التعليق على مذكرة أصول الفقه 44

الدرس في التعليق على مذكرة أصول الفقه 44، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري

مفهوم الإجماع وحجيته

الإجماع هو اتفاق علماء العصر من أمة محمد صلى الله عليه وسلم على أمر دين بعد وفاته، ويعد حجة قاطعة عند الجمهور. يستدل على ذلك بآيات القرآن وأقوال العلماء.

أدلة الإجماع ودلالاته

استدل المؤلف لحجة الإجماع بدليلين من الكتاب والسنة، حيث استشهد بقول الله تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ...﴾، وبقول النبي صلى الله عليه وسلم: «لا تجتمع أمتي على ضلالة».

شروط الإجماع وأهله

يتمثل الإجماع المعتبر في صورتين، ولا يشترط أن يبلغ أهله عدد التواتر، كما لا يعتبر قول العوام والكفار والفساق في الإجماع لجهلهم أو فسقهم.

العدالة في الشهادة

يشترط في الشاهد أن يكون عدلا وسالمًا من الفسق، وقد أنهى الكلام في هذا الموضوع.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله: الأصل الثالث الإجماع. قال: ومعنى الإجماع لغة الاتفاق، يقال: أجمع القوم على كذا إذا اتفقوا عليه، ويطلق على العزم المصمم، ومنه قوله تعالى: ﴿فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ﴾ يعني اعزموا. قالوا: في الشرع عرفه المؤلف بأنه اتفاق علماء العصر من أمة محمد صلى الله عليه وسلم على أمر من أمور الدين. وبقي عليه شرط وهو كونه بعد وفاته صلى الله عليه وسلم؛ لأنه في حياته لا عبرة بقول غيره. اتفاق قوله: اتفاق يخرج ما إذا وجد خلاف، فلا إجماع وإن كان المخالف واحدًا على الصحيح، فلا يكون إجماعًا، لكن يكون اتفاقًا، وليس كل اتفاق إجماعًا. فالإجماع كما قال الشافعي رحمه الله: إذا قال أجمعوا لم تجد أحدًا يخالفك. قول: علماء العصر يخرج غير العلماء من العوام وشبه العوام. وقوله: من أمة محمد صلى الله عليه وسلم يخرج إجماع غيرهم من الأمم، فليس بحجة على أمر من أمور الدين. يخرج ما إذا كان الإجماع على أمر من أمور الدنيا، فليس بإجماع شرعي. وبقي الشرط الثالث وهو: بعد وفاته عليه الصلاة والسلام. وأما في حال حياته فالعبرة بقوله عليه الصلاة والسلام. قال: واختار المؤلف أن وجود الإجماع ممكن متصور خلافًا لمن قال: لا يمكن بعد الصحابة؛ لكثرة العلماء وانتشارهم في أقطار الدنيا، وعدم القدرة على معرفة أقوال الكل. واحتج المؤلف لإمكانه وتصوره بأننا نعلم إجماع المسلمين كلهم على وجوب الصلاة مثلًا، وبأن العلماء مشهورون في نواح الدنيا، فلا يمتنع معرفتهم ومعرفة أقوالهم في المسألة بإخبار أو مشافهة. قال: اختار المؤلف وجود الإجماع، المؤلف يعني من قِدَم اختار أن الإجماع ممكن أن يتصور خلافًا لمن قال: لا يمكن بعد الصحابة؛ لكثرة العلماء وانتشارهم في الأقطار. وهذا القول له وجه من الصحة، وإن كان كما قال شيخ الإسلام: الإجماع الذي ينضبط ما كان في القرون المفضلة. وأما بعدهم فانتشرت يعني الأمة وتفرق العلماء، ومع ذلك إذا نقل إجماع عن العلماء فهو حجة؛ لأنه اتفاق من أهل العلم، ولا شك أن الأخذ بما اتفق عليه العلماء أسلم للإنسان، وكذلك أيضًا أبعد عن الخطأ. وهو يدخل في قول الله جل وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾. فإذا أجمع العلماء على شيء أو اتفقوا على شيء، وإن كان يعني لم يمكن الحصر أو يطَّلع على جميع أقوالهم، لكن كان هذا قول أكثر العلماء، وقال به كثير من علماء العصر، يكاد أن يكون إجماعًا، فلا شك أن الأخذ بقولهم أولى وأسلم للإنسان. بل ربما يجب المصير إليه، وفي مثل ذلك المسائل العصرية التي يجمع عليها العلماء، يتفقوا على حكم من أحكامها، فلا أخذ بما اتفقوا عليه ماذا أسلم للإنسان من مخالفتهم مع عدم وجود دليل يخالف به، فيقع في الخطأ. فلا أخذ بقولهم وما اتفقوا عليه يعني يكون أسلم من الوقوع في الخطأ، ويكون أقرب إلى الصواب. قال: وذكر أن الإجماع حجة قاطعة عند الجمهور، خلافًا للنظام في قوله: ليس بحجة. والنظام