الدرس في التعليق على مذكرة أصول الفقه 46، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري
اختلف الأصوليون في جواز إحداث قول ثالث في مسائل اختلف فيها الصحابة، والصواب التفصيل بين القول المركب والمخالف. الجمهور منعوا إحداث قول ثالث بينما أجاز بعض الحنفية والظاهرية ذلك.
تناولت المقاطع آراء العلماء حول الإجماع السكوتي ومستند الإجماع، واختلفوا في حجيته واعتباره إجماعًا. يُشترط لاعتباره إجماعًا مهلة للنظر في القول المُدعى.
المقطع الأخير يبدأ بالصلاة على النبي محمد وآله وصحبه، وهي من الأفعال المحببة إلى الله تعالى ولها أجر عظيم. تعتبر وسيلة للتقرب إلى الله.
الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال مؤلف كتاب «الإحكام في أصول الأحكام» رحمه الله: فصل: إذا اختلف الصحابة إلى قولين، لم يجز إحداث ثالث مخالف لقوليهما، في قول الجمهور. وقال بعض الحنفية والظاهرية: يجوز. الجمهور على أنه لا يجوز إحداث قول ثالث إذا اختلف الصحابة على قولين، فلا يجوز إحداث قول ثالث. وقال الحنفية والظاهرية: يجوز. والصواب أن يقال: إن كان القول مركبًا من القولين أو من أحدهما، فهذا يجوز. إن كان القول الثالث مركبًا من القولين، فإنه يعتبر. وقد نصره شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله. أما إن لم يكن القول الثالث مركبًا من القولين، فإنه لا يعتبر. قال: فحجة الأول - أي الجمهور - أن اختلافهم إلى القولين في قوة الإجماع على بطلان ما سواهما، يعني ما سواهما من الأقوال. فإذا كان الخلاف محصورًا بينهم على قولين، إذن يكون إحداث قول ثالث خلافًا لما أجمع عليه من وقوع الخلاف على قولين. قالوا: حجة الثاني أنهم خاضوا في المسألة خوضًا مجتهدين، ولم يحرموا ولم يصرحوا بتحريم قول ثالث. وأن الصحابة لو عللوا بعلة أو استدلوا بدليل، فلمن بعدهم التعليل والاستدلال بغير ذلك؛ لأنهم لم يصرحوا ببطلان ذلك. وأنهم لو اختلفوا في مسألتين، فذهب بعضهم إلى الجواز فيهما، وذهب الآخرون إلى المنع فيهما، فذهب التابعي إلى التجويز في إحداهما والمنع في الأخرى، كان له ذلك؛ يعني يكون القول مركبًا من القولين؛ لأنهم اختلفوا في الجواز، فقائل بالجواز، وقائل بالمنع. فإذا قال من جاء بعدهم من التابعين بالجواز في بعض الصور، والمنع في صور أخرى، كان هذا القول مركبًا من القولين. قال: ومثال إحداث الثالث المخالف ما حكاه ابن حزم من أن الأخ يحجب الجد؛ لأن الصحابة اختلفوا في ذلك إلى قولين، فمن قائل: أن الجد أب يحجب الأخ، ومن قائل: يرثان معًا. فكان إجماعًا على أن للجد نصيب، فالقول بحجب الأخ له خرق لإجماعهم بإحداث هذا الثالث. وهذا الذي قال به ابن حزم قول شاذ، وهذا ممتنع؛ لأن الخلاف: أن الجد إما أن يرث ويحجب الأخوة، وإما أن يرث مع الأخوة، فهو في كلا القولين وارث. فالقول بأن الأخوة يحجبون الجد هذا خلاف ما حصل فيه الخلاف بين الصحابة. وقد اتفقوا على أن الجد يرث، لكن الخلاف: هل يحجب الأخوة أو لا يحجبهم؟ هل يرثون مع الأخوة يرثون مع الجد أو لا يرثون معه؟ هنا محط الخلاف، والاتفاق على أن الجد وارث. فالقول بحجب الأخوة للجد يعتبر القول مخالفًا لإجماعهم. قال أبو مخيّد - عفا الله عنه -: حاصل تحرير هذه المسألة عند الأصوليين أنهم اختلفوا في إحداث القول الثالث، فقال بعضهم: لا يكون إلا خارقًا للإجماع، فهو ممنوع مطلقًا. ومثاله ما ذكرناه عن ابن حزم. وقال بعضهم: هو قد يكون خارقًا فيمتنع، وغير خارق فيجوز. مثال الخارق: الجد والإخوة، وقد تقدم؛ يعني هذا خارق للإجماع؛ لأن الإجماع: أن الجد يرث في كلا الحالتين. وعلى القول بأن الإخوة يحجبون الجد، يكون هذا خارقًا للإجماع. ومثال غير الخارق: ما لو فرضنا أنه تقدم القولان في متروك التسمية؛ لكونه يؤكل عند البعض مطلقًا، وممنوعًا عند بعض مطلقًا؛ يؤكل عند البعض مطلقًا - يعني سواء سمى أو تركها عمدًا - وممنوع عند البعض - يعني مطلقًا سواء عمدًا أو نسيانًا - فعلى قول القائل بأنه يؤكل في تركها نسيانًا لا عمدًا، وافق بعضًا في كل منهما، ولم يخالفهم جميعًا؛ لأنه في حالة النسيان وافق القائل بالإباحة، وفي حالة العمد وافق القائل بالمنع، فيكون هذا القول مركبًا من القولين. وقد قيل بهذا القول - يعني من قال بالتفصيل - فتوكل عند النسيان، ولا توكل إذا كان تركها عمدًا. وإن كان الصحيح أنها لا توكل لا نسيانًا ولا عمدًا؛ لعموم قول الله ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ وإنه لا فسخ. قال: ومن أمثلته اختلاف العلماء في فسخ النكاح بعيوب الزوجين المعروفة؛ فمن قائل: يفسخ بكلها، ومن قائل: لا يفسخ بشيء منها. فلو أحدث قول ثالث بالفسخ ببعضها دون البعض، لم يكن خارقًا لموافقته لكل مذهب في البعض. وهذا أيضًا قد قيل به؛ يعني منهم من قال بالفسخ ببعض العيوب دون البعض. وهذا أتى به المؤلف من باب التمثيل؛ يعني إذا كان عندنا خلاف مسألة على قولين، وأحدث قول ثالث مركب من القولين، فإنه حينئذ لا يكون خارقًا للإجماع، فيعتبر هذا المقصود. قال: تنبيه: إحداث التفصيل جعله قوم داخلًا في إحداث القول الثالث، وقال قوم: ليس داخلًا فيه. وهو ممنوع أيضًا إن كان التفصيل خارقًا للإجماع. ومثال اختلاف العلماء في توريث العمة والخالة؛ فمن قائل: لا ترثان، ومن قائل: ترثان. فلو أحدث التفصيل بإرث العمة دون الخالة أو العكس - يعني إرث الخالة دون العمة - كان باطلًا؛ لأنه خارق لإجماعهم على أنه ما سواء - يعني إما أن يرثا أو إما أن لا يرثا. قال: لأنهم لو قالوا في المسألتين إنهما سواء، امتنع التفصيل بينهما قولًا واحدًا. قال: وعلم أن الأصوليين اختلفوا في انقسام الأمة إلى قسمين، والعم والخال، والصواب أنهما غير وارثتين، وإنما هما من ذوي الأرحام. قال: وحاصل تحرير هذا المقام أن له ثلاث حالات: اثنتان يتفق عليهما، وواحدة هي المختلف فيها. فالمتفق عليهما أولًا: اتفاقهم على الخطأ في المسألة الواحدة من الوجه الواحد، فهذا لا يجوز إجماعًا؛ لأن الأمة معصومة من الخطأ، فلا يمكن أن تتفق على الخطأ في مسألة واحدة من وجه واحد. ويكون الجميع على هذا الخطأ. قد مر معنا في الحديث: أن هذه الأمة لا تجتمع على ضلالة، «إن الله أجار أمتي أن تجتمع على ضلالة». قال: الثاني: اتفاقهم على الخطأ في مسألتين متباينتين، كخطأ بعضهم في مسألة من الجنايات، وخطأ البعض الآخر في مسألة من العبادات، فهذا يجوز إجماعًا. هذه المسألة الثانية: اتفاقهم على الخطأ في مسألتين متباينتين - يعني مختلفتين - مسألة تتعلق مثلا بالجنايات، ومسألة أخرى في العبادات، أخطأوا في هذه