الدرس في التعليق على مذكرة أصول الفقه 43، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري
يناقش هذا الفصل حجية خبر الواحد ومخالفته للقياس، حيث يقبل خبر الواحد فيما يخالف القياس وتختلف آراء العلماء في تقديم القياس أو الخبر.
يتناول هذا الفصل تطبيق تقديم الخبر على القياس في بعض مسائل الفقه، مستدلاً بأقوال سعيد بن المسيب في دية المرأة.
يفصل هذا الفصل مفهوم مخالفة القياس ومعنى الأصول في الفقه الإسلامي، ويقدم أمثلة على تطبيقهما في الأحكام الشرعية.
يبرز هذا الفصل تناقضاً ظاهراً في أحكام الدية والعقل، ويشير إلى تفصيل هذا التناقض في باب القياس.
وفلق والمرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد. قال مؤلف رحمه الله تعالى: فصل، ويقبل خبر الواحد فيما يخالف القياس. وحكي عن مالك أن القياس يقدم عليه. وقال أبو حنيفة: إذا خالف الأصول أو معنى الأصول لم يحتج به. إلى آخره. خلاص ما ذكره في هذا الفصل أن خبر الواحد يقبل فيما يخالف القياس، وأن مالكا حكي عنه تقديم القياس على خبر الآحاد، وأن أبا حنيفة لا يقبل خبر الواحد إذا خالف الأصول أو معنى الأصول. وسيذيل المؤلف لقبوله بحديث معاذ، فإنه قدم الكتاب والسنة على الاجتهاد، وصوبه النبي صلى الله عليه وسلم. وبأن الصحابة كانوا لا يستعملون القياس إلا عند عدم النص. ومن ذلك رجوع عمر إلى حديث حمل بن مالك بن النابغة في غرة الجنين، وكان يفاضل بين ديات الأصابع ويقسمها على منافعها، فرجع عن ذلك لحديث: «في كل أصبع عشر من الإبل». وهو أحد. ولأن الحديث من كلام المعصوم، والقياس استنباط، وكلام المعصوم أولى من الاستنباط لأنه أبلغ منه. واحتج المؤلف على أصحاب الإمام أبي حنيفة رحمه الله بأنهم أوجبوا الوضوء بالنبيذ في السفر دون الحضر، وأبطلوا الوضوء بالقهقهة داخل الصلاة دون خارجها، وحكموا في الأمة بخلاف القياس، وهو مخالف للأصول. هذا هو خلاص ما ذكره في هذا الفصل. وقوله في هذا الفصل: وحكي عن مالك أن القياس يقدم عليه، هذا الذي ذكره عن مالك بصيغة حكية، وهي من صيغة التمريض. قال: هو المقرر في أصول الفقه المالكي، وعقده في المراقب قوله في أول كتاب القياس: والحامل المطلق والمقيد، وهو قبل ما رواه الواحد. يعني أن القياس مقدم عند مالك على الخبر الواحد. لكن فروع مذهبه تقتضي خلاف هذا، وأنه يقدم خبر الواحد على القياس، كتقديمه خبر صاع التمر في المصراة على القياس الذي هو رد مثل اللبن المحلوب من المصراة. لأن القياس ضمان المثل بمثله، يعني الذي له مثل يضمن بمثله، إذا أتلف الإنسان مثلا قلما، وهذا القلم له مثل يضمن بمثله، يأتي بقلم مثله. والذي ليس له مثل يضمن بالقيمة، يضمن بقيمته، فيضمن القيمة. ومر معنا الكلام على حديث المصراة، وأن النبي صلى الله عليه وسلم حكم عن من اشتراها فحلبها: «إن شاء ردها وصاعا من تمر، وإن شاء مسكها». قالوا: هذا خلاف القياس، كيف يأخذ اللبن ويستعمل اللبن ثم يرد التمر؟ واللبن له مثل، قالوا: القياس أن يأتي بلبن مثله. وحكم النبي صلى الله عليه وسلم بأن يأتي بصاع من تمر إذا ردها، يأتي معها بصاع من تمر. ورد علماء بأن هذا ليس خلاف القياس، لأن اللبن لا يتحدد مقداره، فيحصل خلاف بين البائع والمشتري في تحديد قدر اللبن، فيحصل النزاع. فجعل النبي صلى الله عليه وسلم حدا قاطعا ومانعا للنزاع، وهو صاع تمر، إذا أراد أن يردها يردها وصاع تمر، ويكون هذا الحد والمقدار قاطع للنزاع، فكان هذا موافقا للقياس. قال: وهذا هو الذي يدل عليه استقراء مذهبه. مع أن المقرر في أصوله أيضا أن كل قياس خالف نصا من كتاب أو سنة فهو باطل، بالقادح المسمى في اصطلاح أهل الأصول فاسد الاعتبار. وعقده في المراقب قوله في القوادح: والخلف للنص أو إجماع دعا فساد الاعتبار. كل من وعا، وسيأتي الكلام عليه في باب القياس. قال: وهذا هو الحق الذي لا يشك فيه، لأن القياس لا يجوز مع وجود النص من النبي صلى الله عليه وسلم، يعني لا يجوز أن يأخذ بالقياس مع وجود النص، ولو كان خبر أحد، فهو مقدم على القياس. فالحديث إذا صح وجب قبوله والعمل بما فيه، ويقدم على القياس. فتقديم مثلا الحنفية القياس على جواز إنكاح المرأة أو إنكاح المرأة لنفسها على جواز تصرفها في مالها، هذا قياس باطل مع وجود النص. عند الحنفية مثلا يجوز للمرأة أن تزوج نفسها، قالوا: قياسا على جواز تصرفها بمالها، كما أنها تملك المال تصرف فيه بشاءت، فنفسها ما بأولى تتصرف فيها وتزوج نفسها. وعندنا النص: «لا نكاح إلا بولي». إذن هذا القياس فاسد الاعتبار لأنه مصادم للنص، وهذا النص وإن كان خبر أحد فهو مقدم على هذا القياس. قال: ومقيد وعفو الله عنه. نكمل. أو قال: قدم مالك وغيره من العلماء الخبر على نوع القياس المسمى عند الشافعي بالقياس في معنى الأصل، وهو المعروف بتنقيح المناط، يعني تنقيح العلة، وهو نفهم المخالفة في صورة لا يكاد العقل السليم يستزيغ فيها تقديم الخبر على القياس المذكور. وقد بينا في كتابنا أضواء البيان في سورة بني إسرائيل أن ذلك لا يمكن فيما يظهر لنا، كما أنكره ربيعة بن أبي عبد الرحمن. وذلك هو ما رواه مالك في الموطأ والبيهقي: أن الربيع بن أبي عبد الرحمن قال لسعيد بن المسيب: كم في إصبع المرأة؟ يعني في الدية. قال: عشر من الإبل، يعني في الأصبع الواحد. قال: قلت: فكم في إصبعين؟ قال: عشرون من الإبل. قلت: فكم في ثلاثة أصابع؟ قال: ثلاثون من الإبل. قلت: فكم في أربعة أصابع؟ قال: عشرون من الإبل. قلت: حين عظم جرحها واشتدت مصيبتها نقص عقلها، يعني ديتها. قال سعيد: أعراقي أنت؟ يعني أنت من أهل العراق، أهل الكوفة، أهل الرأي. قلت: بل عالم متثبت أو جاهل متعلم. قال: «هي السنة يا ابن أخي». قال: «هي السنة يا ابن أخي». هذا الأثر صححه شيخ الإسلام رحمه الله في الإرواء برقم 2555. وقوله: «من السنة»، ليس من يعني سنة النبي عليه الصلاة والسلام، فلا يكون له حكم الرفع، لأن سعيد تابعي وليس بصحابي. لكن كما قال بعض العلماء: يراد به سنة أهل المدينة. قال: فكون عقل ثلاثة