المعتزلة، وسيأتي ذكر الأدلة على حجية الإجماع. قال: وعلم أن الإجماع الذي هو حجة قاطعة عند الأصوليين هو القطعي للظني. والقطعي هو القول المشاهد أو المنقول بعدد التواتر، والظني كالسكوت والمنقول بالآحاد. الإجماع القطعي قال: هو القول المشاهد أو المنقول بعدد التواتر، يعني المقطوع بثبوت وصحته، مثل مثلًا وجوب الصلاة، وجوب الزكاة، وجوب الصيام، حرمة الزنا، حرمة أكل الربا، هذه إجماعات قطعية متواترة. وكذلك أيضًا يعرفها أهل الإسلام، ولا يجحدها أحد من أهل الإسلام. والإجماع القطعي قد يكون له دليل قد يكون له دليل صريح، وقد لا يكون له دليل صريح. مثلًا حرمة الصلاة بالحدث هذا أمر مجمع عليه، ودليله صحيح صريح: «لا صلاة لحدَثٍ حتى يتوضأ» أو «لا يقبل صلاة أحدٍ إذا أحدث حتى يتوضأ» هذا دليل صريح. وهكذا أيضًا حرمة المتعة مثلًا أدلته صريحة صحيحة، وأجمع أهل الإسلام على حرمتها. وقد يكون هنا إجماعًا قطعيا لكن ليس له دليل صحيح وصريح، كإجماع العلماء على أن تغير الماء بالنجاسة يصيره نجسًا، هذا إجماع معتبر، ومع ذلك لا يعلم له دليل صحيح صريح. قال: وستدل المؤلف لحجة الإجماع بدليلين: الأول الكتاب، وهو قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾. قال: لأن في التوعيد على اتباع غير سبيل المؤمنين، وسبيلهم هو ما أجمعوا عليه. قال: وفي الاستدلال عليه بهذه الآية بحوث ومناقشات، لكن الآية فيها دليل من حيث الجملة؛ أن قوله جل وعلاهم: ﴿وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ يعني غير طريقهم، غير اعتقادهم، غير منهجهم. ولا شك أن ما اتفقوا عليه وأجمعوا عليه أولى بالاتباع، فيكون في اتباع غير سبيلهم التوعيد بهذا الوعيد. وقد يستدل بهذه الآية الإمام الشافعي رحمه الله في كتابه الرسالة على حجية الإجماع. قال: والثاني من السنة، كقوله صلى الله عليه وسلم أيضًا من الآيات التي يستدل بها العلماء، واستدل بها شيخ الإسلام رحمه الله على حجية الإجماع، قوله جل وعلا: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾. ووجه الدلالة أن الله جل وعلا جعل هذه الأمة شاهدة على الأمم على أعمالها. قال: وإذا قبلت شهادتهم على الأعمال، فإنها كذلك تقبل شهادتهم على الأحكام؛ فما أجمعوا عليه كان حجة، ووجب المصير إليها والأخذ بها. قوله جل وعلا: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ شهداء على الناس على ماذا؟ على أعمالهم. هذه الأمة تشهد للأمة السابقة بأن الأنبياء بلغوا وصدقوا، فإذا قبل شهادتهم في الأعمال، كذلك تقبل شهادتهم في الأحكام؛ يعني فما أجمعوا عليه صالحًا وجب الأخذ به. وهكذا أيضًا قوله جل وعلا: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾. والشاهد أن الله عز وجل أمر بالرد إلى الكتاب والسنة عند التنازع، فإذا لم يكن هناك تنازع وحصل اتفاق، فلا حاجة إلى الرد؛ فلا حاجة إلى الرد، ويؤخذ بما اتفقوا وأجمعوا عليه، دل على أن الإجماع حجة. قال: والثاني من السنة، قوله صلى الله عليه وسلم: «لا تجتمع أمتي على ضلالة». الحديث ذكره شيخ البخاري رحمه الله بسلسلة صحيحة برقم 1331 بلفظ: «إن الله قد أجار أمتي أن تجتمع على ضلالة». «إن الله قد أجار أمتي أن تجتمع على ضلالة». رواه من أبي عاصم في السنة من حديث كعب بن عاصم الأشعري. والحديث يدل على أن هذه الأمة ما يمكن أن تجتمع على ضلال، فما أجمعت عليه واجتمعت عليه دل أنه حق وهدى يجب الأخذ به. قال: وكقوله: «لا تزال طائفة من أمتي على الحق إلى آخره». حديث معاوية، وجاء غير من الصحابة بألفاظ متقاربة، وفي الصحيحين: «لا تختلف الأمة، طائفة من أمتي على الحق ظاهرين، لا يضرهم من خالفهم ولا من خذلهم، حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك». قالوا: أحاديث الحث على الجماعة وعدم الشذوذ عنها، يعني كذلك الأحاديث الدالة على الحث والترغيب على الاجتماع وعدم الافتراق تدل على حجية الإجماع، كقوله