كونوا على الخير أعوانا

المحاضرة بعنوان كونوا على الخير أعوانا، وكانت بمسجد الفاروق بالمعيان ١ شعبان ١٤٣٨هـ ألقاها

مفهوم التعاون على البر والتقوى وأهميته

التعاون على البر والتقوى هو أساس إقامة العبادات ويتحقق به الأجر والثواب. يشمل التعاون أموراً مثل الصلاة في المساجد وإعانة المسلمين.

التعاون في العبادات والطاعات وتأثيره

التعاون في العبادات يقوي العزيمة ويحقق المقصود، مثل قيام الليل وحفظ القرآن. التعاون مطلوب في جميع العبادات لاستمرار الخير وتحقيق الأجر.

التعاون في طلب العلم والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

ينبغي الحرص على التعاون في طلب العلم ونشر الخير، وعدم الاستهانة بحلقات تعليم الأطفال. كما يجب التعاون في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

النهي عن التعاون على الإثم والعدوان

نهى الله عن التعاون على الإثم والعدوان، مثل الشرك بالله والاعتداء على الآخرين. يجب الحذر من ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

التفريغ النصي الكامل

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون. يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالًا كثيرًا ونساء، واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام، إن الله كان عليكم رقيبًا. يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولًا سديدًا يصح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم، ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزًا عظيمًا. أما بعد، فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. عباد الله، نحمد الله جل وعلا الذي يسر لنا هذا اللقاء المبارك في هذا المسجد الطيب، نتذاكر فيه شيئًا من كتاب الله جل وعلا ومن سنة رسوله عليه الصلاة والسلام، ما ننتفع به في ديننا ودنيانا، وما يكون لنا زادًا ليوم القيامة. والله جل وعلا يقول: ﴿وتزودوا فإن خير الزاد التقوى﴾. وهذه المجالس كما سمعنا مجالس علم ومجالس ذكر ومجالس يحبها الله جل وعلا، فمن وفق لها فقد وفق لخير كبير، فقد أراد الله سبحانه وتعالى له الخير. سمعنا عن موضوع المحاضرة وهي "كونوا على الحق أعوانًا" أو "على الخير أعوانًا"، وهذا العنوان مقتبس من قول الله جل وعلا: ﴿وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان﴾. هذه الآية أمر الله جل وعلا فيها بالتعاون على البر والتقوى، ونهى جل وعلا عن التعاون على الإثم والعدوان. ما معنى التعاون؟ الإعانة لغة بمعنى المعاونة والمناصرة والعون هو الظهير أو المعين، المعين الظهير من يكون لك ظهيرًا ومعينًا ومؤيدًا وناصرًا. ويقال: رجل معوان إذا كان كثير النفع للناس. وشرعًا كما قال العلامة السعدي رحمه الله: هي فعل كل خير أمر الله جل وعلا به، وترك كل نهي نهى الله سبحانه وتعالى عنه. فأمر الله جل وعلا بالتعاون على البر والتقوى، والبر والتقوى من أهل العلم من قال بهما بمعنى واحد، ومنهم من قال: البر يشمل الواجب والمندوب، والتقوى ما كان متعلقًا بالواجب. والإمام ابن القيم رحمه الله فرق بين البر والتقوى بأن البر قال: مقصود لذاته، ولا يحصل للعبد كمال الإيمان والطاعة إلا به. وأما التقوى فهو وسيلة موصلة إلى البر. التقوى هي الوسيلة الموصلة إلى البر، والبر كلمة جامعة لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة. كما