الدرس في التعليق على قصص الأنبياء للعلامة السعدي 54، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
ابتلاء الله لسليمان عليه السلام بإلقاء شيطان على كرسيه دفعه للتوبة والدعاء بالملك العظيم، ثم تميز فهمه في قضية نفش الغنم في الحرث حيث حكم برد الغنم لصاحبها وإلزام راعيها بإصلاح الحرث حتى يعود كما كان. وقد أثنى الله على هذا الحكم بقوله ﴿ففهمناها سليمان﴾.
اختصمت امرأتان في ولد حي بعد أن أكل الذئب ابن الأخرى، فحكم داود للكبرى اجتهاداً ورحمة، ثم رفع الأمر إلى سليمان فأمر بشق الولد نصفين لكشف الأم الحقيقية برحمتها، فتنازلت الكبرى عن حقها لإنقاذ حياة الطفل فدل ذلك على أنها الأم الحقيقية. تكررت الرواية في المقاطع مع تأكيد تفوق حكم سليمان في إظهار الحق.
يشير المقطع إلى وسائل الطب الحديثة كالفحوصات الجينية وفصيلة الدم كحلول معاصرة لقضايا التنازع على النسب، مع ذكر قصة جانبية عن طفل أكله الذئب في البادية. تُظهر هذه الإشارة التكامل بين الشرع والعلم في تحقيق العدالة.
الحمد لله حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، فمجلسنا في ذكر قصة نبي الله سليمان عليه السلام. قال: وكان الله قد ابتلى سليمان، وألقى على كرسيه جسدا، أي: شيطانا. وهذا قبل أن يؤتى الملك العظيم الذي دعا به بعد هذا الأمر. فالمراد بالجسد هنا: أي شيطان، كما جاء عن المفسرين: أي شيطانا عتابا له على بعض الهفوات، وإرجاعا له إلى كمال الخضوع لربه. وهذا فيه أن الأنبياء قد يقعون في بعض الهفوات، لكن ليست من الهفوات في إبلاغ الرسالة، وإنما ما يقع من البشر من بعض الزلات أو الهفوات. وأيضا ابتلي بهذا إرجاعا له إلى كمال الخضوع لربه. وهذا فيه أن الهفوة أو الزلة من العبد قد تكون خيرا لصاحبها، فتكون سببا في رجوعه إلى الله وإنابته وتضرعه ودعائه لربه، فهذه عبادات جليلة، ما الذي سبب في إتيان العبد لها؟ هذه الهفوة أو الزلة، كما ذكر ابن القيم عليه رحمة الله: أن العبد إذا عصى ورجع وأناب، فهذا الرجوع والإنابة أحب إلى الله عز وجل من عدم إنابة هذا العبد قبل المعصية. قال: ولهذا قال تعالى: ﴿رب اغفر لي وهب لي ملكا لا ينبغي لأحد من بعدي إنك أنت الوهاب﴾. فهذه الآية والتي قبلها فيها دليل على أن هذا الابتلاء كان قبل هذا الملك العظيم الذي أعطاه الله عز وجل لسليمان، لأنه في الآية تقدم هذا البلاء على دعاء سليمان. قال: وقد أثنى الله على داود وسليمان بالعلم والحكمة أو الحكم، وخص سليمان بزيادة الفهم، أنه قال: ﴿وكلا آتينا حكما وعلما﴾، كلا يعني داود الأب وسليمان الابن. ثم قال قبل ذلك: ﴿ففهمناها سليمان﴾، أي أن الله عز وجل خص سليمان بزيادة بالفهم على أبيه داود، ولذلك أمثلة سيأتي ذكرها من المؤلف. قال: وقد أثنى الله على داود وسليمان بالعلم والحكم، وخص سليمان بزيادة الفهم، فقال: ﴿وداود وسليمان إذ يحكمان في الحرث إذ نفشت فيه غنم القوم﴾، أي دخلت الغنم بستانهم ليلا فرعت زرعه وأشجاره. يعني جاءت غنم رجل ودخلت بستان رجل آخر، مثلا واحد هنا في طيبة معه غنم، دخلت البستان أو الزراعة حق آدم، طيب، ليلا مثلا أو ظهرا، ولم ينتبه لها أحد، فرعت وأكلت من هذه الزراعة وهذه الأشجار والثمار. فتحاكم هذان، صاحب الغنم وصاحب البستان، إلى داود ليحكم بينهما. فحكم داود بحسب اجتهاده وتقديره، يعني بحسب ما أوتي من علم أو فهم باجتهاده. ما هو هذا الحكم؟ قال: أن الغنم تكون لصاحب الحرث، يعني يأخذها صاحب الحرث لظنه أن الذي تلف من الحرث يقابل قيمتها. قال لصاحب الغنم: خلاص ما لك شيء، غنم أنت أفسدت الزرع حق فلان، مقابل هذا الإفساد تعطي أغنامك لصاحب البستان، تعطي أغنامك لصاحب البستان لظنه - وهذا اجتهاد منه - أن ما أكل من البستان يساوي في القيمة الغنم، يساوي في القيمة الغنم، هذا اجتهاد منه عليه السلام. ثم رفعت القضية إلى سليمان، ذهبوا بها مرة ثانية إلى الابن سليمان، فحكم على صاحب الغنم أن يقوم على حرث صاحب البستان بالسقي والتعمير والملاحظة حتى يعود كما كان قبل نفشها. يعني يقال لصاحب الغنم: أنت أفسدت هذه الزراعة، ارجعها كما كانت، ردها كما كانت، قم بإصلاحها بحرثها، بسقيها، بالقيام عليها، بالإشراف عليها، المهم لابد أن ترد هذه الزراعة وهذا البستان كما كان قبل أن تأكل أغنامك هذا البستان. ويدفع له صاحب الغنم فينتفع بدرها ولبنها ودهنها وصوفها ومغلها مقابل ما كان بصدد أن ينتفع بحرثه في هذه المدة. يعني صاحب الغنم يسلم أغنامه لصاحب البستان، قل هذا تكون عندك، انتفع منها، ليست ملك له وإنما انتفع، فيحلبها ويشرب منها ويخرج الدهن من لبنها وينتفع بصوفها، أنهم كانوا يأخذون من أشعار الأغنام فيجمعونه ويستخدمونه سواء كان في ملابسهم أو في فرشهم أو نحو ذلك، ﴿ومن أصوافها وأوبارها وأشعارها أثاثا ومتاعا إلى حين﴾، فينتفع بهذه الأغنام، وذاك يصلح الزراعة، ولا بأس أن يأكل منها فترة الإصلاح حتى ترجع كما كانت من قبل، فإذا رجعت كما كانت يسلم صاحب البستان بستانه ويسلم صاحب الأغنام أغنامه. هذا حكم من حكم سليمان عليه السلام، وهذا الحكم يختلف عن الحكم الأول. الحكم الأول: خرج صاحب الأغنام بدون شيء، والأغنام كلها ترجع لصاحب البستان، والبستان يبقى لصاحب البستان. إذن إيش مع صاحب الأغنام؟ ما معه شيء. لكن هنا لا، كل واحد يسلم ما له للآخر ينتفع منه، بشرط أن صاحب الأغنام يصلح البستان، يصلح البستان. فالله عز وجل أثنى على وصوب حكم سليمان، قال: ﴿ففهمناها سليمان﴾، فكان هذا الحكم من سليمان أقرب إلى الصواب وأنفع لصاحب الغنم والحرث، كلاهما ينتفعان، ذاك انتفع لبستان صاحب البستان، وهذا انتفع بأغنام صاحب الأغنام فترة، ثم رد المال لصاحبه، أخذ صاحب البستان بستانه وصاحب الأغنام أغنامه. فهذا الحكم صوبه ربنا عز وجل، قال: ﴿ففهمناها سليمان﴾، فهو أقرب إلى الصواب. هذا هو تفسير هذه القصة: ﴿وداود وسليمان إذ يحكمان في الحرث﴾، وهذا محصل ما ذكره المفسرون عند تفسيرهم لهذه الآية. قال: ونظير هذه القصة يعني في غير القرآن جاء في السنة، وهذا الحديث كما ذكر المعلق في الصحيحين الذي سيأتي معنا: حديث أبي هريرة. القصة الأولى في القرآن، والقصة الثانية أيضا ما يدل على ما ذكر المؤلف من أن الله عز وجل خص سليمان بزيادة الفهم، ما جاء في هذا الحديث. قال: ونظير هذه القضية يعني ما يشبهها من السنة: حكم داود وسليمان بين المرأتين. خرجتا ومع كل واحدة ابنها، فعاد الذئب على ابن الكبرى. يعني امرأة كبيرة وامرأة صغيرة، خرجا في الرعي وكل واحدة معها ولد صغير، فعاد الذئب على ابن الكبرى، يعني جاء الذئب وأكل ابن المرأة الكبيرة، أكل ابنها. فادعت الكبرى على الصغرى أن الذئب أكل ابن الصغرى، قالت الكبرى: لا، الذي أكل الذئب هو ابن الصغرى، ليس ابني، ابني هذا الذي سلم. والصغرى تقول: لا، الذئب أكل ابنها، أما الذي سلم فهو ابني. فصار بينهما التخاصم، كل واحدة تدعي أن الذي سلم ابنها، وأن الذي أكله الذئب ليس بابنها. وهذه القضية قد تقع الآن بصورة أخرى، فمثلا امرأتان تضعان في وقت واحد مثلا في المستشفى، هذا أتت بذكر وهذا أتت بأنثى، كل واحدة تريد الذكر، ما تريد الأنثى، فذلك تقول: أنا ابن الذكر، وتقول لا، ابن الذكر، فيصير بينهما التخاصم. فمن يحل لنا هذه القضية يا من آتاه الله فهما كفهم سليمان؟ تعرفون في المستشفى تكون المرأة مشغولة بألم ولادتها، ولدت مباشرة رأت أنه أنثى وذكر، ولدت مباشرة رأت أنه ذكر، واختلط المولودان، فقيل: ابن من الذكر؟ ومن الأنثى؟ قالت الأولى: الذكر ابني. قالت الثانية: الذكر ابني. كل واحدة تريد الذكر، ما تريد الأنثى، وليس الذكر فالأنثى. فمن يحكم لنا في هذه القضية؟ ما عنده ما تريد الذكر... ها، نعم، الآن في وسائل... يعني في وسائل حديثة مع الطب الحديث تستطيعون التمييز بالفحوصات، تستطيعون التمييز بالفحوصات، يعني مثلا فصيلة الدم أو كذلك فحص الحليب. والبدو يقولون: والله أعلم، أنه يؤتى بالاثنين عند الأولى، فإذا التقم الثدي أحدهما فهو ابنها، طيب، ثم ينزع ويؤتى به إلى الثانية، فينظرون، فإذا التقم الثدي الآخر فهذا الدليل، واضع على أن الأول ابن ذاك والثاني ابن هذا. يقولون: ها، كلا، الله... لكن هنا الآن وسائل حديثة من الفحوصات هذه يعرفون الجينات ويعني فصيلة الدم ونحو ذلك، فإذا تميز لهم بذلك يحكم بهذا، هذا عنده خبرة الطب... ما الطب؟ هل هذا صحيح؟ هل هذا صحيح؟ ها، نعم، من دكتور... نعم، ها، طيب، هذا في حال لا... في حال ما انطلبت المرأة قبل وضعها أن تعرف... أن تعرف يعني... يعني من ذكره وانثه، لكن إذا كلتاهما ما فحصت، ما عرفوا، قضية واقعة. لكن قالوا: الآن الطب الحديث إن شاء الله يعني يستطيعون أن يميزوا، والله أعلم. لكن هذا قضية أخرى. هذا أكل كامل، يعني أكلوا، أكل الذئب طفلا، وهذا يقع في البوادي. مرة ذهبنا منطقة بعدين رأينا الشجرة لفخذ من فخائذ المناهيل، فعند ذكروا فلان ابنه فلان وفلان وفلان وفلان الذي أكله الذئب، مكتوب هكذا في الشجرة: وفلان الذي أكله الذئب. فسألناهم: كيف أكله الذئب؟ قالوا: هذا يعني كانت أمه ترعى وتركته عند... يعني كريف، وذهبت ترعى، وهو كان يعني صغيرا مستطيعا... يدافع عن نفسه، فجاء ذئب وأكله. سبحان الله، جاء ذئب وأكله. طبعا زمان هذا زمان وجود يعني الوحوش والذئاب والأسود، وأما الآن شبه منقرضة. سبحان الله، هذه تقع خصوصا في الأزمان الأولى. فالمهم الآن هذه القضية عرضت على سليمان. قال: فادعت الكبرى على الصغرى أن الذئب أكل ابن الصغرى، وأن الذي سلم من الذئب ابنها، والمرأة الصغرى أنكرت وقالت: بل الذئب أكل ابن الكبرى. فتحاكما إلى داود، فلما لم ير لكل منهما بينة إلا قولها، ما في هناك بينة، ادعاءات فقط، هذه تدعي كذا وهذه تدعي كذا. رأى أن يحكم به للكبرى اجتهادا ورحمة بها لكبرها، لكبرها، لكبرها، يعني لأنها كبيرة، فقال: خلاص، ما عنده بينة، وهذه كبيرة، فرحمة بها قد تتأثر أكثر لو كان ابنها الذي هو موجود، الذي سلم، لو حكم بها للصغر. حكم به للكبرى اجتهادا منه عليه السلام، وأن الصغر في مستقبل عمرها... الكبرى ربما ما تأتي بولد آخر، كبر سنها، لكن الصغر عابها في مقتبل العمر، فهي يعني أقرب إلى الإنجاب، أقرب إلى الإنجاب، اجتهاد منه عليه السلام، وأن الصغر في مستقبل عمرها سيرزقها الله ولدا بدله. نعم، ثم رفعت القضية إلى سليمان، فقال لهما يعني من الصغر والكبرى: ائتوني بسكين أشقه بينكما. ما رأيكم في هذا؟ ائتوا سكين، سنقطع هذا الطفل نصفين، نصف تأخذه الكبرى ونصف تأخذه الصغرى. كيف سيكون هذا الطفل؟ هلا، سيموت، صح، سيموت. كيف هذا يعني نصفين؟ يا إما عرضي وإما طول، هل سيسلم؟ ها، ما سيسلم، واحدة تأخذ من السرة وتحت، واحدة تأخذ من السرة وفوق، هل هذا يمكن؟ لا يمكن. فقال لهم هكذا: ما في هذا الحل، ائتوني بسكين أشقه بينكما. فرضيت الكبرى، قال: تمام، شقه، ما في مشكلة. لماذا قالت هذا؟ لأن ما يحرقها، ما هو ابنها، صح. لكن الصغرى ماذا قالت؟ وقالت الصغرى: لما دار الأمر بين تلفه أو بقائه بيد غيرها، وهو أهوى