الدرس في التعليقات على كتاب الأدب المفرد 385، ألقاها
يتناول حكم الاستلقاء على الظهر ووضع إحدى الرجلين على الأخرى، ويُجمع بين النهي والجواز باختلاف الحال وستر العورة. يُستند في ذلك إلى أحاديث نبوية وأقوال الصحابة.
يتناول أحكام وضع النعال عند الجلوس، ويشير إلى جواز وضعها بجانب الجالس أو تحت رجليه إذا لم يكن هناك مكان مخصص، مع التأكيد على عدم إيذاء الآخرين. يُستند في ذلك إلى أقوال الصحابة والتابعين.
يشرح كيف يدفع الشيطان الإنسان لفعل ما يثير الشحناء والبغضاء، ويحذر من اتهام الأهل دون التأكد من عمل الشيطان. كما يذكر أمثلة على دفع الشيطان للإنسان لفعل أشياء أخرى.
الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال إمام البخاري رحمه الله في كتابه «الأدب المفرد»، باب الاستلقاء. قال: حدثنا مالك بن إسماعيل، قال: حدثنا ابن عيينة، قال: سمعت الزهري يحدث عن عباد بن تميم، عن عمه، قال: رأيته. قلت لابن عيينة: النبي صلى الله عليه وسلم، قال: نعم، مستلقيا، واضعا إحدى رجليه على الأخرى. هذا الباب باب الاستلقاء، والاستلقاء هو اضطجاع الإنسان على قفاه وعلى ظهره، وهي هيئة من الهيئات التي يستعملها الإنسان عند النوم أو عند الراحة. إذا أراد أن يرتاح يستلقي على ظهره. فالإمام البخاري رحمه الله يريد في هذا الباب أن يذكر جواز مثل هذا الجلوس، وهذا الاضطجاع، أن يستلقي الإنسان على قفاه وعلى ظهره، وأنه لا بأس بذلك. لكن مثل هذه الهيئة لا يفعلها الإنسان في مجامع الناس، يعني يكون مثلا في مجلس فيه الناس، فيستلقي على ظهره، سيعد هذا فيه شيء من سوء الأدب. لكن يفعله إذا كان وحده، سواء كان في المسجد أو في بيته. وذكر هذا الحديث أن النبي عليه الصلاة والسلام استلقى واضعا إحدى رجليه على الأخرى، استلقى يعني على ظهره، ووضع إحدى رجليه على الأخرى، اليمنى على اليسرى أو اليسرى على اليمنى. فهذا يدل على جواز مثل هذا الاضطجاع، قد فعله النبي عليه الصلاة والسلام كما في هذا الحديث. وفي صحيح البخاري، بوب المؤلف رحمه الله عليه باب الاستلقاء في المسجد ومد الرجل، يدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم كان استلقاؤه هذا في المسجد، فيه جواز ذلك، سواء في المسجد أو في البيت، لكن في غير مجامع الناس. أما في مجامع الناس، يعني أنت في مجلس مثلا غداء أو في مجلس علم، فلا تستلقي والناس جلوس وأنت تستلقي على ظهرك، بل تجلس كما يجلس الناس. نعم، قال: واضعا إحدى رجليه على الأخرى. وجاء في صحيح الإمام مسلم عن جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن يضع الرجل إحدى رجليه على الأخرى وهو مستلقي. في صحيح الإمام مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن مثل هذا الاضطجاع، أن يستلقي على الأرض ويضع إحدى رجليه على الأخرى. وفي هذا الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم فعله، والجمع بينهما أنه إذا كان سيضطجع ويضع إحدى رجليه على الأخرى فتنكشف عورته، فهذا منهي عنه. وأما مع أمن انكشاف العورة، فهذا جائز. مع أمن انكشاف العورة فهو جائز. نعم، كما مر معنا في الكلام عن الاحتباء، في نهي النبي صلى الله عليه وسلم، وفي فعله، فيحمل النهي على ما إذا كانت تنكشف العورة، وأما مع أمن انكشاف العورة فإنه يجوز. وهكذا أيضا في الاستلقاء على الأرض ووضع إحدى الرجلين على الأخرى. قال: حدثنا إسحاق بن محمد، قال: حدثنا عبد الله بن جعفر، عن أم بكر بنت المسور، عن أبيها، قال: رأيت عبد الرحمن بن عوف مستلقيا رافعا إحدى رجليه على الأخرى. وهذا