التعليق على قصص الأنبياء للعلامة السعدي 56

التعليق على قصص الأنبياء للعلامة السعدي 56

الدرس في التعليق على قصص الأنبياء للعلامة السعدي 56، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

فوائد قصة داود وسليمان: الجمع بين العبادة والدعوة وآداب الدخول

يستعرض المحور فوائد مستنبطة من قصة داود عليه السلام، مؤكداً وجوب جمع الداعية بين العبادات القاصرة كقيام الليل والمتعدية كالتعليم والحكم لتهذيب النفس. كما يبين آداب الاستئذان والدخول على الحكام والناس عموماً.

فوائد قصة داود وسليمان: حلم الحاكم وجواز شكوى المظلوم وقبول النصيحة

يوضح المحور ضرورة حلم الحاكم وصبره على سوء أدب الخصوم، ويقرر جواز قول المظلوم (أنت ظلمتني) عند القاضي لاستخراج حقه. ويختتم بوجوب قبول المنصوح للنصيحة بشكر وعدم الغضب أو الشمئزاز منها.

أهمية قبول النصيحة ومفاسد الشراكات الدنيوية ولطف الله بداوود وسليمان

يؤكد المحور على وجوب فرح المؤمن بالنصيحة وقبولها لتصحيح العيوب مستشهداً بقول النبي ﷺ: "المؤمن مرآة أخيه". كما يحذر من المخالطات المالية والشراكات الدنيوية المورثة للعداوة، مستدلاً بالآية الكريمة، ويبين كرم الله ولطفه بداوود وسليمان عليهما السلام بمغفرة الذنب وأثره عن التائب الصادق.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد، فمعزلنا في ذكر الفوائد المستنبطة من قصة نبي الله داود وسليمان. قال المؤلف رحمه الله الشيخ العلامة عبد الرحمن بن ناصر السعدي: ومنها أن داود في أغلب أوقاته ملازماً محرابه لخدمة ربه، وله وقت يجلس فيه لحوائج الخلق، فقد أتم القيام بحق الله وحق عباده. وهذا فيه أن الداعي إلى الله عز وجل ينبغي أن يجمع بين الأمرين: بين العبادة والقيام بما أوجب الله سبحانه وتعالى والإكثار من القربات والطاعات، والأمر الآخر هو القيام بحقوق العباد. فلا يكن الداعي إلى الله عز وجل مثل الشمعة تحرق نفسها لتضيء لغيرها، بل ينفع الناس وينتبه لنفسه، لا يهمل جانب العبادة وجانب التقرب إلى الله عز وجل. وكما أنه يحكم بين الناس ويعلم الناس ويدعو إلى الله، فهو بحاجة إلى أن يكون له حظ من قيام الليل مثلاً، أو من صيام النافلة، أو من قراءة القرآن. فلا تقل: هذه عبادات قاصرة، وتعليم الناس عبادات متعدية، فينبغي عليك أن تجمع بين الأمرين؛ فإنك لا تستطيع أن تقوم بالعبادات المتعدية إلا إذا ربيت نفسك وهيأتها لهذا المقام العظيم، ولا يكون ذلك إلا بالإقبال على عبادة الله عز وجل. ولذلك قال الله عز وجل مخاطباً نبيه: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ * قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا * نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا * أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا * إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا﴾. ففي أول الآيات أمر الله عز وجل نبيه بالإكثار من العبادات كقيام الليل وقراءة القرآن، وهذه كلها عبادات قاصرة، عبادات قاصرة، فكل هذه تهيئ لماذا؟ ﴿إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا﴾. ﴿إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا﴾. فإذا لا بد من الجمع بين الأمرين للداعية إلى الله عز وجل: بين العبادات القاصرة والعبادات المتعدية. فإذا تعارض الأمران فلا بأس أن تقدم العبادات المتعدية لأن أجرها أعظم، لكن لا يكن كل وقتك وكل جهدك في العبادات المتعدية وتهمل العبادات القاصرة، فهي سبب لبناء النفس وتزكيتها وتحملها وتوفيق الله عز وجل لك. فهذا هي الفائدة التي أرادها المؤلف رحمه الله. وهكذا كان أنبياء الله، وهكذا كان أنبياء الله ورسله. انظر إلى نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، كان من أعبد الناس، كان يقوم من الليل حتى تتفطر قدماه، كان يصوم حتى يقال إنه لا يفطر، عبادة وتقرب إلى الله عز وجل، ومع هذا كان متحملاً لأعباء الدعوة ونشر العلم والجهاد في سبيل الله، فكل هذه أيضاً من العبادات المتعدية، فجمع عليه الصلاة والسلام بين الأمرين. وكذلك ينبغي أن يكون المسلم، فقبيح بطالب العلم أن يعتني بالعبادات المتعدية ويهمل العبادات اللازمة. قال: ومنها أنه ينبغي استعمال الأدب في الدخول على الناس، خصوصاً الحكام والرؤساء، فإن الخصمين لما دخلا على داود في حالة غير معتادة ومن غير الباب، فزع منهما واشتد عليه ذلك، ورآه غير لائق بالحال. وهكذا ينبغي أن يكون المسلم يتأدب بآداب الإسلام، ومن آداب الإسلام الاستئذان في الدخول. إذا أردت أن تدخل بيتاً لا بد أن تستأذن وتسلم على أهله، كما أمر الله عز وجل بذلك: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا﴾، أي تستأذنوا وتسلموا على أهلها. هذا في عموم الناس، ففي العلماء والحكام والرؤساء والوجهاء من باب أولى، من باب أولى. فلذلك في هذه القصة لما دخل الخصمان على داود من غير استئذان فزع منهما، وهذه عاقبة قلة الأدب وسوء الأدب. إنسان آمن في بيته فما يشعر إلا وأنت أمامه على أي حال وفي أي وقت، هذا خطأ، هذا خطأ، فيجب الاستئذان، يجب الاستئذان. نعم. قال: ومنها أنه لا يمنع الحاكم من الحكم بالحق سوء أدب الخصم وفعله ما لا ينبغي، فيتحمل ذلك ولا يغضب فيترك الحكم بين المتخاصمين، لأن عاقبة هذا الترك أعظم مفسدة من لو... يعني يعني يرد الحكم أو لم يغض بينهما، لم يغض بينهما، فلا يغضب الحاكم إن أساء المحكوم عليه الأدب، لا يغضب ويترك، وإنما يصبر ويحكم بالحق. قال: ومنها كمال حلم داود، فإنه ما غضب منهما حين جاءاه لغير استئذان، ولم يهرهما ولا وبخهما، ولم يهرهما ولا وبخهما. وهذا هو الحلم: الحلم أنك تستطيع على الانتقام ممن آذاك وممن أساء إليك، ومع هذا تصرف النظر عن ذلك وتبتعد عن الانتقام مع القدرة، هذا هو الحلم. فداوود كان عالماً قاضياً حاكماً، يستطيع أن يردهما، يستطيع أن ينهرهما، يستطيع أن يطردهما من بيته، ولكنه الحلم، فهو خلق من الأخلاق التي دعا إليها الإسلام: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾، وأعرض عن الجاهلين. فهكذا ينبغي أن يكون المسلم، قد يأتيك الجاهل فيستفزك ويغضبك، وربما يختبر حلمك وصبرك، فكن حليماً صبوراً عاقلاً متأدباً، فلا تستفز ولا تستغضب، لا تستغضب لأنك تعلم أجر الصبر على الأذى والحلم والعفو ونحو ذلك. قال: ومنها جواز قول المظلوم لمن ظلمه: "أنت ظلمتني" أو "يا ظالم" ونحوه، أو "يا باغي"، لقوله: ﴿بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ﴾، والبغي هو الظلم، البغي هو الظلم. فلا بأس أن تأتي عند الحاكم تقول: هذا ظلمني، هذا بغى علي، هذا ليس من... يعني ماذا؟ هذا ليس من سوء الأدب، بل من بيان الواقع وبيان الحال حتى يحكم القاضي بحكمه، يحكم القاضي بحكمه. بل لو كان غائباً خصمك يجوز لك في هذه الحالة أن تبين للحاكم حال هذا الرجل، كأن تقول: هو كذاب، هو ظالم، لأنه ما قلت هذا من أجل حظ نفسك، وإنما من أجل إخراج الحق، فهذا مما استثني من الغيبة والقدح، ليس بغيبة في ستة: متظلم، ومعرف، ومحذر، ومجاهر فسق، ومستفت، ومن طلب الإعانة على إزالة منكر. فإذا كنت متظلماً وقدحت في من ظلمك فهذا لا شيء فيه، هذا لا شيء فيه، بل وإن كان موجوداً فهذا ليس من سوء الأدب، وإنما هو من بيان الحال واستخراج الحقوق، واستخراج الحقوق. قال: ومنها أن المنصوح، ولو كان كبيراً قدراً، كثير العلم، عليه أن لا يغضب ولا يشمئز، بل يبادر بقبول النصيحة والشكر لمن نصح، ويحمد الله إذ قيض له النصيح على يد الناصح. فإن داود لم يشمئز من قول الخصمين: ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَلَا تُشْطِطْ﴾، لا تشطط يعني لا تحيد وتميل عن الحق وتظلم. قال: جئت عنده واحد، قلت له: يا أخي احكم بيني، لكن احكم بالحق ولا تظلم. ربما يغضب: "أيش أنا أحكم بالباطل حتى تقول لي احكم بالحق؟" وربما يشمئز، وربما يغضب لأنه قيل له كذلك. فالمسلم إذا وجهت له النصيحة لا يغضب، بل يفرح، يفرح لمن قدم له النصيحة، يفرح بذلك. نعم، فالدين النصيحة، ويقول له: جزاك الله خير على هذا. فهذا داود قالوا له: ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَلَا تُشْطِطْ وَاهْدِنَا إِلَى سَوَاءِ الصِّرَاطِ﴾، بل حكم بالحق الصرف، يعني الخالص، الصرف يعني الخالص الذي ما فيه أدنى باطل، ما فيه أدنى باطل، كما مر معنا في هذه القصة. والآن الناس يشمئزون من النصيحة، وهذه مصيبة وجهل، مصيبة وجهل. بل ينبغي عليك أن تقول: رحم الله من أهدى إلي عيوبي. إذا نصحك الناصح بأمر هو فيك، حتى لو لم يكن هذا الأمر فيك، تقول: لا، جزاك الله خير، نسأل الله أن يعافينا وإياك، جزاك الله خير، كرر النصيحة إذا رأيت أي خطأ، إذا رأيت أي زلل، إذا رأيت أي عوج، قوم هذا العوج، جزاك الله خير. تفرح بالنصيحة، تفرح بالنصيحة. هب أن الناس يهابون نصيحتك ولا يستطيع أحد أن ينصحك، أنت بشر، أنت بشر، هل تسلم من الخطأ؟ فيترك الناس نصيحتك لأنك ما تقبل النصيحة وتغضب، نصحوك أول مرة غضبت، ثاني مرة غضبت، قالوا: خلاص هذا لا فائدة في نصيحته، تركوه، فتتراكم عليك الأخطاء وأنت لا تراها، لأن الواحد ما يرى عيوب نفسه. لذلك صح عنه عليه الصلاة والسلام قال: "المؤمن مرآة أخيه". المؤمن مرآة أخيه. الآن لو في جبهتك أذى، جبهتك أذى مثلاً، يعني ورقة، أو مثلاً يعني شيء من... يعني أذى الطيور مثلاً، جاء طير ووضع لك أذاه في جبهتك، هل ستراه؟ ما ستراه. لكن أخوك الذي أمامك يراه، يقول لك: فيك هنا شيء، امسحه، أو فيك ورقة، أو فيك خوصة، أو فيك يعني شيء من الأذى، فأنت تسعى في إزالته. وهكذا في العيوب المعنوية، في العيوب المعنوية: أنت مثلاً عندك تفريط مثلاً في طلب العلم، أنت ترى نفسك أنك مجتهد، ربما، لكن إخوانك يرون أنك مفرط، تنام عن الدروس، ما ترتب وقتك، ما تحفظ يعني مقررات المركز. فإذا نصحت لا تأخذك العزة بالإثم، تفرح، تصحح هذا الخلل عندك. تقصير مثلاً في صلاة الجماعة وأنت غافل عن ذلك، أنت غافل، فإذا نصحت تفرح بهذه النصيحة وتصحح هذا الخطأ، وهكذا في غيرها من الأخطاء. فالمؤمن الحق هو الذي يفرح بالنصيحة، يفرح بها النصيحة. وأنا أحب من ينصحني، يقول لك: يا فلان عندك كذا وكذا، جزاك الله خير. أراك مثلاً مشغول بالجوال، وخير لك أن تشغل بالقرآن، يقول لك: جزاك الله خير، ما تأخذك العزة بالإثم وترد هذه النصيحة. فهؤلاء أنبياء، وهم أنبياء يوحى إليهم، ينصحون بهذه النصيحة، فلم يغضبوا ولم يردوا ولم يشمئزوا من