المسألة وأخطأوا في تلك المسألة، هذا جائز باتفاق؛ لأن هذا الخطأ ليس في مسألة واحدة، إنما في مسألتين، هذا واقع قد يحصل. قال: الثالث: المسألة الواحدة ذات الوجهين، نحو المانع من الميراث؛ فإنه جنس واحد إلى أنه ينقسم إلى نوعين، مثلا: قتل وردة. فهل يجوز أن يقول بعضهم: القاتل يرث، والعبد لا يرث، ويقول البعض الآخر بعكس ذلك - يعني أن العبد يرث والقاتل لا يرث - قال: ذلك فيخطئ كل منهما فيما أصاب فيه الآخر. فقيل: هذا لا يمتنع؛ لأن الأمة لم تجتمع على خطأ في شيء معين واحد. وقيل: يمتنع؛ نظرًا إلى خطأ المجموع في الجملة. وهذه المسألة هي محل الخلاف. والعبد لا يرث من سيده، ويرث من أبيه، كما تدل عليه الأدلة. وهذه في الحقيقة مسائل افتراضية، ليس لها وجود في الواقع. قال: فصل: الإجماع السكوتي. قال: إذا قال بعض الصحابة قولًا في تكليف، فانتشر في بقية الصحابة، فسكتوا، ففي ذلك ثلاثة أقوال. والحق أنه إجماع سكوتي ظني - يعني ليس قطعيًا، بل هو ظني يحتمل حصول ماذا - وجود الخلاف. قال: إنه إجماع، وروي عن أحمد ما يدل عليه، وبه قال أكثر الشافعية - أي والمالكية -؛ لكن هكذا تنزيلًا للسكوت منزلة الرضا والموافقة. ويشترط في ذلك أن لا يعلم أن الساكت الساخط غير راض بذلك القول، وأن تمضي مهلة تسع النظر في ذلك القول بعد سماعه هذا القول. قال: وروي عن أحمد، وقال به أكثر الشافعية والمالكية. أما بالنسبة للإمام الشافعي رحمه الله، فالمنقول عنه أنه يقول: الساكت لا ينسب إليه قول. وأما الإمام أحمد رحمه الله، فهنا أتى المؤلف بصيغة التمريض: «وروي عن أحمد»، وليس هناك قول صريح عن إمام أحمد بقوله بأنه إجماع، ربما كان استنباطًا من كلام الإمام أحمد رحمه الله. قال: الثاني: إنه حجة لا إجماع. القول الثاني: أن الإجماع السكوتي - يعني سكوت الآخرين من الصحابة على قول هذا القول الذي قاله الصحابي واشتهر - أنه يعتبر حجة لا إجماع. وهذا القول أقرب للصواب؛ أنه حجة لا إجماع، وهو قول أكثر هذا العلم؛ وذلك أن الإجماع لا بد فيه من اتفاق جميع مجتهد الأمة، وفي هذه الصورة من الإجماع لا يعلم ذلك؛ لأن الساكت قد يعترض له عوارض في عدم الجواب؛ إما أنه لم يبلغه، وإما أنه سكت - يعني درءًا للخلاف أو خشية وقوع مفسدة أو لذلك من الأمور - فلذلك يقال: هو حجة لكن ليس بإجماع. قال: الثالث: ليس بحجة ولا إجماع. وهذا قال به داود الظاهري والباقلاني وجماعة آخرون. من قال بهذا القول، وهو قول ضعيف؛ قال: لأن الساكت قد يسكت وهو غير راض. ولذلك أسباب متعددة؛ كاعتقاده أن كل مجتهد مصيب. وهذا القول ليس بصحيح: كل مجتهد مصيب. إن أراد الإصابة من حيث الأجر، نعم كل مجتهد مصيب؛ الأجر له أجر، لكن إن أراد الإصابة للحق، فهذا خطأ. القول ليس بصحيح، وهو قول كثير من أهل الكلام. بالصحيح: أن المصيب واحد، والمجتهد الذي أخطأ الحق، خطأه مغفور له، أجر اجتهاده. قال: أو أنه لا إنكار في مسائل الاجتهاد - يعني قد يكون السكوت لأنه لا إنكار في مسائل الاجتهاد - فهذا مجتهد أتى بهذا القول، وأنا أرى خلاف هذا القول، ولا أنكر عليه. لكن ليس هذا على إطلاقه؛ فمسائل الاجتهاد التي تبين فيها الصواب والحق والراجح هو، ودليله، فإنه ينكر على القول الآخر إذا علم الراجح وعلم قوة الدليل وصحة الدليل في هذا