التعليق على قصص الأنبياء للعلامة السعدي 58

التعليق على قصص الأنبياء للعلامة السعدي 58

الدرس في التعليق على قصص الأنبياء للعلامة السعدي 58، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

خصائص ملك سليمان عليه السلام وتمييزه عن نبينا محمد صلى الله عليه وسلم

كان تسخير الشياطين والريح لسليمان عليه السلام ملكاً خاصاً به استجابة لدعائه، بدليل ترك النبي صلى الله عليه وسلم ربط العفريت امتثالاً للآية الكريمة. كما كان سليمان نبياً ملكاً يتصرف في ملكه بالعدل، بخلاف نبينا محمد صلى الله عليه وسلم الذي هو عبد الله ورسوله دون ملك دنيوي.

تفرد معجزات سليمان عليه السلام الخارقة للأسباب الطبيعية

تميز ملك سليمان بسلطان عظيم لا تدركه الأسباب الطبيعية كإحضار عرش بلقيس في طرفة عين وتسخير الريح والجن والطير. هذه المعجزات تفوق اختراعات البشر الحديثة لأنها من تقدير الملك الوهاب لا من كسب الأسباب المادية.

الدروس المستفادة: اختبار الولاة وعدم الغرور بالعلوم الحديثة

ما وصل إليه البشر من اختراعات لا يبلغ ملك سليمان وما سخر الله له، ويجب على الملوك والرؤساء اختبار نوابهم عملياً وعلمياً كما اختبر سليمان ملكة سبأ. هذه السنة واجبة على كل ذي مسؤولية صغيرة كانت أم كبيرة لتبين صدق العقل ورجاحة الرأي.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. أما بعد، فما زلنا في ذكر الفوائد المستنبطة من قصة نبيي الله داود وسليمان. قال: ومنها أن تسخير الشياطين، وتسخير الريح على الوجه الذي سُخرت لسليمان، لا تكون لأحد بعد سليمان. لماذا؟ لأنه دعا بهذا الدعاء: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي﴾ [ص: 35]، فاستجاب الله له. قال: ولهذا لما رأى النبي صلى الله عليه وسلم أن يأخذ الشيطان الذي تفلت عليه ليلة فيربطه في سارية المسجد، قال: «ذكرت دعوة أخي سليمان فتركته». يشير إلى حديث أبي هريرة في الصحيحين. وذكر ذلك المعلق أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن عفريتًا من الجن تفلت علي البارحة ليقطع علي صلاتي». يعني رآه النبي صلى الله عليه وسلم، ويريد أن يلهي النبي عليه الصلاة والسلام عن صلاته، فيقطع عليه الصلاة، يعني يمر من بين يديه. قال: «فأمكنني الله منه»، يعني استطاع أن يمسكه، استطاع أن يمسك هذا الجن. قال: «فأخذته»، أخذ هذا الجن، «فأردت أن أربطه إلى سارية من سواري المسجد حتى تنظروا إليه كلكم». أراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يأخذه ويأتي في سارية، يربط هذا الجن، فيأتي الناس وينظرون إليه. قال: «فذكرت دعوة أخي سليمان: رب اغفر لي وهب لي ملكًا لا ينبغي لأحد من بعدي، فرده خاسئًا». يعني تركه وأطلق سراحه. وهذا فيه العمل بالعلم، وكذلك فيه وقوف النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم عند كتاب الله. وهذا معنى قول عائشة رضي الله عنها: «كان خلقه القرآن». يعني: ما من أمر أو نهي أو خلق أو أمر أو نهي إلا والنبي صلى الله عليه وسلم يمتثله، النبي صلى الله عليه وسلم يمتثله. ومن ذلك ما جاء في هذا الحديث: تذكر هذا الأمر الموجود في القرآن، فلم يربط هذا الجن امتثالًا لهذه