قال جل وعلا: ﴿ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين﴾. فجمع الله عز وجل في هذه الآية أعمالًا عديدة من أعمال القلوب ومن الأعمال الظاهرة، وجعلها ربنا جل وعلا من البر. فعلمنا بذلك أن البر كلمة جامعة لكل ما يحبه الله ويرضاه. فالله عز وجل أمر بالتعاون على البر والتقوى، أي أن يعين المسلم أخاه في تحقيق طاعة الله جل وعلا. والإمام القرطبي رحمه الله يقول: هذا أمر إلى جميع الخلق أن يعين بعضهم بعضًا في فعل ما أمر الله سبحانه وتعالى به، وفي ترك ما نهى الله سبحانه وتعالى عنه. وهو يدل على قوله عليه الصلاة والسلام: «الدال على الخير كفاعله». وهذه الآية جامعة لخير الدنيا والآخرة. قال ابن القيم رحمه الله: وهذه الآية جامعة لمصالح الناس في معاشهم ومعادهم. إذ أنه لا بد من هذين الحالين، ومن القيام بهذين الواجبين، ما يتعلق بأمر العباد فيما بينهم، وبين ربهم. فإن اجتماع الناس واختلاط بعضهم مع بعض لا بد أن يكون قائمًا على مرضات الله. والأمر الثاني هو تحقيق طاعة الله جل وعلا الذي به سعادة العبد وفلاحه، ولا يتحقق له ذلك إلا بالبر والتقوى. إذن هذه الآية شملت ما ينبغي أن يقوم به العبد فيما بينه وبين ربه من تحقيق العبودية له، والقيام بطاعته، وما ينبغي أن يكون بينه وبين إخوانه من التعاون معهم على الخير وعلى البر والتقوى. فالله جل وعلا أمر في هذه الآية بالتعاون على البر والتقوى، والبر والتقوى منه ما هو واجب ومنه ما هو مستحب، وله صور عديدة، وكذلك أيضًا مجالات متعددة. فمن مجالات التعاون على البر والتقوى ما يتعلق بالعبادة والطاعة، فإن كثيرًا من العبادات فرضها الله سبحانه وتعالى على سبيل الاجتماع الذي به يحصل تعاون المسلمين بعضهم مع بعض، وبه يتحقق المقصود من إقامة هذه الطاعة والعبادة. مثلًا الصلوات الخمس فرضها الله جل وعلا في بيوته، وفي بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه، يسبح له فيها بالغدو والآصال رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة. ويقول جل وعلا: ﴿واركعوا مع الراكعين﴾. ومعلوم أن الراكعين يركعون في بيوت الله. والنبي صلى الله عليه وسلم أمر بإقامة هذه الصلاة في المساجد، وفي بيوت الله جل وعلا كما في أحاديث كثيرة. ومنها قوله عليه الصلاة والسلام: «من سمع النداء فلم يجب فلا صلاة له إلا من عذر». وقوله عليه الصلاة والسلام للأعمى بن أم مكتوم لما أراد أن يأذن له بترك الصلاة في المسجد قال: «أتسمع النداء؟» قال: نعم. قال: «فأجب، فإني لا أجد لك رخصة». وحيث بهريرة لما هم النبي صلى الله عليه وسلم أن تقام الصلاة ثم يذهب إلى أناس يتخلفون عن الصلاة فيحرق عليهم بيوتهم بالنار. وهذا من أدلة كثيرة تدل على وجوب إقامة الصلاة في بيوت الله، وإقامتها في بيوت الله لا بد فيه من التعاون. يعني لو جاء الإنسان لوحده هل يستطيع أن يقيم الجماعة؟ الجواب: لا. ما يمكن إلا أن يأتي هذا ويأتي ذاك، ويحصل التعاون في إقامة هذا الواجب. ومن فوائد التعاون في إقامة هذا الواجب مضاعفة الأجر والثواب، يضاعف الأجر والثواب. فإن الإنسان إذا صلى وحده كان أجره قليلًا، وإذا صلى مع الجماعة ضوعف له الأجر. والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «صلاة الرجل في جماعة تضاعف على صلاته في بيته وسوقه سبعًا وعشرين ضعفًا». وذلك أنه إذا توضأ فأحسن الوضوء، ثم خرج إلى الصلاة لا يريد إلا الصلاة، لا ينهزه إلا الصلاة، لم يخط خطوة إلا رفع له بها درجة، وخط عنهم بها خطيئة. فإذا صلى لم تزل الملائكة تصلي عليه ما دام في مصلاه، «اللهم صل عليه، اللهم ارحمه، ما لم يؤذ فيه، ما لم يحدث فيه». متفق عليه. انظر كيف يضاعف الأجر والثواب في إقامة هذه العبادة في بيوت الله جل وعلا. ثم كذلك أيضًا يحصل النشاط في إقامة هذا الواجب، وهكذا كذلك أيضًا يسهل القيام بهذا الواجب. فيجب على الإنسان أن يرى أن هذه العبادة ليست بالثقيلة ولا بالأمر الصعب عليه عندما يرى جماعة المسلمين يقومون بها. ومثل الصيام مثلًا عندما يصوم الناس في رمضان، يرى هذا الصائم وذاك الصائم، والناس كلهم صيام، تسهل عليه القيام بهذه العبادة والطاعة لحصول التعاون في إقامتها. فالإنسان بحاجة عظيمة أن يتعاون مع غيره؛ لأنه لوحده ضعيف، لكنه مع غيره قوي، مع غيره يقوى. كحال العيدان إذا فرقت سهل كسرها وتكون ضعيفة، فإذا جمعت وربطت صارت لها قوة. وكما قيل: إن الرماح إذا اجتمعت أبدًا تكسر، وإذا افترقت تكسرت أحدًا. إذا فرقتها استطعت أن تكسرها واحدة بعد الأخرى، لكن إذا جمعتها صارت لها قوة. وهكذا التعاون في فعل العبادة والطاعة. وقل ذلك في سائر العبادات والطاعات، حتى ما كان منها مستحبًا. مثلًا قيام الليل، قيام الليل طاعة مستحبة، لكن إذا حصل تعاون في إقامتها يحصل المقصود من فعل هذه الطاعة والعبادة. ربما الإنسان وحده يكسل، لكن يعين غيره، يقول: يا فلان، أيقظني في الساعة كذا وكذا حتى أقوم مصليًا. فيتعاون معه هذا يصلي مثلًا جزءًا من الليل، ثم يقيم أخاه فيصلي جزءًا آخر، ثم يقيم أخاه فيصلي جزءًا آخر، ويحصل الخير في إقامة هذه الطاعة والعبادة. كما كان بعض السلف رحمهم الله يفعلون ذلك. قال أبو عثمان النهدي رحمه الله: «تضيفت أبا هريرة سبعة أيام، فكان يقسم الليل ثلاثة أثلاث بينه وبين أمه وبين خادم، يقوم ثلثًا، ثم يوقظ الآخر فيقوم ثلثًا، ثم يوقظ الثاني الثالث فيقوم الثلث الآخر من الليل». هكذا يقسمون الليل أثلاثًا. وذكر الإمام الذهبي رحمه الله عن الحسن البصري أنه كان يقسم الليل بينه وبين أخيه، وبين أمه، كل واحد يقوم ثلث الليل. فلما ماتت أمه اقتسم الليل بينه وبين أخيه، يقوم النصف ويقوم أخوه النصف الآخر. فلما مات أخوه قام الليل كله. وكان يلقب بحية الوادي؛ لأنه لا ينام في الليل. همم عالية ومحبة للطاعة والعبادة. لكن المقصود التعاون الذي كان بينهم في فعل هذه الطاعة والعبادة. إذا العبادات تحتاج إلى تعاون، تحتاج إلى تعاون. قراءة القرآن وحفظه مثلًا يحتاج إلى تعاون. ربما الإنسان وحده يكسل، لكن لما يكون عنده من يعينه ومن يسمع له ينشط ويستمر في الحفظ. ويكون عنده اهتمام فيحصل الخير العظيم. هكذا في مجال الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى، وهي كما نعلم من أعظم الطاعات والعبادات، وهي سبيل الأنبياء والرسل. قال جل وعلا: ﴿قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني﴾. وقال جل وعلا: ﴿ومن أحسن قولًا ممن دعا إلى الله وعمل صالحًا وقال إنني من المسلمين﴾. الدعوة إلى الله تحتاج إلى مناصرة ومعاونة، بل الله جل وعلا أمر عباده المؤمنين بمناصرة في إقامة هذا الدين، أن يكونوا أنصارًا لله، وأعوانًا لله في نشر دينه، وفي نشر كتابه، وسنة نبيه. قال جل وعلا: ﴿يا أيها الذين آمنوا كونوا أنصار الله كما قال عيسى ابن مريم للحواريين من أنصاري إلى الله﴾. أي أعوان الله في إقامة دينه، وإقامة شرعه، والدعوة إلى هذا الدين. وهذا الأمر يحتاج إلى تعاون، فإن حصول التعاون في الدعوة يحصل به المؤازرة، ويحصل به القوة. ماذا قال الله عز وجل عن موسى عليه السلام حين طلب من ربه جل وعلا أن يبعث معه أخاه هارون؟ قال: ﴿أشدد به أزري وأشركه في أمري﴾. قال جل وعلا: ﴿سنشد عضدك بأخيك﴾. شددنا عضدك بأخيك، نقويك. لما يكون معه غيره يقوى ويشتد، ويزيد العزم والهمة، فيحصل بذلك الخير. ورقة بن نوفل لما جاء إليه النبي عليه الصلاة والسلام وأخبره بما نزل عليه من الوحي، قال: «والذي نفسي بيده، إنه الناموس الذي كان يأتي موسى عليه السلام». ثم قال: «ليتني أكون حيا إذ يخرجك قومك» -يعني من مكة-. قال النبي عليه الصلاة والسلام متعجبًا: «أو مخرجي هم؟» قال: نعم. لم يأت أحد بمثل ما جئت به إلا عودي. وإن يدركني يومك أنصرك نصرا مؤزرًا. إذا أدركت هذا الزمن الذي تبعث فيه فأنا من أعوانك ومن أنصارك. فالمقصود أن الدعوة إلى الله تحتاج إلى تعاون، سواء كان ما يتعلق بأمر الخطابة أو بأمر الدروس أو بإقامة حلقات العلم أو حلقات القرآن أو غير ذلك من طرق الدعوة إلى الله جل وعلا. فلابد فيها من التعاون. لا تكن اتكاليًا، خلاص فلان يخطب، جزاه الله خيرًا. الخطبة طيبة. فلان هذا عنده حاجات عنده أمور، ربما يمرض، ربما يسافر، ربما يحصل له ظرف يحتاج من يعينه، من يقوم معه، من يحل فراغه إذا حصل له شيء. فلابد أن تهيئ نفسك لهذا الأمر، وأن تكون عضدًا له ومعينًا له على هذا الخير. كذلك أيضًا إقامة الدروس قد يدرس الأخ مثلًا بعد الصلاة درسًا، سواء في هذا الموضع أو في غير هذا المسجد. فمن التعاون أن تحضر، تجلس بالدرس، تستمع، تكثر من سواد إخوانك في هذا الدرس، حتى يستمر هذا الخير. كيف يستمر هذا الخير وأنت لا تحضر وتتكاسل وتذهب في مشاغلك؟ وربما ما عندك مشاغل، لكن كما يقال: تتشاغل وتجعل لك أشغالًا، ثم تخرج وتذهب. فإذا خرجت أنت وخرج هذا وذهب هذا وذهب ذاك، هل سيقام الدرس ويستمر؟ الجواب: لا. يدرس الصفوة في المسجد لا حضورك والتزامك وحرصك على الجلوس هذا من التعاون على إقامة هذا الخير واستمرار هذا الخير. كذلك حلقات القرآن، تدريس الأطفال أمر مهم وهو من سبب الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى. تقيم حلقة تدرس أبناءك وإبناء إخوانك من المسلمين القرآن والسنة، هذا أمر ينبغي الاعتناء به، وله ثمرة عظيمة ومباركة. هؤلاء الأولاد الصغار إذا تربوا على السنة من صغرهم فإنهم سيكبرون وهم على هذا الخير العظيم، على معرفة للتوحيد، وعلى محبة للسنة والخير. فتكون أنت سببًا في نشأتهم على هذه النشأة الطيبة. وهذا يحتاج إلى صبر وإلى تعاون. ما ترى الله فلان عنده الحلقة، جزاه الله خيرًا. أنا أذهب، تذهب في عملك أو في بيتك. لا، بل ابدأ تعاون، أنت تمسك حلقة، وذاك يمسك حلقة، أو يحصل التعاون إذا كان عندك مشاغل تمسك أيامًا ويمسك أخوك أيامًا أخرى. وهكذا يحصل الخير إذا حصل التعاون في مثل هذا الباب. تستمر استمرار الحلقات له أثر وتكون له ثمرة. أما إذا حصل الانقطاع تحضر يومًا وتغيب ثلاثة أيام، هل سيبقى أولئك الأولاد جالسين في المسجد؟ الجواب: لا. لا شك أنهم سيصيبهم الملل ويذهبون ربما إلى الشارع أو إلى بيوتهم أو إلى مساجد أخرى. ما هو السبب؟ السبب عدم التزامك بالحضور، وتصوير نفسك على تعليمهم. فينظر هناك تعاون، أنت مشغول عندك أيام تشغل فيها، اجعل من إخوانك من يمسك محلك، والآخر يحرص على إعانة أخيه على هذا الخير. وهكذا يحصل الخير المقصود، وكذلك أيضًا تحصل الثمرة المقصودة. ثم لا تستهين بحلقات الأطفال، لا تقول: أنا أدرس أطفالًا صغارًا وأنا كبير. النبي عليه الصلاة والسلام يقول: «خيركم من تعلم القرآن وعلمه». جعل النبي عليه الصلاة والسلام الخيرية فيمن علم القرآن وعلمه. فأنت في خير عظيم، أنت في خير عظيم. بعض الأئمة كانوا يدرسون الأطفال، كانوا يدرسون الأطفال. ذكر عن الأعمش أنه كان عنده أطفال كتّاب، فمر عليه رجل فقال له: «يا إمام، ما تفعل مع هؤلاء الأطفال وأنت إمام من أئمة أهل الحديث؟» قال له: «يا أحمق، هؤلاء يحفظون لك دينك». هؤلاء الصغار غدًا سيكبرون ويصيرون شبابًا ثم رجالًا، ويكونون من حفظة هذا الدين، حفظة لكتاب الله، ولسنة رسول الله عليه الصلاة والسلام. فالمقصود أنك لا تستهين بهذا الخير، واحتسب الأجر والثواب. أنت في مجلس من مجالس الذكر، وفي بيت من بيوت الله، لا أقل شيئًا تحتسب هذا الأجر والثواب. والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «لا أدلكم على ما يمحو الله به الخطايا ويرفع به الدرجات؟» قالوا: «بلى يا رسول الله». قال: «إسباغ الوضوء على المكاره، وكثرة الخطى إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة، فذلكم الرباط». رواه مسلم عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه. كذلك أيضًا حضور مجالس العلم والمحاضرات هذا من التعاون على البر والتقوى، أن تحرص على الحضور والذهاب لحضور المحاضرات. هذا أيضًا من التعاون على البر والتقوى الذي ينبغي أن يحرص عليه. فأنت بحضورك وجلوسك تعين على استمرار هذا الخير وبقائه. وهكذا أيضًا كذلك فيما يتعلق بهذا الباب، التعاون كذلك بطلب العلم. التعاون في طلب العلم ربما تكون مشغولًا، عندك مشاغل وعندك أمور، فيتسنى لك في بعض الأحيان أن تحضر، وفي بعض الأحيان الآخر لا تستطيع. فتتعاون مع أحد إخوانك الذي عنده استطاعة للحضور في اليوم الذي تغيب فيه. فيخبرك بما سمع من العلم والخير، وهذا مما تنتفع به. الإمام البخاري رحمه الله عقد في صحيحه بابًا في التناوب في طلب العلم أو في طلب الحديث، وذكر قصة عمر رضي الله عنه مع صاحبه الأنصاري. كان أي عمر وصاحبه الأنصاري في أعالي المدينة، فكان يتناوبان في الحضور عند النبي عليه الصلاة والسلام. يحضر هذا يومًا فيسمع من النبي عليه الصلاة والسلام، ثم إذا رجع أخبر صاحبه بما سمعه. وفي اليوم الثاني يحضر الآخر فيسمع من النبي عليه الصلاة والسلام، ثم إذا رجع أخبره بما سمع من النبي عليه الصلاة والسلام. هذا من التعاون على البر والتقوى في طلب العلم. وهذا لا شك يحرص عليه من كان حريصًا على طلب العلم، وحريصًا على الخير. فأنت تحرص، ينبغي أن تكون حريصًا على الخير حتى توفق له. وهكذا أيضًا مما يتعلق بطلب العلم كان العلماء يتعاونون حتى في تأليف الكتب، في تأليف الكتب. ومما يحتاج إلى من يعينه في تأليف الكتاب، وفي النظر مثلًا في المراجع أو نحو ذلك. ذكر أهل العلم أن الحافظ العراقي رحمه الله الذي حقق كتاب إحياء علوم الدين للغزالي، ما فيه من أخطاء، كان يتعاون مع الإمام الزيلعي