التعليق على مذكرة أصول الفقه 47

الدرس في التعليق على مذكرة أصول الفقه 47، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري

تعريف الاستصحاب وأقسامه وأنواعه

الاستصحاب هو إثبات ما كان مثبتًا أو نفي ما كان منفيًا، وينقسم إلى ثلاثة أقسام منها استصحاب العدم الأصلي واستصحاب الدليل الشرعي. يناقش المقطع أيضًا معنى استصحاب الدليل الشرعي وأنواعه مثل استصحاب النص حتى يرد الناسخ واستصحاب العموم حتى يرد المخصص.

تطبيقات الاستصحاب في مسائل الفقه

يناقش المقطع تطبيقات الاستصحاب مثل استصحاب دوام الملك حتى يثبت انتقاله واستصحاب دوام شغل الذمة الثابت حتى تثبت براءتها. كما يتناول النوع الثالث من الاستصحاب وهو استصحاب حال الإجماع في محل النزاع ودوره في مسائل الفقه.

حكم استصحاب الإجماع وأهمية الدليل

يرى أن الإجماع لا يستصحب في محل النزاع لاختلاف الصور التي ينطبق عليها، ويؤكد أن كلًا من النفي والإثبات يحتاج إلى دليل. يتطلب كل من النفي والإثبات وجود دليل يدعمهما، ولا يمكن الاعتماد على الادعاءات بدون براهين.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال مؤلف كتاب، رحمه الله: الأصل الرابع الاستصحاب. قال: استصحاب الحال، ودليل العقل. قال: اعلم أن الاستصحاب ثلاثة أقسام، اثنان مقبولان عند الجمهور، وواحد مردود عندهم. هذا المبحث في ذكر بعض الأدلة المختلف فيها، كالاستصحاب. والاستصحاب لغة: طلب الصحبة، وهي الملازمة. وفي الاصطلاح، قال ابن القيم، رحمه الله، في إعلام الموقعين: "إثبات ما كان مثبتًا، ونفي ما كان منفيًا". فهو استدامة إثبات أمر، أو استدامة نفي أمر، يعني استدامة على كلا الحالين. والاستصحاب، كما قال شيخ الإسلام، رحمه الله: لا يؤتى إليه إلا بعد انتفاء جميع الأدلة من كتاب، وسنة، وإجماع، وقياس، فهو أضعف الأدلة مطلقًا. قال، رحمه الله، كما في مجموع الفتاوى، المجلد الثالث والعشرين، الصفحة السادسة عشرة: اعلم أن الاستصحاب ثلاثة أقسام؛ اثنان مقبولان عند الجمهور، وواحد مردود عندهم. قال: أولًا، استصحاب العدم الأصلي، حتى يرد دليل ناقل عنه. وهذا هو المراد إذا أطلق الاستصحاب. استصحاب العدم الأصلي؛ لأن العقل يدل على براءة الذمة حتى يقوم الدليل على إيجاب هذا الشيء. كعدم وجوب صيام صفر، مثلًا؛ لأن الأصل براءة الذمة منه، فيستصحب الحال في ذلك، يعني في عدم الوجوب. قالوا: هذا النوع هو الذي ينصرف إليه اسم الاستصحاب، وهو المعروف بالبراءة الأصلية، والإباحة العقلية. وهذا النوع قد دل القرآن على اعتباره في آيات كثيرة، كقوله تعالى: ﴿فَمَن جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّهِ فَانتَهَىٰ فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ﴾. الآية. وقوله: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّىٰ يُبَيِّنَ لَهُم مَّا يَتَّقُونَ﴾. قال: وجه الدلالة في الآية الأولى: أنه لما نزل تحريم الربا، خافوا من الأموال المكتسبة من الربا قبل التحريم، فبينت الآية أن ما اكتسبوا من الربا قبل التحريم على البراءة الأصلية، يعني عدم التحريم؛ كان الأصل عدم التحريم. قال: على البراءة الأصلية حلال لهم، ولا حرج عليهم فيه. فقوله جل وعلا: ﴿فَمَن جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّهِ فَانتَهَىٰ فَلَهُ مَا سَلَفَ﴾ يعني ما مضى قبل مجيء الموعظة ومعرفة التحريم، فليس عليهم شيء. فله ما سلف. ومن عاد بعد أن عرف ووصله التحريم، فهذا الذي يؤاخذ. فعدم المؤاخذة قبل التحريم هذا من البراءة الأصلية. قال: وجه دلالة الآية الثانية: أن النبي صلى الله عليه وسلم لما استغفر لعمه أبي طالب، واستغفر للمسلمين لموتاهم من المشركين، وأنزل