هذه النصيحة، فلنقتد بهؤلاء: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ﴾. قال: ومنها أن المخالطة بين الأقارب والأصحاب والمعاملين، وكثرة التعلقات الدنيوية المالية، موجبة للتعادي، وبغي بعضهم على بعض، وأنه لا... وأنه لا يرد عن هذا الداء العضال إلا التقوى والصبر بالإيمان والعمل الصالح. وإن هذا من أكثر شيء في الناس: الشراكات هذه والمخالطات الدنيوية، الواقع يثبت، الواقع يثبت أنها سبب للخصومات، سبب للخصومات والتعادي بين الناس. فلان متخاصم في المحكمة مع فلان لأنه كان شريكه، كان شريكه في العمل. فلان فلان متخاصم مع فلان لأن بينهم إرث، هذا الإرث وسبب هذه الخصومة. فلان متخاصم متعادي مع فلان لأنه كان مديراً لشركته أو كان عاملاً في دكانه أو نحو ذلك. فهذه التعلقات المالية وهذه المخالطات الدنيوية توجب هذه العداوة، كما في الآية، قال في الآية كما مر معنا: ﴿إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ * قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾. يعني الشركاء، الشركاء. ولذلك كثير من التجار لا يحبذ الشراكة مع غيره لأن فيها الخصومات والتعادي والبغي، وتدخل الطمع، يدخل الطمع، وكذلك حب الدنيا، ربما كل واحد يعني يخطط للآخر أن يزيله أو أن يزيحه عن هذه الشراكة، فتحصل الخيانات، وتحصل كذلك الظنون السيئة. وهذا واقع، أكثر من واحد إذا قيل له: فلان يحتاج إلى شريك، يقول له: الشراكة مشاكل، كلها مشاكل، الشراكة. نعم، هذا نص الآية: ﴿وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾، خصوصاً مع قلة الدين والإيمان والوازع الديني، وقلة الأعمال الصالحة. ولذلك ماذا قال الله عز وجل في هذه الآية مستثنياً؟ قال: ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَا هُمْ﴾، يعني هذا الصنف قليل، هذا في ذاك الزمان، فكيف بزماننا هذا مع بعد الناس عن العلم وعن التقوى وعن الإيمان وعن الأعمال الصالحة؟ فصدق الله عز وجل فيما أخبر به في هذا العلم. فيحرص المؤمن قدر المستطاع أن يبتعد عن الشراكات هذه وعن الاختلاطات الدنيوية المالية. نعم، فربما تكون سبباً في معاداتك لخصمك أو لشريكك، فاحذر من ذلك. قال: ومنها، أي من هذه الفوائد، إكرام الله لداود وسليمان بالزلفة عنده وحسن المآب، كما هو نص الآية: ﴿وَإِنَّهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ﴾. قال: فلا يتوهم أحد أن ما جرى منهما منقص لدرجته ما عند الله، وهذا من تمام لطفه بعباده المخلصين أنه إذا غفر لهم وأزال عنهم أثر الذنوب، أزال الآثار المترتبة عليها، حتى ما يقع في قلوب الخلق، وما ذلك على فضل الكريم بعزيز. وهذا من لطفه وكرمه سبحانه وتعالى ورحمته بعباده، أن العبد إذا أذنب وأخطأ ثم صدق في توبته ورجوعه إلى الله، محا الله عز وجل عنه الذنب، وعامله معاملة من لا ذنب له. سبحان الله! بخلاف... بخلاف الخلق: الآن لو تخاصمت مع شخص، أخطأت عليه، أخطأت على هذا الشخص، ثم عفوت عنه لأنه أخطأ عليك، عفوت عنه، هل ستكون معاملتك له مثل المعاملة قبل أن يخطأ عليك؟ أبداً، وإن اصطلحتم فسيكون هناك شيء من الانقباض، وشيء من كذلك، وشيء كذلك من عدم الانبساط، فما ترجع العلاقة مثل ما كانت من قبل. أما الرب الرحيم الغفور الرؤوف بعباده، فإذا تاب العبد وأخلص في توبته وأناب إلى الله، فإن الله سبحانه وتعالى يزيل عنه الذنب، ويزيل عنه أثر الذنب، والأشياء المترتبة على هذا الذنب، على هذا الذنب. فداود وسليمان وقعا في شيء مما يقع فيه البشر، فرجعا إلى الله كما هو متقدم معنا في قصته، ما... والله سبحانه وتعالى مع ذلك أكرمهما وأعطاهما من النعم الشيء الكثير. فسليمان عليه السلام أعطاه ملكاً لا ينبغي لأحد من بعده، بعدما وقع منه من الالتهاء بالصافنات الجياد ونحو ذلك، كما هو في قصته. وكذلك داود استغفر ربه وأناب، وقدم معنا تفسير هذه الآية، ومع ذلك فإن الله عز وجل أكرمه بالحكمة والعلم والحكم بين الناس ونحو ذلك. فهذا فيه هذا المعنى الذي استنبطه المؤلف رحمه الله من قصة هذين النبيين. وبقية الفوائد إن شاء الله نكملها في درس قادم. إلى هنا والله تعالى أعلمالحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد، فمعزلنا في ذكر الفوائد المستنبطة من قصة نبي الله داود وسليمان. قال المؤلف رحمه الله الشيخ العلامة عبد الرحمن بن ناصر السعدي: ومنها أن داود في أغلب أوقاته ملازماً محرابه لخدمة ربه، وله وقت يجلس فيه لحوائج الخلق، فقد أتم القيام بحق الله وحق عباده. وهذا فيه أن الداعي إلى الله عز وجل ينبغي أن يجمع بين الأمرين: بين العبادة والقيام بما أوجب الله سبحانه وتعالى والإكثار من القربات والطاعات، والأمر الآخر هو القيام بحقوق العباد. فلا يكن الداعي إلى الله عز وجل مثل الشمعة تحرق نفسها لتضيء لغيرها، بل ينفع الناس وينتبه لنفسه، لا يهمل جانب العبادة وجانب التقرب إلى الله عز وجل. وكما أنه يحكم بين الناس ويعلم الناس ويدعو إلى الله، فهو بحاجة إلى أن يكون له حظ من قيام الليل مثلاً، أو من صيام النافلة، أو من قراءة القرآن. فلا تقل: هذه عبادات قاصرة، وتعليم الناس عبادات متعدية، فينبغي عليك أن تجمع بين الأمرين؛ فإنك لا تستطيع أن تقوم بالعبادات المتعدية إلا إذا ربيت نفسك وهيأتها لهذا المقام العظيم، ولا يكون ذلك إلا بالإقبال على عبادة الله عز وجل. ولذلك قال الله عز وجل مخاطباً نبيه: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ * قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا * نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا * أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا * إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا﴾. ففي أول الآيات أمر الله عز وجل نبيه بالإكثار من العبادات كقيام الليل وقراءة القرآن، وهذه كلها عبادات قاصرة، عبادات قاصرة، فكل هذه تهيئ لماذا؟ ﴿إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا﴾. ﴿إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا﴾. فإذا لا بد من الجمع بين الأمرين للداعية إلى الله عز وجل: بين العبادات القاصرة والعبادات المتعدية. فإذا تعارض الأمران فلا بأس أن تقدم العبادات المتعدية لأن أجرها أعظم، لكن لا يكن كل وقتك وكل جهدك في العبادات المتعدية وتهمل العبادات القاصرة، فهي سبب لبناء النفس وتزكيتها وتحملها وتوفيق الله عز وجل لك. فهذا هي الفائدة التي أرادها المؤلف رحمه الله. وهكذا كان أنبياء الله، وهكذا كان أنبياء الله ورسله. انظر إلى نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، كان من أعبد الناس، كان يقوم من الليل حتى تتفطر قدماه، كان يصوم حتى يقال إنه لا يفطر، عبادة وتقرب إلى الله عز وجل، ومع هذا كان متحملاً لأعباء الدعوة ونشر العلم والجهاد في سبيل الله، فكل هذه أيضاً من العبادات المتعدية، فجمع عليه الصلاة والسلام بين الأمرين. وكذلك ينبغي أن يكون المسلم، فقبيح