الأثر أن عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه فعل ذلك، استلقى واضعا إحدى رجليه على الأخرى. إلا أن هذا الأثر ضعيف، أم بكر هذه مجهولة. لكن صح كذلك عن بعض الصحابة كعمر وعثمان، في صحيح البخاري، ذكر الإمام البخاري رحمه الله بعد ذكر الحديث الأول، ذكر عن سعيد بن المسيب، قال: إن عمر وعثمان كانا يفعلان ذلك، يعني يستلقيان على الأرض ويضع إحدى رجليه على الأخرى. قال: باب أين يضعون نعالهم إذا جلسوا. قال: حدثنا قتيبة، قال: حدثنا صفوان بن عيسى، قال: حدثنا عبد الله بن هارون، عن زياد بن سعد، عن ابن نهيك، عن ابن عباس، قال: من السنة إذا جلس الرجل أن يخلع نعليه فيضعهما إلى جنبه. باب أين يضعون نعالهم إذا جلسوا، يعني إذا أراد أن يجلس في مجلس، فأين يضع نعليه؟ إذا كان هناك مكان معد لوضع النعال، فيضعها في المكان الذي يعد لذلك. الذي يعد لذلك تجدون مثلا في البيوت يكون وضع النعال عند مدخل البيت، يعني في داخل البيت قبل الدخول للغرفة يكون عند الباب مثلا، أو يكون هناك مكان معدل لوضع النعال فيه، فيضعه في المكان الذي يعد له. وإن لم يكن هناك مكان مخصص، فإنه يضعه في مكان لا يؤذي به أحد من الناس، لا يضعه في مكان يؤذي به أحد من الناس، يضعه بجانبه، نعم، تحت رجليه، المهم أنه لا يضعه في موضع يؤذي به أحد. وذكر هذا الأثر، أثر ابن عباس، من السنة إذا جلس الرجل أن يخلع نعليه فيضعهما إلى جنبه. وقوله: من السنة، يعني من سنة النبي عليه الصلاة والسلام. وقول الصحابي: من السنة كذا، له حكم الرفع، له حكم الرفع، يعني في حكم المرفوع إلى النبي عليه الصلاة والسلام. لكن هذا الأثر ضعيف، عبد الله بن هارون مقبول، لكن معناه صحيح. وقد صح في سنة النبي عليه الصلاة والسلام أن الإنسان إذا صلى وخلع نعليه، أنهما يضعهما عن يساره، إذا لم يكن عن يساره أحد، وإن كان عن يساره أحد وضعهما تحت رجليه. هذا يدل على أنه لا يؤذي به أحد من الناس، سواء كان في الصلاة أو في خارج الصلاة، يضعها بين رجليه. وما يفعله بعض المصلين خاصة في صلاة العيد، بعضهم يضع النعال أمامه، يضعها أمامه، فتضايق الذي أمامه إذا قام ربما يدوس على النعل في قيامه وفي جلوسه، فيكون فيه أذية له. ودخله في السنة، يعني إذا ما صليت فخلع نعليك، ضعهما تحت رجليك، إن لم تكن في مكان بعيد، ضعها تحت رجليك حتى لا يؤذي بها أحد من الناس. وهكذا في غير الصلاة، إذا خرجت نعليك ودخلت في مجلس مثلا، وليس هناك مكان أعد للنعال، تأخذ النعال معك وتضعهما تحتك أو بجانبك، ولا تؤذي بها أحد من الناس. قال: باب الشيطان يجيء بالعود والشيء يطرحه على الفراش. قال: حدثنا عبد الله بن صالح، قال: حدثني معاوية، عن أزهر بن سعيد، قال: سمعت أبا أمامة يقول: إن الشيطان يأتي إلى فراش أحدكم بعدما يفرشه أهله ويهيئونه، فيلقي عليه العود أو الحجر أو الشيء ليغضبه على أهله. فإذا وجد ذلك فلا يغضب على أهله، قال: لأنه من عمل الشيطان. قال: باب الشيطان يجيء بالعود والشيء يطرحه على الفراش. وذكر فيه أثر أبي أمامة رضي الله تعالى عنه. وقد صح مرفوعا بنحوه من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه. باب الشيطان يجيء بالعود والشيء يطرحه على الفراش، يعني إذا هيأ له الفراش ينام عليه، ربما يأتي فيجد فيه شيء من ذلك، إما عود وإما يعني شيء من الأوساخ أو شيء من ذلك، فيظن أن أهله هم الذين وضعوا ذلك أو لم يقوموا بتنظيفه وتهيئته، فيغضب على أهله وتقع بينه وبينهم مشاحنة ومؤاخذة، والسبب في ذلك هو الشيطان. الشيطان ربما يأتي فيضعه حتى يثير