أصابع من أصابع المرأة ثلاثين من الإبل، وعقل أربعة أصابع من أصابعها عشرين من الإبل، ينافي ما علمنا من حكمة الشرع الكريم ووضعه الأمور في مواضعها وإيقاعها في مواقعها، كما بيناه في كتابنا المذكور. يعني في الأضواء بيان وتكلمنا على سند الحديث المقتضي لذلك. ويقصد به ما جاء في حديث عمر بن شعيب عن أبيه عن جده: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «عقل المرأة مثل عقل الرجل حتى يبلغ الثلث من ديتها». وفيه ضعف، فيه علتان، هو من طريق إسماعيل بن عياش عن ابن جريج، وإسماعيل بن عياش روايته عن غير الشاميين ضعيفة، وابن جريج مكي ليس بشامي، وفيه عنعنة ابن جريج وهو مدلس. وأيضا ذكر البخاري كما نقل عنه الإمام الترمذي: أن ابن جريج لم يسمع من عمر بن شعيب، فيكون فيه ثلاث علل. قال: وعلى المراد بالسنة في قول سعيد بن مسيب: «هي السنة يا ابن أخي»، يعني ما المراد بالسنة؟ ذكر ذلك في كتاب أضواء البيان، وأن المراد بها سنة أهل المدينة. وهذا القول قول جمهور العلماء، جمهور العلماء على أن دية المرأة كدية الرجل في الثلث في الجملة، دية المرأة نصف دية الرجل، يعني في القتل، ديتها نصف دية الرجل، وفي الجراح كدية الرجل إلى الثلث، ثم ما زاد فعلى النصف ترجع إلى نصف الدية. هذا قول جمهور العلماء. هناك بعض العلماء يعني قال بذلك خلاف ذلك: أنها يعني تكون ديتها تساوي دية الرجل إلى النصف، قالوا: بالجملة. فلزوم ثلاثين من الإبل في ثلاثة أصابع يقتضي بقياس التنقيح الأحروزي المعروف بالقياس في معنى الأصل: أن أربعة أصابع لا يمكن أن تقل ديتها عن ذلك، يعني عن الثلاثين من الإبل. قال: لأنها مجتمعة على الثلاثة وزيادة أصبع، فكان المقتضى أن تكون أكثر من ثلاثين. لكن أثر سعيد المسيب من أجل ماذا؟ قال ذلك، يعني ذهب أهل المدينة إلى هذا: حتى تكون ديتها نصف دية الرجل، فجعلوا في أكثر من ثلاثة أصابع عشرين من الإبل، وفي الخمس أصابع خمسا وعشرين، فيكون في العشر أصابع كم؟ خمسون من الإبل، تكون نصف دية الرجل، أن دية الرجل في العشر الأصابع مئة من الإبل، وفي الخمس خمسون، قالوا: دية المرأة نصف دية الرجل، وتكون خمسا وعشرين. قال: وحديث معاذ الذي استدل به المؤلف ضعفه غير واحد، والمناقشة في تضعيفه وتصحيحه كثيرة معروفة. ومن انتصر لتضعيفه ابن حزم وغيره. وقال ابن كثير في مقدمة تفسيره، بعد أن ساق حديث معاذ المذكور بصيغة الجزم بقوله: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لمعاذ حين بعثه إلى اليمن: «فبما تحكم؟» إلى قوله: «الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله صلى الله عليه وسلم لما يرضي رسول الله صلى الله عليه وسلم». ما نصه: وهذا الحديث المسند والسنن بإسناد جيد، كما هو مقرر في موضعه. قال: وقال ابن قدامة في روضة الناظر في كتاب القياس، بعد أن ساق حديث معاذ المذكور ما نصه: قال: هذا الحديث يرويه الحارث عن عمر عن رجال من أهل حمص، والحارث والرجال مجهولون. إلى أن قال: قلنا: قد