الحنفي، صاحب الهداية والكشاف. فكان يتعاونان العراقي والزيلعي في تخريج هذه الكتب، حتى ماذا أخرج هذه الكتب الثلاثة، وهي من مراجع كتب العلم عند العلماء. وهذا بسبب التعاون. كذلك أيضًا التعاون على البر والتقوى في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، هذا الأمر واجب من الواجبات التي هي على سبيل الكفاية. إذا قام به البعض سقط الإثم عن الآخرين، لكنه واجب على الجميع. قال جل وعلا: ﴿كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله﴾. والله جل وعلا يقول: ﴿والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر﴾. فهذا القيام بهذا الواجب لا بد فيه من التعاون. ما تقول: والله إخواننا زالوا، الله أكبر، يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر. طيب أنت ليس لك دخل، أو ليس لك طريق للتعاون بهذا الخير. ما تريد أجرًا ولا ثوابًا، ولا أن يدفع الله سبحانه وتعالى عنك عقوبة. لا بد أن يكون عندك حرص على التعاون بهذا الباب؛ لأنك إن تركته حصل الضرر على الجميع. قال الله جل وعلا: ﴿واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة﴾. والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «مثل القائم في حدود الله والواقع فيها كمثل قوم استهموا على سفينة، فكان قوم في أعلاها وقوم في أسفلها». يعني اتفقوا فكان نصيب قوم في الأسفل، ونصيب آخرين في الأعلى. فكان الذين في أسفلها -أي في أسفل السفينة- إذا أرادوا ماء صعدوا إلى من فوقهم حتى يأتون بالماء. فقالوا: «لو خرقنا في نصيبنا خرقًا ولم نؤذ من فوقنا» -يعني لو أننا نجعل ثقبًا في أسفل السفينة، ويأتينا الماء من الأسفل- ما نحتاج أن نطلع ونصعد ونؤذي من في الأعلى. قال النبي عليه الصلاة والسلام: «لو تركوهم وما أرادوا هلكوا جميعًا، ولو أخذوا بأيديهم لنجوا ونجوا جميعًا». لو تركوهم وما أرادوا -يعني أن يخرقوا ثقبًا في أسفل السفينة- ما هي النتيجة؟ سيصعد الماء من البحر حتى تمتلئ السفينة ثم تغرق، ويهلك الجميع. وإذا منعوهم من أن يخرقوا ثقبًا في أسفل السفينة حصلت النجاة للجميع، من في الأسفل ومن في الأعلى. وهذا حال من يقوم بالأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، فإنه يكون عونًا على سلامة الجميع. يكون عونًا على سلامة الجميع. إذا أخذ بيد الظالم، وبيد المعتدي، وبيد العاصي والمذنب، فإنه بهذا يحفظ المجتمع كله أن يصيبه السوء والشر. وإذا تركه هذا يقول: ليس لي دخل، وهذا يقول: ما لي دخل، وهذا يقول: «يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم». هنا يحصل الخلل في المجتمع، ويكون معرضًا عياذًا بالله لغضب الله وسخطه. كما نرى في كثير من البلاد التي يكثر فيها الفساد، وتنتشر فيها الفواحش والمنكرات، فينزل الله سبحانه وتعالى عليها عقابه وعذابه، ثم يعم ذلك الجميع الصالح والطالح. بسبب ترك هذا الواجب. إذا لابد من التعاون، لابد من التعاون في هذا الباب. وجد مثلًا من علم عنه الشر والسوء، ينبغي أن يتعاون الجميع في إيقافه عند حده، والأخذ بيده ونصحه. إن أمكن أن ينصح ويرشد ويترك ما هو واقع فيه من هذا المنكر. وإما أن يعني يحذر الناس منه، فيكون على حذر منه حتى لا يكون أداة فساد في المجتمع. وكذلك أيضًا تفصل في مجتمعات المسلمين. اليد مثلًا إذا أصيبت بالمرض، إذا ترك المرض انتشر انتشر من اليد إلى