صلى الله عليه وسلم: «الجماعة رحمة، والفرقة عذاب». ونعم حديث: «من شذ شذ في النار». ونحو ذلك من الأحاديث التي فيها هذا المعنى. قال: ونحو ذلك. وذكر المؤلف أن الصحابة كانوا يستدلون بمثل تلك الأحاديث على حجية الإجماع من غير نكير إلى زمن النظام، أي من المعتزلة، فجاء فأنكر الإجماع. وعلى هذا فنقول: الإجماع المعتبر له صورتان. الإجماع المعتبر له صورتان: الصورة الأولى ما كان في القرون المفضلة، ولم يكن لهم مخالف، فهو إجماع معتبر. والصورة الثانية: لا يعرف له نقل عن القرون المفضلة، ولكن إجماع تناقله العلماء، ولا يعرف لهم مخالف، كإجماع العلماء على نجاسة الماء إذا تغيرت أحد أوصافه الثلاثة. قال فصل: لا يشترط في أهل الإجماع أن يبلغوا عدد التواتر؛ لأن الحجة في قولهم لصيانة علماء الأمة عن الخطأ بالأدلة المتقدمة، وإن لم يوجد من علمائها غيرهم، فهم على الحق، وإن لم يبلغ عدد التواتر؛ صيانة لهم عن الخطأ. يعني لو كان عدد العلماء أقل من عدد التواتر وأجمعوا، كان إجماعهم حجة؛ فلا يشترط أن يبلغوا عدد التواتر؛ لأن الأدلة الدالة على حجية الإجماع لم تشترط عددًا معينًا. قال فصل: ولا خلاف في اعتبار علماء العصر من أهل الاجتهاد في الإجماع، وأنه لا يعتد فيه بقول الصبيان والمجانين. وأما العوام فاعتبروا قولهم عند الأكثرين، وقال قوم: يعتبروا قولهم؛ لدخولهم في اسم المؤمنين ولفظ الأمة. وهذا القول يقتضي إبطال الإجماع؛ إذ يستحيل معرفة أقوال الأمة جميعها في مسألة واحدة. والحق أن العوام لا عبرة بهم لجهلهم، نعم هذا هو الصواب. العوام لا عبرة بقولهم؛ لأنهم جهال لا يعرفون أحكام الشريعة. ولو أخذ بقول العوام كما قال بعض أهل العلم لصار المجلس فوضى، مجلس فوضى. الذي يعتبر قولهم هم علماء الشريعة. ومن يعرف من العلم ما لا أثر له في الأحكام الشرعية، كعلم الكلام واللغة والنحو والحساب، لا عبرة به في الإجماع؛ لأنه بالنسبة إلى الأحكام الشرعية عامي. فأما الأصولي الذي لا يعرف تفاصيل الفروع، والفقيه الحافظ لأحكام الفروع من غير معرفة الأصول والنحو، إذا كان الكلام في مسألة تبنى على النحو، فلا يعتبر بقولهم أيضًا، خلافًا لقوم. هكذا ذكره المؤلف. مع أن أكثر الشافعية والمالكية يعتبرون الأصولي وإن لم يحفظ تفاصيل الفروع؛ لأن فيه قوة قابلة لمعرفتها من الأصول، إذا كان الأصولي عنده معرفة بأحكام الشريعة، فإنه يعتبر من علماء الشريعة. وأما إن كان مجرد معرفة بقواعد يعني مسائل أصولية، ولا علم له بأحكام الشريعة، فحكمه حكم غيره من أهل اللغة والنحو ونحوهم، الذين لا علم لهم بالأحكام الشرعية، فهؤلاء لا يعتد بقولهم. قال فصل: ولا يعتبر في الإجماع بقول كافر، سواء كان بتأويل أو غيره. فأما الفاسق الكافر لا يعتد بقوله؛ لأنه الإجماع لا بد أن يكون من أهل الإسلام، فالكافر لا اعتبار بقوله. وأما الفاسق، قال: باعتقاد أو قول أو فعل، فاسق باعتقاد عن المبتدع الذي عنده بدعة قدية. قال القاضي: لا يعتد به، وهو قول جماعة؛ لقوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ أي عدولًا، وهو ليس بعدل، ولأنه لا يقبل منفردًا فلا يقبل مع غيره، والله يقول: ﴿إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا﴾. وقال أبو الخطاب: يعتبر قول الفاسق؛ لدخوله في عموم الأمة والمؤمنين في الأدلة المتقدمة. ومن نظر إلى صنيع العلماء في نقلهم لكثير من الإجماعات، يجد أنهم لا يعتبرون بخلاف الفاسق المبتدع في مسائل العقيدة. فمثلًا نقلوا الإجماع على ثبوت الرؤية، رؤية الله في الآخرة، ثبوت عذاب القبر، وغيرها من المسائل الاعتقادية، مع خلاف المعتزلة، مع خلاف المعتزلة، ومع أنهم ينسبون إلى الإسلام، لكن ما اعتبروا خلافهم، فهذا يدل على أنهم لا يعتدون بهم في الإجماع، لا يعتدون بصاحب الفسق الاعتقادي في الإجماع، والله أعلم. وإنما لا بد أن يكون عدلا وسالمًا من الفسق. نكتفي بهذا القدر إلى هنا، صلى الله وسلم على نبينا محمد.