بطالب العلم أن يعتني بالعبادات المتعدية ويهمل العبادات اللازمة. قال: ومنها أنه ينبغي استعمال الأدب في الدخول على الناس، خصوصاً الحكام والرؤساء، فإن الخصمين لما دخلا على داود في حالة غير معتادة ومن غير الباب، فزع منهما واشتد عليه ذلك، ورآه غير لائق بالحال. وهكذا ينبغي أن يكون المسلم يتأدب بآداب الإسلام، ومن آداب الإسلام الاستئذان في الدخول. إذا أردت أن تدخل بيتاً لا بد أن تستأذن وتسلم على أهله، كما أمر الله عز وجل بذلك: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا﴾، أي تستأذنوا وتسلموا على أهلها. هذا في عموم الناس، ففي العلماء والحكام والرؤساء والوجهاء من باب أولى، من باب أولى. فلذلك في هذه القصة لما دخل الخصمان على داود من غير استئذان فزع منهما، وهذه عاقبة قلة الأدب وسوء الأدب. إنسان آمن في بيته فما يشعر إلا وأنت أمامه على أي حال وفي أي وقت، هذا خطأ، هذا خطأ، فيجب الاستئذان، يجب الاستئذان. نعم. قال: ومنها أنه لا يمنع الحاكم من الحكم بالحق سوء أدب الخصم وفعله ما لا ينبغي، فيتحمل ذلك ولا يغضب فيترك الحكم بين المتخاصمين، لأن عاقبة هذا الترك أعظم مفسدة من لو... يعني يعني يرد الحكم أو لم يغض بينهما، لم يغض بينهما، فلا يغضب الحاكم إن أساء المحكوم عليه الأدب، لا يغضب ويترك، وإنما يصبر ويحكم بالحق. قال: ومنها كمال حلم داود، فإنه ما غضب منهما حين جاءاه لغير استئذان، ولم يهرهما ولا وبخهما، ولم يهرهما ولا وبخهما. وهذا هو الحلم: الحلم أنك تستطيع على الانتقام ممن آذاك وممن أساء إليك، ومع هذا تصرف النظر عن ذلك وتبتعد عن الانتقام مع القدرة، هذا هو الحلم. فداود كان عالماً قاضياً حاكماً، يستطيع أن يردهما، يستطيع أن ينهرهما، يستطيع أن يطردهما من بيته، ولكنه الحلم، فهو خلق من الأخلاق التي دعا إليها الإسلام: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾، وأعرض عن الجاهلين. فهكذا ينبغي أن يكون المسلم، قد يأتيك الجاهل فيستفزك ويغضبك، وربما يختبر حلمك وصبرك، فكن حليماً صبوراً عاقلاً متأدباً، فلا تستفز ولا تستغضب، لا تستغضب لأنك تعلم أجر الصبر على الأذى والحلم والعفو ونحو ذلك. قال: ومنها جواز قول المظلوم لمن ظلمه: "أنت ظلمتني" أو "يا ظالم" ونحوه، أو "يا باغي"، لقوله: ﴿بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ﴾، والبغي هو الظلم، البغي هو الظلم. فلا بأس أن تأتي عند الحاكم تقول: هذا ظلمني، هذا بغى علي، هذا ليس من... يعني ماذا؟ هذا ليس من سوء الأدب، بل من بيان الواقع وبيان الحال حتى يحكم القاضي بحكمه، يحكم القاضي بحكمه. بل لو كان غائباً خصمك يجوز لك في هذه الحالة أن تبين للحاكم حال هذا الرجل، كأن تقول: هو كذاب، هو ظالم، لأنه ما قلت هذا من أجل حظ نفسك، وإنما من أجل إخراج الحق، فهذا مما استثني من الغيبة والقدح، ليس بغيبة في ستة: متظلم، ومعرف، ومحذر، ومجاهر فسق، ومستفت، ومن طلب الإعانة على إزالة منكر. فإذا كنت متظلماً وقدحت في من ظلمك فهذا لا شيء فيه، هذا لا شيء فيه، بل وإن كان موجوداً فهذا ليس من سوء الأدب، وإنما هو من بيان الحال واستخراج الحقوق، واستخراج الحقوق. قال: ومنها أن المنصوح، ولو كان كبيراً قدراً، كثير العلم، عليه أن لا يغضب ولا يشمئز، بل يبادر بقبول النصيحة والشكر لمن نصح، ويحمد الله إذ قيض له النصيح على يد الناصح. فإن داود لم يشمئز من قول الخصمين: ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَلَا تُشْطِطْ﴾، لا تشطط يعني لا تحيد وتميل عن الحق وتظلم. قال: جئت عنده واحد، قلت له: يا أخي احكم بيني، لكن احكم بالحق ولا تظلم. ربما يغضب: "أيش أنا أحكم بالباطل حتى تقول لي احكم بالحق؟" وربما يشمئز، وربما يغضب لأنه قيل له كذلك. فالمسلم إذا وجهت له النصيحة لا يغضب، بل يفرح، يفرح لمن قدم له النصيحة، يفرح بذلك. نعم، فالدين النصيحة، ويقول له: جزاك الله خير على هذا. فهذا داود قالوا له: ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَلَا تُشْطِطْ وَاهْدِنَا إِلَى سَوَاءِ الصِّرَاطِ﴾، بل حكم بالحق الصرف، يعني الخالص، الصرف يعني الخالص الذي ما فيه أدنى باطل، ما فيه أدنى باطل، كما مر معنا في هذه القصة. والآن الناس يشمئزون من النصيحة، وهذه مصيبة وجهل، مصيبة وجهل. بل ينبغي عليك أن تقول: رحم الله من أهدى إلي عيوبي. إذا نصحك الناصح بأمر هو فيك، حتى لو لم يكن هذا الأمر فيك، تقول: لا، جزاك الله خير، نسأل الله أن يعافينا وإياك، جزاك الله خير، كرر النصيحة إذا رأيت أي خطأ، إذا رأيت أي زلل، إذا رأيت أي عوج، قوم هذا العوج، جزاك الله خير. تفرح بالنصيحة، تفرح بالنصيحة. هب أن الناس يهابون نصيحتك ولا يستطيع أحد أن ينصحك، أنت بشر، أنت بشر، هل تسلم من الخطأ؟ فيترك الناس نصيحتك لأنك ما تقبل النصيحة وتغضب، نصحوك أول مرة غضبت، ثاني مرة غضبت، قالوا: خلاص هذا لا فائدة في نصيحته، تركوه، فتتراكم عليك الأخطاء وأنت لا تراها، لأن الواحد ما يرى عيوب نفسه. لذلك صح عنه عليه الصلاة والسلام قال: "المؤمن مرآة أخيه". المؤمن مرآة أخيه. الآن لو في جبهتك أذى، جبهتك أذى مثلاً، يعني ورقة، أو مثلاً يعني شيء من... يعني أذى الطيور مثلاً، جاء طير ووضع لك أذاه في جبهتك، هل ستراه؟ ما ستراه. لكن أخوك الذي أمامك يراه، يقول لك: فيك هنا شيء، امسحه، أو فيك ورقة، أو فيك خوصة، أو فيك يعني شيء من الأذى، فأنت تسعى في إزالته. وهكذا في العيوب المعنوية، في العيوب المعنوية: أنت مثلاً عندك تفريط مثلاً في طلب العلم، أنت ترى نفسك أنك مجتهد، ربما، لكن إخوانك يرون أنك مفرط، تنام عن الدروس، ما ترتب وقتك، ما تحفظ يعني مقررات المركز. فإذا نصحت لا تأخذك العزة بالإثم، تفرح، تصحح هذا الخلل عندك. تقصير مثلاً في صلاة الجماعة وأنت غافل عن ذلك، أنت غافل، فإذا نصحت تفرح بهذه النصيحة وتصحح هذا الخطأ، وهكذا في غيرها من الأخطاء. فالمؤمن الحق هو الذي يفرح بالنصيحة، يفرح بها النصيحة. وأنا أحب من ينصحني، يقول لك: يا فلان عندك كذا وكذا، جزاك الله خير. أراك مثلاً مشغول بالجوال، وخير لك أن تشغل بالقرآن، يقول لك: جزاك الله خير، ما تأخذك العزة بالإثم وترد هذه النصيحة. فهؤلاء أنبياء، وهم أنبياء يوحى إليهم، ينصحون بهذه النصيحة، فلم يغضبوا ولم يردوا ولم يشمئزوا من هذه النصيحة، فلنقتد بهؤلاء: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ﴾. قال: ومنها أن المخالطة بين الأقارب والأصحاب والمعاملين، وكثرة التعلقات الدنيوية المالية، موجبة للتعادي، وبغي بعضهم على بعض، وأنه لا... وأنه لا يرد عن هذا الداء العضال إلا التقوى والصبر بالإيمان والعمل الصالح. وإن هذا من أكثر شيء في الناس: الشراكات هذه والمخالطات الدنيوية، الواقع يثبت، الواقع يثبت أنها سبب للخصومات، سبب للخصومات والتعادي بين الناس. فلان متخاصم في المحكمة مع فلان لأنه كان شريكه، كان شريكه في العمل. فلان فلان متخاصم مع فلان لأن بينهم