الكتف إلى البدن إلى سائر الجسد. لكن إذا أخذ هذا المرض ووقف وعولج، فإن هذا يمكن قطع سلم بقية الجسد. وهكذا وجود أولئك المرضى من الناس الذين علموا بالشر والفساد، ينبغي أن يوقفوا عند حدهم حتى يسلم المجتمع من شرهم. وهذا لا شك يحتاج إلى تعاون، يحتاج إلى تعاون من الجميع. من له وجاه وله منزلة وله شرف عند الناس، ينبغي أن يقوم بمثل هذا الأمر مع إخوانه. ومن عندهم المحبة والحرص على الخير يتعاون الجميع على تحقيق هذا الواجب من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وبذلك كما سمعنا يحصل الخير العظيم. الله عز وجل أخبرنا في قصة بني إسرائيل قال جل وعلا: ﴿وسألهم عن القرية التي كانت حاضرة البحر إذ يعدون في السبت إذ تأتيهم حيتانهم يوم سبتهم شرعًا﴾. الله عز وجل حرم على بني إسرائيل أو بعض بني إسرائيل الصيد يوم السبت، وابتلاهم الله سبحانه وتعالى أن يأتي الصيد يوم السبت فيكون ظاهرًا على سطح الماء. ﴿وإذ قالت أمة منهم لم تعظون قومًا الله مهلكهم أو معذبهم عذابًا شديدًا قالوا معذرة إلى ربكم ولعلهم يتقون﴾. أنكر عليهم طائفة وحذروهم من غضب الله، وحذروهم من غضب الله وعقابه. وقوم سكتوا لم ينكروا، وكذلك أيضًا لم يفعلوا فعلهم. كذلك قال الله عز وجل: ﴿قالوا معذرة إلى ربكم ولعلهم يتقون فلما نسوا ما ذكروا به أنجينا الذين ينهون عن السوء وأخذنا الذين ظلموا بعذاب بئيس بما كانوا يفسقون﴾. أنجى الله سبحانه وتعالى الذين أنكروا عليهم، وردوا أن يمنعوهم. وعاقب أولئك الذين فعلوا هذا المنكر. وسكت عن الطائفة الثالثة التي لم تنكر. فالتعاون في هذا الباب أمر ينبغي أن يحرص عليه الجميع. وهو كما سمعنا سبب لحصول الخير، ولسلامة المجتمع من انتشار الشر والفساد في أوساطه. كذلك أيضًا التعاون في أمور الدنيا، أن تعين أخاك المسلم في حاجته التي يحتاج إلى من يعينه فيها. هذا من التعاون على البر والتقوى. يحتاج إلى من يحمل له متاع، أو من يعمل معه، أو من يعني يصنع له شيئًا. هذا باب من أبواب الخير الذي ينبغي أن لا يستهان به. والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «كل معروف صدقة». وفي عهد أبي هريرة رضي الله عنه قال عليه الصلاة والسلام: «كل سلام من الناس عليه صدقة كل يوم تطلع فيه الشمس، تعين بين الاثنين صدقة». اثنان متخاصمان تأتي فتصلح بينهما لك بذلك صدقة. والله عز وجل يقول: ﴿لا خير في كثير من نجواهم إلا من أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس﴾. فإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما. أمر الله عز وجل بالإصلاح بين الطائفتين المقتتلتين، سواء كانت الطائفة اثنين أو أكثر. تصلح بينهما لك بذلك صدقة، أجر وثواب. قال: «تعين الرجل في دابته فتحمله عليها أو تحمله عليها متاعه صدقة». إنسان يريد أن يمشي في دابته، والدابة تحتاج إلى إعانتك، ربما يركب الدراجة وتحتاج إلى دفع، إعانتك له على ركوبه هذا المركب لك بذلك صدقة. لك بذلك صدقة، مع أنه عمل يسير ليس فيه ثقل ولا كلفة. «وتعين الرجل في دابته فتحمله عليها أو تحمله عليها متاعه صدقة». عنده متاع يريد أن يحمله في السيارة أو في دراجته يحتاج إلى من يعينه. فتعينه على ذلك لك بذلك صدقة. هذا من التعاون على البر والتقوى. بل والكلمة الطيبة صدقة. الكلمة الطيبة صدقة. تكلم أخاك المسلم بكلمة طيبة تدخل السرور على قلبه لك