رواه عبادة عن نسي عن عبد الرحمن بن غنم عن معاذ. ثم هذا الحديث لقته الأمة بالقبول، فلا يضره كونه مرسلا. انتهى. الحديث ضعيف، ففيه مجاهيل كما ذكر ابن قدامة، هو من رواية رجال من أهل حمص والحارث بن عمر، وكلهم مجهولون. ضعفه شيخ الباني رحمه الله في الإرواء برقم الفين ومائتين وخمسين. ومع ذلك فهو حديث مشهور، ويذكره العلماء في الأصول، يعني في ترتيب مراتب الاجتهاد بالكتاب ثم السنة ثم الاجتهاد والقياس، نوع من أنواع الاجتهاد، فمعناه صحيح. قال: وقد أوضحنا الكلام على وجه الاحتجاج بالحديث المذكور، وبطلان الطريق التي أشار لها عن عبادة بن نسي في كتابنا أضواء البيان في سورة الأنبياء وسورة بني إسرائيل. وما استشهد به المؤلف رحمه الله من رجوع عمر إلى حديث حمل بن مالك في دية الجنين، كان الأولى له أن يستدل لذلك برجوع عمر في دية الجنين إلى قول المغيرة بن شعبة ومحمد بن مسلمة، لأن رجوعه لحديث حمل بن مالك في ذلك ليس متفقا عليه. ويريد بهذا أن الأخذ بالنص مقدم على القياس وعلى الرأي، وهذا هو الصحيح. قال: تنبيه، إن قيل: ما الفرق بين مخالفة الأصول أو معنى الأصول؟ قال: فالظاهر في الجواب أن مخالفة القياس أخص من مخالفة الأصول، لأن القياس أصل من الأصول، فكل قياس أصل، وليس كل أصل قياسا. فما خالف القياس خالف أصلا خاصا، وما خالف الأصول يصدق بما خالف قياسا أو نصا أو إجماعا أو استصحابا أو غير ذلك، يعني من أصول الأدلة التي يستدل بها. قال: فوجوب الوضوء بالنوم مثلا موافق للقياس من حيث أنه التعليق حكم بما ظنته كسائر الأحكام المعلقة بما ظنها، مع أنه مخالف لبعض الأصول، هو استصحاب استصحاب العدم الأصلي في خروج الحدث، يعني الأصل عدم الحدث، لكن لما كان النوم مظنة للحدث أخذ به. وقيل به، قال: هو استصحاب العدم الأصلي في خروج الحدث حتى يعلم أو يتيقن أمر ناقل عن استصحاب العدم الأصلي في ذلك. والمراد بمعنى الأصل في الاصطلاح نفي الفارق، كما عقده في المراقب قوله: قياس معنى الأصل عنهم حقق لما دعا الجمع بنفي الفارق. قال: ومن أمثلة ذلك ما قدمنا من كون ثلاثة أصابع من أصابع المرأة فيها ثلاثون من الإبل، وأربعة أصابع من أصابعها فيها عشرون، لأن نفي الفارق المؤثر في نقص الأصابع المذكورة محقق يقينا، وإنما الفارق بينهما فارق مستوجب للزيادة، لأن الأربعة مجتمعة على الثلاثة مع زيادة أصبع، كما ترى. يعني يقول: أن نفي الفارق المؤثر في نقص الأصابع محقق، يعني ما الفرق أن تكون في ثلاثة أصابع ثلاثون من الإبل، فإذا بلغت أربع صارت أقل؟ وما الفرق؟ هذه أصبع فيها عشر، وهذه أصبع عشر، وهذه الثالثة فيها عشر، فكان الذي يعني ينبغي أن تكون في الرابعة أربعون من الإبل، ولا فرق بين هذه الأصبع وهذه الأصبع، فكان المقتضى أن تكون زيادة في الدية في العقل، فكيف قيل بأن في الأربع أقل من ذلك؟ وما يتعلق بالقياس سيأتي في بابه بتفاصيله إن شاء الله. صلى الله عليه وسلم عن نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.