الشحناء بين الرجل وبين أهله. ولذلك من السنة أن الإنسان إذا جاء لينام أن ينفض فراشه ثلاثا، لأنه لا يدري ما خلفه عليه. فإذا وجد شيء من ذلك فلا يتهم أهله، لا يتسرع في اتهام أهله، فإن الشيطان قد يفعل ذلك. لهذا قال: باب الشيطان يجيء بالعود والشيء يطرحه على الفراش، يضعه حتى يثير الشحناء والبغضاء، والشيطان حريص على مثل ذلك، على إثارة الشحناء والبغضاء بين الزوجين. وذكر أثر أبي أمامة، قال: إن الشيطان يأتي إلى فراش أحدكم بعدما يفرشه أهله ويهيئونه، يعني للنوم، يفرشونه ويهيئونه، فيلقي عليه العود أو الحجر أو الشيء، الشيطان يلقي عليه شيء من هذه الأشياء من حجر أو عود أو راق أو شيء من ذلك، قال: ليغضبه على أهله، يعني حتى يغضب عليهم ويؤاخذهم على هذا الفعل، ويغضب عليهم، ربما يصيح فيهم. الشيطان حريص على ذلك، على إغضاب الرجل على أهله، وهو حريص على التفريق بين الزوجين. فإن من أعظم ما يفرح به الشيطان أن يفرق بين الرجل وزوجه. في الحديث الصحيح: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ يَضَعُ عَرْشَهُ عَلَى الْمَاءِ ثُمَّ يَبْعَثُ سَرَايَاهُ فَأَدْنَاهُمْ مِنْهُ مَنْزِلَةً أَعْظَمُهُمْ فِتْنَةً يَجِيءُ أَحَدُهُمْ فَيَقُولُ مَا زِلْتُ بِفُلَانٍ حَتَّى تَرَكْتُهُ وَهُوَ يَقُولُ كَذَا وَكَذَا فَيَقُولُ الشَّيْطَانُ لَا شَيْءَ أَنْتَ وَيَجِيءُ آخَرُ فَيَقُولُ مَا زِلْتُ بِفُلَانٍ حَتَّى فَرَّقْتُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَهْلِهِ قَالَ فَيُقَرِّبُهُ إِلَيْهِ وَيُدْنِيهِ مِنْهُ وَيَقُولُ نِعْمَ أَنْتَ أَنْتَ﴾. قال: فإذا وجد ذلك فلا يغضب على أهله، لأنه من عمل الشيطان. إذا وجد مثل ذلك، وجد عودا أو حجرا أو شيئا على الفراش، فلا يغضب عليهم ولا يتهمهم بذلك، فهذا من عمل الشيطان. والنبي عليه الصلاة والسلام أخبر في حديث حذيفة، قال عليه الصلاة والسلام: «إن الشيطان يستحل الطعام أن لا يذكر اسم الله عليه»، يعني يريد أن يأكل منه قبل أن يذكر اسم الله عليه حتى لا يمتنع من الأكل. وكان مرة في مجلس، فجاءت جارية، قال: كأنها تدفع، كأن أحد يدفعها، فوضعت يدها أو أرادت أن تضع يدها في الطعام، فأخذ النبي صلى الله عليه وسلم بيدها. ثم جاء غلام، كأنه يدفع، فأخذ النبي صلى الله عليه وسلم بيده، ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الشيطان يستحل الطعام أن لا يذكر اسم الله عليه». وقد جاء بهذه الجارية ليستحل بها الطعام، فأخذ بيدها، وجاء بهذا الغلام ليستحل به الطعام، فأخذ بيده. والذي نفسي بيده، إن يدي في يده، إن يده في يدي، مع يديهما. انظر كيف الشيطان يدفع، يدفع الإنسان إلى فعل بعض الأشياء، فعل بعض الأشياء وهي من عمل الشيطان. ومن دفع الشيطان كذلك أيضا قطع الصلاة، ربما يأتي شخص أو طفل يريد أن يمر بين يدي الرجل بين السترة، ما الذي يدفعه؟ الشيطان. ولهذا النبي عليه الصلاة والسلام قال: «فإن أبى فليقاتله، فإن معه القرين»، يعني الشيطان هو الذي يدفعه، يريد أن يقطع صلاته وأن ينقص أجر صلاته. فهذه الأحاديث تدل على أن الشيطان قد يعمل بعض الأعمال ويدفع بعض الناس إلى فعل بعض الأشياء التي تكون سببا في وقوع شحناء وبغضاء بين المسلمين، أو كذلك أيضا لينقص صلاة الإنسان أو يستحل طعاما أو نحو ذلك من هذه الأمور. فلا يستعجل الإنسان، لا يستعجل الإنسان في اتهام أهله وفي الغضب عليهم، بل يعلم أن هذا من عمل الشيطان، فيستعيذ بالله جل وعلا من الشيطان. صلى الله عليه وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.