بذلك صدقة. قال: «ويجزئ عن ذلك ركعتان يركعهما من الضحى». تصلي ركعتين بالضحى تجزئ لك عن كل هذه الصدقات. هذا باب عظيم من أبواب الخير المقصود. التعاون تعاونك مع أخيك المسلم هذا من التعاون على البر والتقوى، وتؤجر على ذلك وتثاب. كذلك أيضًا التعاون في سبيل الله جل وعلا في إقامة الجهاد، وعلى كلمة الله. إن حصل جهاد وقتال للأعداء بالضوابط الشرعية، فلابد من التعاون كما كان النبي صلى الله عليه وسلم مع أصحابه. كان يعين بعضهم بعضًا. وانظروا ما حصل في الخندق حين بلغ النبي عليه الصلاة والسلام بتجمع الأحزاب وقبائل العرب المشركين على غزو المدينة. فأشار سلمان الفارسي رضي الله عنه إلى النبي عليه الصلاة والسلام بحفر الخندق أمام مدخل المدينة، فيكون مانعًا من وصول المشركين إليهم. فتعاون حتى النبي عليه الصلاة والسلام كان يحفر معهم عليه الصلاة والسلام بنفسه. وكان يقول عليه الصلاة والسلام: «لا عيش إلا عيش الآخرة، فاغفر للأنصار والمهاجرين». ومكث أياما لا يذوقون ذواقًا -أي طعامًا- حتى عصبوا الحجر على بطونهم. لأجل ماذا؟ تعاونوا على البر والتقوى لإعلاء كلمة الله والدفاع عن دين الله، ورد كيد الأعداء. فهذه الأمور تحتاج إلى تعاون. إقامة الجهاد في سبيل الله كما سمعنا بالضوابط الشرعية ما يقام إلا بالتعاون. هذا يعين هذا، يعين بماله لشراء ما يحتاجون إليه من عتاد وسلاح. وهذا يعين ببدنه بالقتال والجهاد. وهكذا يحصل الخير. وهذا أيضًا مما يذكر فيما مضى في باب الدعوة إلى الله. كما ذكرنا ما يتعلق بالخطابة والدروس ونحو ذلك. أيضًا بذل المال، فإن من سبل الدعوة إلى الله وطرق الدعوة إلى الله بذل المال. عندما تبذل مالك إذا لم يكن عندك علم لا تستطيع أن تخطب ولا تدرس. لكن عندك أموال تستطيع أن تبذل المال في سبيل الدعوة إلى الله. تكفل طالب علم تنفق عليه. تبذل المال في شراء الكتب النافعة وتوزعها مثلًا على الناس. هذا من سبيل صبر الخير العظيمة. بل كان بعض الأئمة ينفقون على طلبة العلم من أموالهم، وربما يتاجرون من أجل ذلك. كما ذكر العلماء عن الإمام المبارك عبد الله بن المبارك الذي قيل فيه: إنه شابه الصحابة في كل شيء، ولم يفق عليه الصحابة إلا بشرف الصحبة. كان عالما عابدًا تاجرًا مجاهدًا. فما من باب من أبواب الخير إلا وكان من المسابقين إليه. ومع ذلك كان ينفق على كثير من طلاب العلم ينفق عليهم من ماله. هذا باب عظيم من أبواب الخير الذي ينبغي أن يعتنى به. وهكذا أيضًا كما أننا نتعاون على البر والتقوى، كذلك نتعاون في دفع الإثم والعدوان. فالله عز وجل أمرنا بالتعاون على البر والتقوى، ونهانا أن نتعاون على الإثم والعدوان. تعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان. ما هو الإثم؟ الإثم هي كل معصية يفعلها الإنسان فيأثم على فعلها، فيكون هذا نهيا عن كل معصية نهى الله سبحانه وتعالى عنها. والعدوان الاعتداء على الآخرين في مال أو دم أو عرض. فالله جل وعلا نهانا أن يعين بعضنا بعضًا على الإثم والعدوان. وإن من أعظم الإثم على جهة الإطلاق هو الشرك بالله جل وعلا. الشرك بالله جل وعلا من أعظم الإثم. والله جل وعلا يقول: ﴿إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة ومأواه النار وما للظالمين من أنصار﴾. المشرك إذا مات على الشرك حرمت عليه الجنة، وكان مصيره إلى النار. ويقول جل وعلا:

شاركنا على