إرث، هذا الإرث وسبب هذه الخصومة. فلان متخاصم متعادي مع فلان لأنه كان مديراً لشركته أو كان عاملاً في دكانه أو نحو ذلك. فهذه التعلقات المالية وهذه المخالطات الدنيوية توجب هذه العداوة، كما في الآية، قال في الآية كما مر معنا: ﴿إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ * قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾. يعني الشركاء، الشركاء. ولذلك كثير من التجار لا يحبذ الشراكة مع غيره لأن فيها الخصومات والتعادي والبغي، وتدخل الطمع، يدخل الطمع، وكذلك حب الدنيا، ربما كل واحد يعني يخطط للآخر أن يزيله أو أن يزيحه عن هذه الشراكة، فتحصل الخيانات، وتحصل كذلك الظنون السيئة. وهذا واقع، أكثر من واحد إذا قيل له: فلان يحتاج إلى شريك، يقول له: الشراكة مشاكل، كلها مشاكل، الشراكة. نعم، هذا نص الآية: ﴿وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾، خصوصاً مع قلة الدين والإيمان والوازع الديني، وقلة الأعمال الصالحة. ولذلك ماذا قال الله عز وجل في هذه الآية مستثنياً؟ قال: ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَا هُمْ﴾، يعني هذا الصنف قليل، هذا في ذاك الزمان، فكيف بزماننا هذا مع بعد الناس عن العلم وعن التقوى وعن الإيمان وعن الأعمال الصالحة؟ فصدق الله عز وجل فيما أخبر به في هذا العلم. فيحرص المؤمن قدر المستطاع أن يبتعد عن الشراكات هذه وعن الاختلاطات الدنيوية المالية. نعم، فربما تكون سبباً في معاداتك لخصمك أو لشريكك، فاحذر من ذلك. قال: ومنها، أي من هذه الفوائد، إكرام الله لداود وسليمان بالزلفة عنده وحسن المآب، كما هو نص الآية: ﴿وَإِنَّهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ﴾. قال: فلا يتوهم أحد أن ما جرى منهما منقص لدرجته ما عند الله، وهذا من تمام لطفه بعباده المخلصين أنه إذا غفر لهم وأزال عنهم أثر الذنوب، أزال الآثار المترتبة عليها، حتى ما يقع في قلوب الخلق، وما ذلك على فضل الكريم بعزيز. وهذا من لطفه وكرمه سبحانه وتعالى ورحمته بعباده، أن العبد إذا أذنب وأخطأ ثم صدق في توبته ورجوعه إلى الله، محا الله عز وجل عنه الذنب، وعامله معاملة من لا ذنب له. سبحان الله! بخلاف... بخلاف الخلق: الآن لو تخاصمت مع شخص، أخطأت عليه، أخطأت على هذا الشخص، ثم عفوت عنه لأنه أخطأ عليك، عفوت عنه، هل ستكون معاملتك له مثل المعاملة قبل أن يخطأ عليك؟ أبداً، وإن اصطلحتم فسيكون هناك شيء من الانقباض، وشيء من كذلك، وشيء كذلك من عدم الانبساط، فما ترجع العلاقة مثل ما كانت من قبل. أما الرب الرحيم الغفور الرؤوف بعباده، فإذا تاب العبد وأخلص في توبته وأناب إلى الله، فإن الله سبحانه وتعالى يزيل عنه الذنب، ويزيل عنه أثر الذنب، والأشياء المترتبة على هذا الذنب، على هذا الذنب. فداود وسليمان وقعا في شيء مما يقع فيه البشر، فرجعا إلى الله كما هو متقدم معنا في قصته، ما... والله سبحانه وتعالى مع ذلك أكرمهما وأعطاهما من النعم الشيء الكثير. فسليمان عليه السلام أعطاه ملكاً لا ينبغي لأحد من بعده، بعدما وقع منه من الالتهاء بالصافنات الجياد ونحو ذلك، كما هو في قصته. وكذلك داود استغفر ربه وأناب، وقدم معنا تفسير هذه الآية، ومع ذلك فإن الله عز وجل أكرمه بالحكمة والعلم والحكم بين الناس ونحو ذلك. فهذا فيه هذا المعنى الذي استنبطه المؤلف رحمه الله من قصة هذين النبيين. وبقية الفوائد إن شاء الله نكملها في درس قادم. إلى هنا والله تعالى أعلم.