القول، فحين إذن ينكر. أما إذا لم يعلم فيه الراجح، فلا إنكار. قال: وتحرير هذه المسألة: أن لها ثلاث حالات: الأولى: أن يعلم من قرينة حال الساكت أنه راض بذلك، فهو إجماع قولًا واحدًا. قال: أن يعلم من قرينة حال الساكت أنه راض بذلك، وهذا بالحقيقة صعب. الثاني: أن يعلم من قرينته أنه ساخط غير راض، فليس بإجماع قولًا واحدًا. والثالث: أن لا يعلم منه رضا ولا سخط، ففيه الأقوال الثلاثة المتقدمة. ومذهب الجمهور: أنه إجماع سكوتي، وهو ظني كما تقدم. وذكرنا أن ماذا؟ كثير من أهل العلم: أنه حجة وليس بإجماع. وعلى كلا القولين - يعني الخلاف قد يكون لفظيًا - إذا سمينا إجماعًا سكوتيا أو سمينا حجة، فعلى كلا القولين يجب الأخذ به؛ لأن الحجة يجب اتباعها، وكذلك قلنا بأنه إجماع سكوتي، فإنه يأخذ به ويعمل به. قال: مسألة: اعلم أن الأصوليين اختلفوا في مستند الإجماع: هل يصح أن يكون عن اجتهاد وقياس؟ على ثلاثة أقوال: هل يصح أن يكون مستند الإجماع الاجتهاد القياس؟ أم لا بد أن يكون النص؟ قال: الأول - أحدها - أنه لا يتصور أن يكون مسند الإجماع اجتهادًا أو قياسًا. وهذا القول حكي عن ابن جرير، وعن نفاة القياس من الظاهرية. الثاني: أنه يتصور وليس بحجة. وهذا حكي عن أبي الخطاب. الثالث: وعليه الأكثر: أنه جائز وواقع، وهو اختيار المؤلف - أي من قدام رحمه الله - ومثل له بعضهم بالإجماع على تحريم شحم الخنزير قياسًا على لحمه؛ تحريم شحم الخنزير قياسًا على لحمه؛ لأن النص ورد في تحريم لحم الخنزير، «ولحم خنزير فإنه رجز». قالوا: فكذلك يقاس على الشحم. لكن قد يرد على هذا: أن ذكر اللحم تحريم لحم الخنزير يراد به ذكر البعض وإرادة الكل - ذكر البعض وإرادة الكل - قالوا: من أمثلته الإجماع على تحريم القضاء في حالة الجوع والعطش المفرطين، ونحو ذلك: الحقن والحقب - الحقن: حقن البول أو الغائط، والحقب: حبس الهواء، امساك الهواء - قال: من مشوشات الفكر؛ قياسًا على الغضب المنصوص عليه في الحديث المتفق عليه: «لا يقضين حكم بين اثنين وهو غضبان». وهذا مثال صحيح؛ فالحديث ورد فيمن القضاء القاضي وهو غضبان. لماذا؟ ما هي العلة؟ العلة: تشوش الفكر، سيكون فكره مشوشًا. فقال العلماء: نقيس على الغضب كل ما كان مثله مما يشوش الفكر؛ كالجوع والعطش المفرط، إذا كان في حالة شديدة من العطش، أو في حالة شديدة من الجوع، أو كان حاقنًا يريد أن يقضي حاجة، ومتضايق جدًا، فهنا يكون فكره فكره مشوشًا، فيمتنع حين إذن القضاء، وهذا بإذا كان بإجماع، والمسألة للقياس؛ قياس هذه الأشياء على الغضب. قال: فصل: الإجماع يقسم إلى مقطوع ومظنون. وقد تقدمت الإشارة إلى هذا. مقطوع: يعني قطعي، إجماع قطعي، وهو القول المنصوص عليه. ومظنون: يعني ظني، كالإجماع السكوتي؛ فهو إجماع ظني؛ فهو يحتمل النقض - وجود من يخالف. قال: فصل: الأخذ بأقل ما قيل ليس تمسكًا بالإجماع. كالاختلاف في دية الكتاب، فقيل: كدية المسلم، وقيل: نصفها، وقيل: ثلثها. فالتمسك بالثلث ليس بالإجماع. وأظهر دليل على ذلك جواز مخالفته. انتهى. ودية الكتاب الصحيحة أنها نصف دية المسلم؛ كما جاء في حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، وحسنه الأعلام الألباني رحمه الله في «الإرواء». صلى الله وسلم على نبينا محمد، وآله وصحبه أجمعين.