الآية. قال: ومنها أن سليمان كان ملكًا نبيًا، مباح له أن يفعل ما يريد، يعني أن يفعل ما يريد مما ملكه تحت يديه، فيتصرف فيهم كيف يشاء، من أمرهم بأي عمل. لذلك قال الله عز وجل: ﴿يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ﴾ [سبأ: 13]. نعم، فدل ذلك على أن الله عز وجل كما أنه أعطاه النبوة، كذلك أعطاه الملك، يفعل في هذا الملك ما يريد. قال: ولكنه لكماله لا يريد إلا الخير والعدل. يعني: ما يأمر بالشر، وكذلك ما يأمر بالكفر أو الفسق أو العصيان، وإنما يأمر بالخير والعدل. قال: وهذا بخلاف النبي العبد. ومعنى النبي العبد: الذي لم يعطَ ملكًا، كنبينا محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فهو عبد الله ورسوله. قال: وهذا بخلاف النبي العبد، فإنه لا يكون له إرادة مستقلة، بل إرادته تابعة لمراد الله منه. يعني: يفعل فيما أعطي من النبوة ما أمره الله به، لا يتعدى ذلك. بخلاف سليمان، الله عز وجل سخر له من خلقه سبحانه وتعالى ما يتصرف فيهم بما يشاء من أمر، كما جاء في القرآن. قال: فلا يفعل ولا يترك إلا تبعًا للأمر، كحال نبينا محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم. قال: ومنها أن الله أعطى سليمان ملكًا عظيمًا فيه أمور لا يمكن أن تدرك بالأسباب. يعني: مثلا قصة ملكة سبأ، هل يمكن بالأسباب أن يؤتى بعرش من اليمن إلى الشام في طرفة عين؟ هذا لا يمكن. إيش معنى طرفة عين؟ يعني تفتح وتغمض عينك، ها، أو تغمض عينك وتفتح، يعني لحظة يسيرة، لحظة يسيرة. فسليمان وقع له ذلك، وقع له ذلك لأن الله عز وجل أعطاه ملكًا عظيمًا لا تدرك بالأسباب التي يكون بها وقوع الأشياء. قال: وإنما هي من تقدير الملك الوهاب. يعني: الله عز وجل سخر له ذلك وأعطاه ذلك، مثل تسخير الريح تبعًا لأمره، يعني يأمر الريح فتمتثل أمر سليمان. والريح فيها سرعة عظيمة هائلة، سرعة عظيمة هائلة. وتسخير الشياطين، الشياطين أيضًا من خصائصهم ماذا؟ من خصائصهم سرعة الانطلاق، سرعة الانطلاق. قال عفريت من الجن: ﴿أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ﴾ [النمل: 39]، قبل أن تقوم من مقامك، عطو، يعني قدرة على سرعة، سرعة الانطلاق. وكون جنود من الإنس والجن والطير، يعني أن الله عز وجل أعطاه من الجنود، وأن الطيور كانت تخدمه الخدمة العظيمة، يرسلها للجهات توصل منه الأخبار وتأتيه بأخبار تلك الجهات، كما وقع للهدهد، أتى له بخبر من اليمن. قال: وقد أعطاها الله من الفهم ومعرفة أحوال الآدميين، لأن هذا الهدهد خاطب سليمان بما يخاطب به الآدميون، ما يخاطب به الآدميون. قال له كما جاء في القرآن: ﴿إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ﴾ [النمل: 23]، يعني تكلم بما رآه. قال: ومعرفة أحوال الآدميين، ما قص الله علينا نبأه في هذه القصة. وكذلك الذي عنده علم من الكتاب حين استعد أن يأتيه بعرش ملكة سبأ قبل أن يرتد إليه طرفه. وهذه آيات أنبياء. فلهذا مهما بلغ الخلق في الترقي في علوم الطبيعة والمهارة بالمخترعات، فلن يصلوا إلى ما أعطيه سليمان. لأن قد يورد بعض الكفرة والمستشرقين، وأعداء هذا الدين، بعض الشبه. يقولون: أنتم تقولون إنه لن يؤتى أحد بعد سليمان ملك مثل ملكه. ها نحن في هذا العصر الحديث، هذه الطائرة في ساعة واحدة يمكن تصل من أماكن بعيدة إلى مكان آخر، وهذه الفضائيات، وهذا كذا وكذا، وهذه الاختراعات، وهذه الجوالات الآن، يعني جعلت العالم كالأسرة الواحدة، كالأسرة الواحدة. فهذه أمور يعني فيها من الأشياء التي لم تكن من قبل موجودة. فيقال لهم: مهما أتيتم من هذه العلوم، لن تبلغوا ملك سليمان. هل سخرت لكم الرياح؟ هل سخرت لكم الجن؟ هل سخرت لكم الطيور والحيوانات؟ ها، هل تستطيعون أن تأتوا بشيء في طرفة عين من اليمن إلى الشام؟ ما يستطيعون ذلك، ما يستطيعون ذلك. فلا يغالطون. نعم، هم وصلوا إلى بعض المخترعات وبعض الأشياء التي ربما يستبعدها الأوائل، لكن وإن بلغوا هذه المخترعات، لن يصلوا إلى شيء مما أعطي نبي الله سليمان عليه السلام. قال: ومنها أنه ينبغي للملوك والرؤساء أن يسألوا عن أحوال الأمراء والرؤساء والرجال المتميزين، ولا يكتفوا بمجرد السؤال، بل يختبرونهم، ويختبرون معرفتهم للأمور وعقولهم، كما فعل سليمان مع ملكة سبأ. امتحنها ليستدل على كمال عقلها ورجاحة عقلها، ولم يكتفِ بالسؤال. وهذا فيه للملوك فوائد عظيمة، وهم محتاجون لهذا شدة الحاجة. وتمام الملك أن يدير دفته الرجال الكاملون. هذه فائدة عظيمة، يا ليت الأمراء في هذا الزمان يفقهوها ويعلمونها، يفقهونها ويعلمونها. ينبغي للملوك والرؤساء أن يسأل عن أحوال الأمراء، ولا يكتفي بإدارة ما حوله. كان رئيسًا على بلد وله نواب وأمراء في بلاد أخرى، يسأل عنهم ويتطلع إلى أخبارهم. فهذا نبي الله سليمان أرسل إلى هذه الملكة، ما يأتي بخبرها، وما كذلك يكون سببًا في إسلامها، وفي استسلامها لأمر الله عز وجل. وهكذا لما جاءه الخبر من هذا الهدهد، وأنها امرأة عاقلة، وأنها امرأة رشيدة، ونحو ذلك، اختبرها: هل هذا الكلام صحيح أو لا؟ هل هذا الكلام صحيح أو لا؟ فنكر من عرشها لينظر ماذا سيكون جوابها. قال: ﴿نَكِّرُوا لَهَا عَرْشَهَا نَنْظُرْ أَتَهْتَدِي أَمْ تَكُونُ مِنَ الَّذِينَ لَا يَهْتَدُونَ﴾ [النمل: 41]. فلما قيل لها: هكذا عرشك؟ قالت: ﴿كَأَنَّهُ هُوَ﴾ [النمل: 42]. فعلم حينئذ صدق ما قيل فيها من رجاحة عقلها وذكائها وفطنتها، وفطنتها. فهكذا ينبغي للأمراء أن يختبروا نوابهم وعمالهم، وأن يضعوا أمامهم المسائل التي بها يختبروا رجاحة الشخص وذكائه، وذكائه، يختبروا رجاحة الشخص وذكائه، كما فعل نبي الله سليمان عليه السلام. فهذا أمر ينبغي أن يراعيه ولاة الأمر. ولا يعني يقتصر هذا الأمر على الوالي العام، لا، قد يكون حتى الوالي الخاص، والي على مدرسة، أو والي على طلبة، أو نحو ذلك، فيختبر عماله. يختبر كذلك من أمنهم على عمل ما. سوى كان الاختبار بالشيء العملي كما فعل سليمان عليه السلام، أو العلمي بالسؤال عن بعض المسائل، ومعرفة مدى فهم هذا المدرس أو ذاك الطالب أو نحو ذلك. فهذا أيضًا مما ينبغي أن يراعيه أهل المسؤوليات. وبهذا نكون قد انتهينا من هذه القصة، قصة نبيي الله داود وسليمان. وبعدها إن شاء الله تأتي قصة نبي الله أيوب عليه السلام، نؤجلها إن شاء الله إلى الدرس القادم. إلى هنا، والله تعالى أعلم. ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر