التعليق على النبذة الشريفة النفيسة في الرد على القبوريين 27

الدرس في التعليق على النبذة الشريفة النفيسة في الرد على القبوريين 27، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

حكم من مات قبل ظهور الدعوة الإسلامية وإقامة الحجة

يشرح هذا الفصل مسألة إقامة الحجة على الناس وفرقها عن فهم الحجة، ويتطرق إلى حكم من مات قبل ظهور الدعوة الإسلامية. يُبين المؤلف عدم الحكم بكفرهم أو إسلامهم لعدم بلوغ الحجة إليهم.

مسألة بلوغ الإسلام بشكل صحيح وتأثيرها على الحكم

يتناول هذا الفصل مسألة حكم من لم يبلغه الإسلام بشكل صحيح، ويشرح أن من نشأ في مجتمع لا يعرف إلا أمورا معينة قد يكون معذورا إذا لم تبلغه الحجة. يُفرق بين الحكم المطلق والحكم على معين.

الفرق بين الحكم المطلق والحكم المعين في مسائل الكفر واللعنة وتخريجها

يشرح هذا الفصل الفرق بين إطلاق الكفر أو اللعنة على مجموعة أو فعل معين وبين توجيهها لشخص محدد، ويبين أن الحكم المطلق جائز بينما يتطلب الحكم على شخص معين توافر شروط وانتفاء موانع. كما يتطرق إلى تخريج حديث الحكم المطلق والمعين عند الإمام البخاري.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه. أما بعد، فذكرنا في الدرس الذي مضى ما ذكره المؤلف رحمه الله من الفرق بين إقامة الحجة وفهم الحجة، وأن قيام الحجة لا يشترط فيها فهمها، كأن الله عز وجل أقام الحجة على الكفار وهم لم يفهموا هذه الحجة. بل وحجج الله عز وجل على قلوبهم أكنة أن يفقهوه، كما ذكر الله عز وجل: ﴿أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا﴾. فلهذا فهم لا يفهمون ولا يعقلون. وقيام الحجة وبلوغها نوع، وفهمها نوع آخر. وكفرهم الله عز وجل ببلوغها إياهم، لكن كما قلنا هذا في الأشياء الضرورية التي تعلم من دين الله عز وجل بالضرورة. معنى بلوغ الحجة يعتبر إقامتها. قال رحمه الله: إذا تقرر هذا، ثم ذكر قتل علي الذين اعتقدوا فيه الإلهية، وكذلك ذكر إجماع السلف على تكفير ناس من غلات القدرية وغيرهم، مع كثرة علمهم وشدة عبادتهم. أي هؤلاء القدرية ويظنون أنهم يحسنون صنعا، ولم يتوقف أحد من السلف في تكفيرهم؛ لأجل أنهم قالوا قولا كفرا، وهو الذين ينكرون علم الله جل وعلا، ويقولون إن الله لا يعلم إلا بعد وقوع الشيء، أن ينكرون علم الله عز وجل أزلي. قال: إذا تقرر هذا، فنقول هؤلاء الذين ماتوا قبل ظهور هذه الدعوة الإسلامية وظاهر حالهم الشرك بالله، لا نتعرض لهم ولا نحكم بكفرهم ولا بإسلامهم. قال: بل نقول من بلغته هذه الدعوة المحمدية وانقاد لها، ووحد الله وعبده وحده لا شريك له، والتزم شرائع الإسلام وعمل بما أمره الله به وتجنب ما نهاه عنه، فهذا من المسلمين الموعودين بالجنة في كل زمان وفي كل مكان. وأما الذين ماتوا قبل ظهور هذه الدعوة، هؤلاء ما بلغتهم الحجة، لكن هنا قال: ولا نحكم بكفرهم ولا بإسلامهم؛ قد يكون هذا من باب إشكال أننا لم نعلم هل بلغتهم الحجة أو لم تبلغهم. وإلا الأصل أن الحجة إذا بلغت تكفي. قال: وأما من كانت حاله حال أهل الجاهلية، لا يعرف التوحيد الذي بعث الله رسوله يدعو إليه، ولا الشرك الذي بعث الله عز وجل رسوله ينهى عنه ويقاتل عليه، فهذا لا يقال إنه مسلم لجهله. بل من كان ظاهر عمله شرك بالله، فظاهره الكفر، فلا يستغفر له ولا يتصدق عنه، ونكل حاله إلى الله الذي يبلو سرائر ويعلم ما تخفي الصدور. وهذا كما قلنا قول من أقوال أهل العلم، وإلا فقد قال بعض أهل العلم: إن من نشأ في مجتمع لا يعرف إلا هذه الأمور، كما هو موجود في هذه البلاد، وهناك من هو متعلم هذا العلم أيضا يؤيد هذه الأمور ويقررها، فمثل هذا لا شك أنه معذور إذا لم تبلغه الحجة، وإنما سمع إلا هذه الأشياء وظنها من دين الله. وهذا حاله حال من لم يعرف دين الله جل وعلا، مثل من قائم لما أسلم، أسلم الثقيف وغيرهم أو بني مدلج لما أسلموا. فأرسل النبي عليه الصلاة والسلام إليهم خالد، ولما رأوا خالد قالوا: «صبعنا صبعنا»، هم يريدون يشأنهم أسلمنا. فقالوا: «صبعنا صبعنا»، فقتلهم خالد. جاءت في رواية أنه قتل أحدهم، وفي رواية أنه قتل جماعة. فالنبي عليه الصلاة والسلام لم يرض بهذا الفعل، فقال: «إني أبرأ إليك» -يعني يقول اللهم إني أبرأ إليك مما فعل خالد-. فهم لما معنى بجهلهم ظنوا أن الإسلام هو هذا. معنى «صابية» فيقولون: «صبعنا صبعنا»، معنى ما قالوا: «أسلمنا أسلمنا». فمثل هؤلاء يعذرون لهذا. النبي صلى الله عليه وسلم غضب لما فعل ذلك خالد رضي الله عنه وتبرأ. وخالد كان معذورا فعل هذا؛ لأنه لما رأاهم قالوا هذه الكلمة، وهذه الكلمة لا يقولها إلا أعداء الإسلام في ذلك الوقت. والكفار يقولون على أهل الإسلام صابئة، فلهذا ظن خالد أنهم عارضوا الإسلام وواجهوه بهذا. فمثل هؤلاء جهال، معنى بلغتهم الدعوة لكن ظنوا أن الإسلام هو دين الصابئة. وصابئ عند أهل الجاهلية إما يطلق على عبدة الكواكب أو يطلق على من غير دينه. فلهذا لما أسلم الناس قالوا: «صبعه». فكل من أسلم يقال له صابع، أي غير دينه الذي كان عليه. فلهذا فهم قالوا: «صبعنا». وهذا كما قلنا: إن من لم يعلم الحال الذي عليه هل الإسلام أو جهل أحكام الإسلام، ولو كانت من الضروريات؛ لأنه نشأ في حالة لا تمكنه من معرفة ذلك، فإنه معذور. قالوا: لا نقول فلان مات كافرا؛ لأننا نفرق بين المعين وغيره. فلا نحكم على معين بكفر. لا نقول مثلا من مات في زمن الجاهلية -أقصد في زمن معين قبل ظهور الدعوة- دعوة السنة نقول أنه كافرا لا. قال الشيخ هنا: لا نقول هذا؛ لأن هذا حكم على معين، والحكم على المعين يختلف عن الحكم المطلق. وهذه مسألة مهمة جدا. الحكم المطلق يختلف عن الحكم المعين. فالحكم المطلق مثلا نقول: من فعل كذا فهو كافر. لكن الحكم المعين لا بد أن تتوفر فيه شروط وتنتفي الموانع. إذا توفرت في الشخص الشروط حتى نقيم عليه هذا الحكم، وانتفت الموانع، فهنا نقول كافر. أما نعين فلان كافر، هذا التعيين يحتاج إلى توفر الشروط وانتفاء الموانع من كفره. وأما الكفر المطلق فهذا لا يطلق عليه من فعل كذا فهو كافر مثلا. يقال: من قال كذا فهو كافر. مثلا يقال في بعض عقائد الرافضة والجهمية أنها كفر. لكن هل نحكم على معين بأنه كافر؟ لا بد أن نقيم عليه الحجة أو كما نقول تتوفر الشروط وتنتفي الموانع. قال: فينبغي للطالب أن يفهم الفرق بين المعين وغيره. فنكفر من دان بغير الإسلام جملة، ولا نحكم على معين بالنار. أنا إذا كان مع أهل الإسلام. وأما إذا كان من أهل الكفر فلا شك أننا نكفر ونقول أنه من أهل النار. قال: ونلعن الظالمين جملة، ولا نخص معينا باللعنة، مثل ما فعل النبي صلى الله عليه وسلم: «لعن الله شارب الخمر»، أو «لعن في الخمر عشر». ولما جيء له بعبد الله النعيمان، فقال الرجل: «لعنه الله ما أكثر ما يؤتى به». فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا تعين الشيطان على أخيكم». وقال: «لا تلعنوا؛ فإنه يحب الله ورسوله». فانظر هنا إلى الفرق بين الحكم المطلق والحكم المعين. الحكم المطلق: «لعن الله شراب الخمر». والحكم المعين لم يلعنه، بل أنكر النبي صلى الله عليه وسلم على من لعنه. وهذا يدلك على الفرق العظيم الذي يكون فيه الحكم المطلق من الحكم المعين أو حكم على المعين. قال: ولا نخص معينا باللعنة؛ لأن اللعنة أيضا طرد من رحمة الله، وهذا لا يعلمه إلا الله. فلهذا لا تكون اللعنة إلا فيمن يستحقها. ولهذا هناك قول من أقوال العلم: أنه لا يجوز أبدا ما دام أن الإنسان على الإسلام. بل بعضهم يقول: حتى ولو كان كافرا لا يلعن؛ لأنه طرد من رحمة الله، إلا إذا كان الإنسان يعرف أنه مات على الكفر ولم يتغير. قال: كما ورد في الأحاديث من لعن السارق وشارب الخمر. فنلعن من لعنه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا نخص شخصا بلعنه النبي صلى الله عليه وسلم. قال: «لعن الله آكل الربا». لكن لو وجدنا من يتعامل بالربا، هل يجوز أن نلعنه معينا؟ لا؛ لأن هناك شروط وموانع تجعل هذا الأمر لا ينبغي. قال: بيّن ذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لعن شارب الخمر جملة، ولما جلد رجلا وقد شرب الخمر، فقال رجل من القوم: «اللهم لعنه ما أكثر من يؤتى به». فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا تلعنوه؛ والله ما علمت إلا أنه يحب الله ورسوله». وهذا الحديث أخرجه الإمام البخاري عن عمر، وتفرد به الإمام البخاري، ولم يخرجه مسلم، بل لم يخرجه حتى أحمد بن حنبل رحمه الله. طيب، هذا خلاصة ما يذكر في هذا الأمر: أن هناك فرق بين الحكم المطلق والحكم المعين. إن شاء الله نكتب بهذا. والله تعالى العالم.