحبهما إلى الخير، فالعلم يدعو إلى كل فضيلة، والجهل يدعو إلى كل رذيلة. فهذا فيه فضل العلم. العالم ينوره الله عز وجل بنور العلم، فلا يسلك إلا الطريق الصحيح، كما قال الله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَانًا﴾ [الأنفال: 29]، يجعل لكم فرقانًا، تفرقون به بين الحق والباطل، بين الطاعة والمعصية. فمن أعظم أسباب النجاة من الفتن والمعاصي: العلم، العلم. ولذلك يوسف قال: ﴿أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُن مِّنَ الْجَاهِلِينَ﴾. قال أهل العلم: كل من عصى الله فهو جاهل. لأن ليس المراد بالعلم فقط العلم بالأحكام الشرعية: هل هذا الفعل يجوز أو لا يجوز؟ هل هذا مخالف أو ليس بمخالف؟ هذا شيء من العلم. لكن من العلم ما نبه وأشار إليه المؤلف في آخر هذه الفائدة، قال: والجاهلين بالحقائق النافعة والحقائق الضارة. حقيقة الإيمان: إنما العلم خشية الله، إنما العلم خشية الله. فمن امتلأ قلبه تعظيمًا ومحبةً وخوفًا ومراقبةً لله عز وجل، كانت هذه الأمور سببًا في حجزه ومنعه من الوقوع في المعاصي، من الوقوع في المعاصي. ولذلك في قوله سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّهُ مَن يَعْمَلْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ﴾ [النساء: 17]، يعني: السوء إنما يفعل بسبب الجهل، بسبب الجهل: الجهل بعظمة الله، الجهل بكذلك يعني مراقبة الله، الجهل بما يكون في القلب من محبة الله، ومن إجلال الله، ونحو ذلك من هذه المعاني التي يمتلئ بها قلب العالم. ولذلك قال الله عز وجل: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: 28]. إنما يخشى الله من عباده العلماء. العلماء هم أهل الخشية، لماذا؟ لأنهم أعرف الناس بالخالق سبحانه وتعالى، أعلم الناس بالله عز وجل هم العلماء. ولذلك وصفهم الله عز وجل بأنهم أهل الخشية، بأنهم أهل الخشية. طيب، إن شاء الله نكتفي بهذا اليوم إلى هنا.