الله: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَن يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ﴾ ندموا على استغفارهم للمشركين. بينت الآية أن استغفارهم لهم قبل التحريم؛ على البراءة الأصلية، لا إثم عليه فيه، ولا حرج، حتى بين لهم الله ما يتقونه، كالاستغفار لهم، مثلًا. ﴿مَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّىٰ يُبَيِّنَ لَهُم مَّا يَتَّقُونَ﴾ أي ما يحصل لهم به التقوى. فما حصل من استغفار منهم قبل معرفة التحريم لا يؤخذون عليه؛ وذلك أن الأصل عدم التحريم. هذا هو استصحاب العدم الأصلي، والأصل براءة الذمة من التكاليف والواجبات. قال: ثانيًا، استصحاب دليل الشرعي، كاستصحاب النص حتى يرد الناسخ، والعموم حتى يرد المخصص، ودوام الملك حتى يثبت انتقاله، ودوام شغل الذمة الثابت حتى تثبت براءتها، ونحو ذلك. يقول: من معاني الاستصحاب، وهو مقبول عند الجمهور، استصحاب دليل الشرعي. ومعنى استصحاب دليل الشرعي: يعني ما دل الشرع على ثبوته. قال: كاستصحاب النص حتى يرد الناسخ؛ إذا عندنا نص دل على حكم من الأحكام، فإننا نستصحب بهذا النص، ونستدل به؛ لأن الشرع أثبت هذا الحكم بهذا النص. فإذا وجد بعد ذلك ما ينسخه، نسخناه به، وإلا فالأصل أننا نستدل بهذا النص. قال: والعموم حتى يرد المخصص؛ عندنا لفظ عام، فإننا نعمل بعمومه، ولم يثبت له مخصص. لكن متى ما ظهر ما يخصه، خصصناه به. قال: ودوام الملك حتى يثبت انتقاله؛ استصحاب دوام الملك حتى يثبت انتقاله، يعني من ملك شيئًا، ومن يد شيئًا، فإذا كان هذا الحق هو ملك لفلان، فالأصل أنه ملكه، يبقى في يده حتى يأتي ما يدل على رفع هذا الملك، إما ببيع، أو بهبة، أو تنازل، أو غير ذلك. لو جاء إنسان، مثلًا، يدعي أن هذه السيارة له، ويقول الآخر: المالك للسيارة هو أنا، فما الذي يطالب بالبينة؟ المدعي الذي ادعى أنه له. يقال: هات ما يثبت أن هذه ملكك. هات ما يثبت. فإذا أتى بما يثبت ذلك، قضي له. وإن لم يأتِ، فتبقى في ملك من هي في يده حتى يثبت ما يدل على انتقال هذا الملك. قال: ودوام شغل الذمة الثابت حتى تثبت براءتها؛ دوام شغل الذمة الثابت حتى تثبت براءتها، يعني بأداء الدين. فالدين إذا سُذِمَ إنسان دينا من شخص، فذمة هنا تكون مشغولة بهذا الدين، فيبقى معلق الدين في ذمته حتى يرده إلى صاحبه، وتثبت براءتها من هذا الدين. فإذا قال، وادعى أنه قد أعطى لفلان هذا ما له من الدين، وصاحب الدين ينفي، يقول: ما أخذت منه شيئًا، ولا رد لي شيء. هنا الأصل ماذا؟ أن ذمته مشغولة بهذا الدين. لا بد أن يثبت، ويتبين أنه قد رد الدين لصاحبه. قال: والنوع الثالث هو المردود عند الجمهور، واستصحاب حال الإجماع في محل النزاع، واعتبره بعضهم، واختاره أبو إسحاق ابن شاقلا، وهو إبراهيم بن أحمد بن عمر. الجمهور ردوا هذا النوع من استصحاب حال الإجماع. وبعضهم اعتبره قليلًا. وهو استصحاب حال الإجماع في محل النزاع. قال: ومثال هذا النوع من استصحاب: إذا أجمع أهل العلم على حكم من الأحكام في حال من الأحوال، ثم تغيرت هذه الحالة، والصفة التي أجمع عليها العلماء، وحصل خلاف؛ هل يستدل بهذا الإجماع في محل الخلاف، أو لا يصلح الاستدلال بالإجماع على ذلك؟ هذه صورة المسألة الثالثة: أن يجمع العلماء على مسألة في صورة معينة، أو حالة معينة، يجمع عليها، ثم يحصل الخلاف في صورة أخرى؛ هل يستدل بهذا الإجماع، ويستصحب هذا الإجماع؟ نقول: أجمع العلماء فيما مضى في الحالة السابقة، فنستدل بهذا الإجماع، ونستصحبه في هذه الحالة التي وقع فيها الخلاف، أم لا؟ قال: مثاله: أن يقول في المتيمم إذا رأى الماء في أثناء الصلاة، فالإجماع منعقد على صحة صلاته، ودوامها فيها. فنحن نستصحب ذلك إلى ورود الدليل الصارف عنه. واضح الآن: أجمع العلماء على أن من صلى بالتيمم عند عدم وجود الماء، أن صلاته صحيحة. طيب، إذا وجد الماء في أثناء الصلاة، وهو يصلي، ورأى الماء؛ هل يصح أن يستدل بهذا الإجماع على أنه من صلى بالتيمم عند عدم وجود الماء، فصلاته صحيحة؟ ويقال: هذا الإجماع يعني حجة على صحة صلاة المتيمم بالتيمم مع رؤيته للماء في أثناء الصلاة؟ قال: وهذا غير صحيح؛ لأن الإجماع إنما دل على الدوام فيها حال عدم الماء، أما مع وجوده فلا إجماع، حتى يقال باستصحابه. الإجماع على صورة معينة، وهو عدم وجود الماء. وأما إذا وجد الماء في أثناء الصلاة، فلا ينطبق الإجماع على هذه الصورة؛ لأنه يمكن ماذا؟ أن يسوق الجانب الآخر، والفريق الثاني بالإجماع أيضًا، فيقولون: أجمع العلماء على أن من صلى بالتيمم مع وجود الماء، أن صلاته باطلة. فنحن نستصحب هذا الإجماع في هذه الصورة، بكونه يصلي والماء أمامه، وجد الماء وهو يصلي. سيستصحبون هذا الإجماع على بطلان الصلاة. وأولئك سيستصحبون الإجماع على صحة الصلاة. وكل الإجماعين في صورة مختلفة. وعلى هذا، فبالصواب أنه لا يستصحب الإجماع في محل النزاع. قال: فصل، وأعلم بأنه من نفى حكمًا، بأن الأمر الفلاني ليس بكذا، اختلف فيه: هل يكفيه مجرد النفي، بناء على أنه الأصل، حتى يرد دليل الوجوب؟ أو يكلف بالدليل على ما ادعاه من النفي؟ وهذا الأخير هو مذهب الجمهور، وهو الحق، واختاره المؤلف، واستدل له بقوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَن يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَن كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَىٰ تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾. طيب، هذه المسألة يقول: من نفى حكمًا، بأن الأمر الفلاني ليس بكذا؛ هل يكفي مجرد النفي على أنه الأصل، يعني الأصل عدم وجود هذا الشيء، أو عدم الحكم بكذا، أو عدم الأمر، حتى يرد الدليل الوجوب؟ أو يكلف بالدليل على ما ادعاه من النفي، كالجمهور؟ أنه يكلف بالدليل. يكلف بالدليل إذا ادعى عدم وجوب كذا وكذا، أو عدم ثبوت كذا وكذا؛ يقال: هات الدليل. لقول الله جل وعلا: ﴿وَقَالُوا لَن يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَن كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَىٰ﴾ هنا الآن نفى اليهود والنصارى دخول الجنة إلا لهم، إلا من كان يهوديًا أو نصرانيًا. فرد الله عليه: ﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ ما هي حجتكم على هذا؟ وما هو دليلكم؟ إذن من نفى شيئًا، وادعى أنه منفي؛ يقال: هات الدليل. ما هو الدليل على هذا؟ نعم، وهكذا أيضًا المثبت عليه الدليل. المثبت كذلك عليه الدليل. ولهذا قال شيخ الإسلام، رحمه الله: لا يجوز لأحد أن ينفي شيئًا، أو حكم من الأحكام، إلا بعد البحث في الأدلة، إلا بعد البحث في الأدلة. إذا نفيت حكم من الأحكام، لا بد أن يكون هذا بعد نظر في الأدلة، وتفحص لها، ثم بعد ذلك تنفي؛ لأن النفي حكم، أنت تحكم بعدم وجود يعني هذا الأمر، أو بنفيه، أو عدم ثبوته. لا بد هذا بحجة، أن تقول هذا بحجة وبرهان، وإلا كنت مدعيًا. وهكذا من أثبت حكم من الأحكام، لا بد أيضًا بدليل. فالنفي لا بد بدليل، وهكذا أيضًا الإثبات لا بد فيه من دليل، إلا في الأمور التي يعني علم من الشرع عدم وجود مثل هذا الحكم. مثلا من نفى وجود مثلًا صلاة فريضة زائدة عن هذه الخمس؛ هذا شيء معلوم من الدين بالضرورة، والأدلة تدل على ذلك، عنده أدلة لا شك في هذا، كالأمر بالصلوات الخمس في حديث جبريل، إلى آخره. فمن ادعى زيادة على هذه الصلوات، فعليه الدليل. فعليه الدليل. فالخلاصة: أن النافي والمثبت كلاهما لا بد أن يكون معهما دليل على النفي والإثبات.